باقر صاحب: مداخل مقترحة لقراءة تجربة الشاعر باسم فرات.. مجموعة (أنا ثانية ) أنموذجاً

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 494
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    باقر صاحب: مداخل مقترحة لقراءة تجربة الشاعر باسم فرات.. مجموعة (أنا ثانية ) أنموذجاً

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 10:46 am

    ولوجا في التجربة الشعرية لباسم فرات، يمكن أن نطأ عتبات رؤى تستظهر ملامح جمالية وفيوضا: دلالية ــ معرفية مقترنة باستشفاف جذور تاريخ العراق وأساطيره فضلا عن بلاد المنافي التي قطن فيها الشاعر مثل نيوزيلندا واليابان، وحياتية شعرنت الاحتجاج على كل شيء واستثمرت الوطن والام والاب وكربلاء والخريف والأصدقاء، كل تلك وحدات بؤر تشظت الى مجتزآت سرد ــ شعر مع خلق انزياحاتها في تشكيلات جمالية ذات اقتصاد لغوي مدروس ما يسهم في انجاح المعايير الفنية لقصيدة النثر الحديثة التي يكتبها باسم فرات.
    أولا: تفعيل عناصر ما بعد انتاج النص
    القراءة التحليلية لتلك العناصر التي تمثل المسافة الكامنة بين انتاج النص وتقديمه كتابا للجمهور (1)، تعد ضرورة لانجاز التحليل التكاملي لتجربة باسم فرات في هذه المجموعة (2)، ونلمس سعيا من الشاعر لتقديم تلك العناصر بصورة مغايرة لتفعيل جماليات متونه الشعرية، وهي بحسب المجموعة: العنوان الرئيس، الاهداء، بيبلوغرافيا الشاعر الاحتجاجية والفهرسة.
    يشكل المحمول الدلالي للعنوان (أنا ثانية) نقلة مهمة في تجربة الشاعر، بحسب الالماحات الذاتية له، وايحاءات لغنائية شفيفة متسربة من متون النصوص، وسرد ــ شعري لحياة مضمخة بعذابات وآلام الغربة ــ أي رحلة العذاب العراقي من مياه الوطن الدافئة الى أصقاع المنافي.
    الاهداء باعتباره احد عناصر (ما بعد انتاج النص) طغت على نسيجه النصي الموجز رسائل الحزن، الاهداء (عنوانا) اقترح صيغة الإهداء اللامألوف (ما يغني عن الاهداء)، اما الإهداء متنا فكان لحمة تشكيل سردي لحيوات ثلاث شخصيات مفعمة بالحزن وقدمه التاريخي وما زال كتابا مفتوحا في حياتنا المعاصرة:
    أبي
    حزن عتيق
    أمي
    كتاب الحزن
    حين فتحه أبي
    خرجت
    أنا
    وهكذا فإننا بإزاء مسعانا في التحقق من مجانية أغلب عناصر ما بعد انتاج النص الشعري، ومنها الهوامش، فيسميها تشكيكا بغائيتها (ما يشبه الهوامش) وهي تعريفات ملتبسة لأمكنة المنافي، حتى يبدو ان كل مكان غير حقيقي، فضلا عن تلاعب الشاعر بعنونة الفهرست، وهو تشكيك بالمستوى التكاملي للنصوص كي تغدو مجموعة أو ديوانا (هل هذا هو الفهرست)، وتتواءم صيغة البيبلوغرافيا الاحتجاجية مع الصيغ اللامألوفة في تدوين الهوامش والفهرست، فكانت البيبلوغرافيا نصا نثريا اتسق مع خلق ايقاع داخلي لشعرنة السيرة الاحتجاجية، اذ ترادف الاستطراد العمودي لأرقام سنوات تعد مفاصل في حياة الشاعر مع نسق أفقي لتعريف المفصل الحياتي مستهلا بكلمة (احتجاجا) وكأن أرقام السنوات أحتجاج تصاعدي لا يهدأ، مع نضوج تجربة الشاعر في الحياة والكتابة، إذ ان الناقد محمد الاخرس يشير الى كناية صرخة الاحتجاج لدى الشاعر
    (طفلا وليدا) (عام 1967 أطلقت أحتجاجي الاول في مدينة كربلاء)، والحال أن صرخة الولادة ظلت دائما موضوعة تساؤل وتأويل في ذهن الإنسان (3) .
