نجمة حبيب: رعشة الغياب في "خريف المآذن"*

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    نجمة حبيب: رعشة الغياب في "خريف المآذن"*

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 10:56 am

    الغياب, حسب كمال ابو ديب, لغة شعرية او رؤية شعرية, او نهج من انهاج التناول الشعري, يميل بدلا من إبراز "الشيء" أو "الموضوع" المعاين والسعي الى منحه درجة عالية من النصاعة والوضوح, الى الحركة بعيدا عن "الشيء"وتجنب إبراز تفاصيله الجزئية , وإلى توجيه ضوء خفيف ظلي باتجاهه لكن بقدر كبير من الانحراف عنه, إنه لغة تمس المرئي عن بعد بلمسات رقيقة مواربة وتغيبه بطرق مختلفة بحيث يبدو اقرب الى مرئي يكفنه الظل او الضباب الناعم"1 "
    وإذ أقول رعشة فلان الشاعر لامس الغياب ولم ينغمس فيه كلية, فهو إذ قاربت نصوصه في الكثير من المواضع معنى الغياب إلا انه في اخرى حافظ على مفاهيم ورؤى مجتمعه وبقي عالقا باهدابها يحاورها حينا ويسخط عليها حينا آخر دون ان ينزلق الى خطابية مبتذلة او تقريرية رخيصة. بل كان له من شفافية الرؤية وجمالية التعبير ما ميز نصه وافسح له مكانا في قصيدة النثر الحديثة

    منذ القصيدة الاولى يدعونا الشاعر للولوج معه في لغة انزياحية مولدة هي لغة الضوء, ولغة ضوئه هذه متفوقة حتى على مصدر وجودها "القنديل", ففي حين ان المفردة هذه, في عرف الخطاب التقليدي, مصدر ضوء وهداية, ينحرف الشاعر عن هذه الدلالة المستهلكة ليمسي هو قائد القناديل الى الضوء مقتربا بذلك من انسان "بايرون" الذي يعتبر نفسه صانع مصيره تمهيدا لتنصيب نفسه اله ذاته . بل لعل كبرياء كلكاميشية تصرخ في دمه فينشد:
    "أقود القناديل الى الضياء
    وارتق صبرها
    أنا جنة نفسي وقيامتها
    بتوئدة اشير للرياحين
    بتوئدة تنساب الحقول فوق سريري"

    وفي قصيدة "دلني ايها السواد" يلتمس الشاعر السواد دليلا , والسواد كما نعلم هو الغيبة لما فيه من معاني العتمة والضلالة والعدمية , وتبدا القصيدة بضمير الغيبة : مزدحما بانشغال الاس, يلوح باصابعه للذين يمضون , ومعهم أسئلة الوردة . إلا ان ضمير الانا الصارخ الحضور لا يلبث ان يقتحم القصيدة كما تقتحمه صور تحيل الى عكس الغياب كمثل: الاس والوردة والقرنفل والحناء فتمنع عنه الانزلاق الكلي في الغياب . . . واللافت ان هذا التأرجح ليس حكرا على هذه القصيدة بل إنه هيكلية تتحكم في معظم النصوص. هيكلية تبدأ صامتة منسحبة الى الداخل إلا انها لا تلبث ان تنتهي محتجة غاضبة أمر يحيل الى رؤية سيزيفية .حيث الكائن بطلا قدريا ليس امامه من خيارات إلا ان يحمل صخرته ويعاني سيان كان منفيا معزولا وراء المحيطات او مواطنا منغرسا في ذاكرة المكان. .ففي بغداد, حداد يغلف حيواته ولا يتنفس إلا الخراب ولا يجد نفسه إلا انكسارا يشع أو جسدا ادمنته الشظايا, وفي المنفى الذي ظنه خلاصا يبقى متأرجا بين ماض لا يستطيع استرداده ومستقبل لا يستطيع التنبؤ به: ينفخ سنواته فلا يرى سوى رماد. . . ولكنه رغم ذلك يظل يرمم قلبه بيد وباليد الاخرى يتدارك "الوردة من الهذيان".
    "كي استطيع مصافحة غربتي
    هل علي ان احرق جذوري
    وارمي ثلاثين عاما الى البحر
    لتكون وليمة شهية للاسماك
    . . .
    في الاقاصي التي انهكها البحر
    اردم احلامي
    لي من الحروب تذكار
    ومن البلاد اقصى الجراح"

    وفي توحد عضوي بين الكائن والمكان تاتي قصيدة "اقول انثى ولا أعني كربلاء" لتطرح المسألة الاساسية لصراع المبدع مع محيطه فيقترب كثيرا من فلسفة شبنهاور المتشائمة الساخرة. وكمثل شبنهاور لا يضع حلولا للمشاكل التي افرزها السياسي وانما يعرضها فقط. لا ينبذ العالم كما فعل الاغريق ولا يهرب منه الى المثال كما فعل افلاطون, بل إنه يطيل التحديق عله يرى العالم الحقيقي الكامن وراء العالم المتغير
    "اركض خلف موتي وجثتي تتبعني
    البلاد خريف طويل
    سيل من الغثيان
    نهار يختبئ تحت القبعة
    وعلى صدرك تتفتح الاسئلة
    اغني لوردة
    بينما يحاصرني الحزن"
    وبعد ان يرصد الشاعر جملة خيباته.فيعلمنا ان عباءة امه تلوح بلا امل , وبلا امل يستجوب الازمان خطواته, ومياهه لا زبد فيها, يعاود استحضار المكان رغم ما يبعثه هذا الاستحضار من ذكريات اليمة "الينابيع تشير لي , كذلك النخيل , رغم دخان السجون الكثيف". ورغم ما في المكان من رؤى مؤلمة لا يستطيع ان يطرد الاشجار من رأسه دون ان تتبعه زقزقة العصافير. ولا ان يعري اباه من الخلافة ولا يفيض الفرات بين يديه ولا ان يقول انثى ولا يعني كربلاء ولا يقول مدينة ولا تشرئب امه متشحة بكل الليل. وكسيزيف مرة أخرى يبقى معلقا بين التخلي والاستنزاف العبثي: يبادل الشظايا بالورود, ورعونة القصف بعود ملاّ عثمان الموصلي, ومقامات القبانجي. . . ولا يقتصر حضور المكان على انه ظرف لاحتواء الحدث بل هو عنصر فاعل مشارك فيه, فهذا البحر ينكسر لالآم الزوجة المكلومة, والرياح تواسيها في حزنها ولا يكون الشفق ألا دم الاب المسفوك.

    تمتاز قصائد "خريف المآذن" في انها مساءلة ذاتية عن معنى الحياة, وفيها يطرح الشاعر بعض توجساته وشكوكه واستسلاماته وقد سلك في ذلك لغة مولدة تخلخل منطق الاستعمال العادي وتعف في الوقت ذاته عن تلك الفذلكات والاحاجي التي نقراها في نصوص الكثير من الشعراء المحدثين. ولا يتعصب باسم فرات لنظرية شعرية دون غيرها بل إن