    ثانيا: متون السيرة
    باستطاعتنا اقتناص مجتزآت سيرة ــ شعرية في أغلب نصوص المجموعة، بالامكان بلورتها في رؤية كلية ناضحة ليوميات الشاعر ومعالجته المعرفية ــ الشعرية لها، الناقد محمد صابر عبيد أشار الى استثمار السيرة الذاتية شعريا في قصيدة النثر التي يكتبها التسعينيون، حتى غدا انموذجا في الكتابة الشعرية الحديثة أسماه (النموذج السير ذاتي)، باسم فرات من الشعراء الذين استثمروا الاسلوب الكتابي، فقد افتتح نصوص المجموعة بنص عنوانه يطابق تاريخ ميلاده (1 / 3 / 1967) ومتنه مطعم بتواريخ بؤرية ذات أثر في تشكيل السيرة الذاتية للشاعر:
    1980 مشيت خلف جثتي
    فضلا عن أن مفردات (الوطن، الام، الاب، الخريف، الحزن، الخراب، الموت) تعد بؤر انبثاق وحدات شعرية راسمة لخارطة الحزن ولوعة الفقد، ويذكر الكاتب عدنان أحمد حسين في دراسته عن شعر باسم فرات ما يؤاصر رؤيتنا إذ يرى أن الشاعر فرات استطاع في نصه
    1 / 3 / 1967 (أن يختصر حياته المريرة في واحد وأربعين بيتا شعريا) (4) .
    القاسم المشترك لعديد النصوص الطافحة بشظايا من سيرة الشاعر يلمح الى الهم الجمعي للذاكرة العراقية، واضاءة عذاباتها التاريخية عبر استثمار السرد وتكثيف الوقائعي بحزمة خسارات الماضي المستمر،
    توعكتُ حروباً
    (فاسترحت) بظلال مناف
    (ورثت) من ابي انخذاله
    (نص برتبة منكسر)
    تتابع الجمل الفعلية ينقلب الى جمل اسمية مترادفة أيضا، ثوابتها ترسخ بصمات الماضي في سيرورة الحاضر، فجعل الذاكرة (منتفخة بالقيح)، وللطائرات (بصاقها)، والخراب (قصعة شهية)، ولا بد للشاعر ان يضع لها النقيض المتوازن، بفيض من إعانات ايجابية، روحياً واجتماعيا :
    قميصي مبتل بندى المآذن
    تلهف الأهل
    واستغاثات الأصدقاء.
    مقاربات التشكيل الشعري لسيرة ذاتية تتشظى من موضوعات الطفولة والحروب والمنافي والاصدقاء والمرأة، والصور الشعرية المضمخة بالألم والأسى والأرق قد تمثل فداحة تجربة ذاتية مع امرأة مثلا في نص (عزلة)، قوة الرمز الشعري (المرأة) تبدى في خلق علاقات جديدة بين المفردات، على سبيل المثال: (حدائق الاسى) (مزادات الالم)، (أنهار الأرق)، قوة ايحاء هذه العلاقات أحكمت نسج خيط ناحل لحب يتأرجح بين الوهم والحقيقة.
    في نص (الجنوبي) انثيالات سردية عن صديق شخصي للشاعر يدعى (حسن مجيد)، هو والشاعر يشتركان في الفشل وايقاظ جمرات الامكنة:
    نحن جمر المقاهي
    وهم لهيبها
    باسم فرات يقطر الوخزات كما قطر اسم الصديق ــ تقنياً ــ الى حروف، كل حرف عنوان مقطع شعري في النص، التقطير الشعري في النص سعي الى كتابة النص الجمالي المدروس المنضبط. الجانب الاجتماعي للصداقة تبلور في نصوص أخرى مثلل (دون تلفت) (طين المحبة) وهي مفخخة برموز شخصية لعلاقة الشاعر مع اصدقاء المنافي، رغم أن الشاعر كان (شعلة حنين) و_ (راية شوق) للقادمين والراحلين، لكنهم حولوا حياته الى (مستنقع ألم) .
    فرات يوظف أحداثا شخصية جدا في محاولة البحث عن اليقين في قضايا كبرى كالخلود، لقد شهد الشاعر مراسيم دفن أبيه، الخلود أو ديمومة الحياة مؤدى طقوسيا عبر وفاء (الام) التي تجلب الماء لسقاية قبر الاب إذ ان سقاية الموتى (العطاشى) ومعاودة زيارتهم معتقد مثيولوجي فعله باسم شعريا بالتماهي مع التوثيق التسجيلي لمثابات أحداث في حياته:
    منذ العاشر من تموز 1969
    سيدة
    أشتعلت مصابيح صباها
    على قبرك
    وكل خميس
    تجلب الفرات الى مثواك.
    وقائع سيرة الشاعر المدونة احتجاجا تدل على أن أباه مات بسبب دفاعه عن جارته، ونص (انا) يسبر الابعاد الروحية لهذه الحادثة عبر اشارات ايجابية دالة على استمرارية الحياة بانتقال جينات الشرف والشهادة والبأس الى (الابن) :
    دماؤك
    التي منذ ثلاثين ألما
    تنزف
    أنا
    ثالثا: توظيف المعرفي الجمالي في النص
    أشار جمع من الدارسين لتجربة باسم فرات في مجموعته (خريف المآذن) توظيفه المكان والتاريخ والأساطير لتغذية الاصرة المعرفية ــ الشعرية في النص ما يعد ملمحاً في تجربته. امتد بأداء شعري جديد في مجموعة (انا ثانية)، نرصد فيها افادة متنامية من الامكنة المحلية والاجنبية، فتغدو بغداد ــ مثلا ــ أمرأة تستلذ بقتل عشاقها الشهداء وما ان يمت حتى تحتفي بهم بوصفهم علائمها التاريخية.
    وظف الشاعر الزخم الاسطوري لشخصيات مثل (جلجامش، عشتار، حمورابي، دموزي، آشور، بانيبال) فضلا عن شخصيات اسلامية ثورية بوصف بغداد مهد ولادة نزعات مذهبية وحركات ثورية، فيها اباء النعمان ــ حكمة علي ــ انخذال الحسن ــ دم الحسين ــ سيف الحجاج ــ صرامة المنصور ــ تبغدد زبيدة ــ كأس أبي نواس، هذه الاختزالات الدالة للعمق المعرفي والتاريخي لبغداد، تفعل جمالياً بوصفها جدلية الموت المتكرر والحياة المتجددة:
    جسر للمحبة وللموت أيضا
    مستودع الطغاة
    منجم الطيبة
    يمر الفاتحون سريعا ببابك
    وفي رحمك يتآكل الغزاة
    (نص بغداد 1)
    هناك استبطان شعري بارز لأمكنة المنفى، سياحة وتأملات في جغرافيتها، وايقاظ أساطيرها، يوظف قناع جبل (تَرَناكي) النيوزيلندي، يتماهى مع الجبل بتمرداته وبؤسه:
    أمطاري خارجة عن القانون
    وشلالاتي نزيف يهدر
    نصوص انطباعات الشاعر عن أمكنة المنفى، تزداد فيها مساحة رؤيا مشاركة الذات في صناعة المكان الجديد، فالتشكيل الجمالي لمشاعر الاغتراب عن المكان الأجنبي يلوح بالتوق الى الاتحاد به والافتراق عنه في آن معا
    وبشأن المنفى الاخير للشاعر في هيروشيما ــ اليابان، يشكل نص الساموراي مثلا، أنموذج الافادة من تراكمات الانطباع عن الشخصية اليابانية الشديدة البأس المعروفة تاريخياً بـ (الساموراي) . إن لمسة الشاعر تتأسى على الشخصية اليابانية التي جسدت تمثالا مركونا في متحف، الشاعر يستنطق الإنسان ــ بعداً روحيا ومعرفياً وتاريخياً ــ في التمثال، عندما تنتهي فرجة الاحياء على المتحف، يموت الإنسان والتمثال ــ تراجيديا ــ معا:
    وفي المساء
    عندما تنفض العوائل الى مهاجعها
    يجرد من أبهته
    ويركن في زاوية شبه مظلمة
    في متحف ما
    بانتظار مهرجان جديد.
    ــ الساموراي ــ
    سعي الشاعر لكتابة القصيدة المعرفية ــ الجمالية تصالح مع تغذية تجربته الشعرية بغنائية شفيفة عذبة أكسبت شعره تلقائية وصدقاً فنياً، وهو بذلك يبتعد عن تجارب شعراء آخرين توغلوا في كتابة الشعر الذهني للابتعاد عن تهم الشعر السائدة، من أن الشعر العربي الآن نصوص غنائية تقتات ميوعة العواطف والمشاعر الفضفاضة، وبذلك يرى الشاعر أحمد عبد الحسين (أن قصيدة النثر خلقت إشكالية سلبية تمثلت في نبذ واقصاء المحتوى الانشادي ــ الغنائي لصالح تذهين النص وتغميضه وبالتالي ساعد على توالد نزعة متشابهة لدى شعراء قصيدة النثر ومن ثم تشابه نصوصهم) (5) . باسم فرات يكتب قصيدة يتواءم فيها النموذج الغنائي مع العمق المعرفي وكلاهما يَتفعّلان مع الاشتغال على خصائص قصيدة النثر العراقية الحديثة في استثمار التفاصيل اليومية، والمساحات الشاسعة للحزن والشجن والاغتراب والوحشة في تلك التفاصيل.
    في الملمح الجمالي نلتقط توليداً مستمراً لتنويعات دلالية ــ تشكيلية مختلفة من مفردات وثنائيات متكررة، على سبيل المثال، ثنائية (الربيع ــ الخريف) أفاد منها في تشكيلات متجددة في التعبير عن خراب البلاد والأماني المنتحرة، وكذا استحضر تشكلات لغة حزينة مائجة من ثنائية (الذكرى ــ النسيان) . على مستوى المفردة توظيفه ــ مثلا (الخراب، الخريف، المنفى)، أصداء هذه المفردات ترتسم في وحدات شعرية لها عمق دلالي في مخيلة الشاعر، إذ تتطابق ماهية الخراب ــ مثلا ــ مع مدونة الشاعر، ما يكتبه هو الخراب، ما يعرفه هو الخراب، وحسراته تندلق من الخراب، إنه يقترح شعرية الخراب، خراب حياته هو والآخرين والوطن:
    تندلق الحسرات
    من أصابعي
    يندلق الخراب
    فأتكئ عليه
    (ص53)

    الهوامش
    1. كتابة الذات ــ دراسات في وقائعية الشعر، حاتم الصكر ــ دار الشروق للنشر والتوزيع ــ ط1 1994: 27
    2. انا ثانية / باسم فرات ــ منشورات بابل ــ ط1 2006
    3. مئذنة الشعر ــ دراسات وقراءات واراء في شعر باسم فرات / اعداد وتقديم زهير الجبوري ــ التكوين للتأليف والترجمة والنشر ــ ط1 ــ 2007: 162
    4. م. ن: 179
    5. سحر قصيدة النثر ــ أحمد عبد الحسين ــ جريدة الاديب / ع 35 ــ في 18 / 8 / 2004

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 19, 2018 9:13 am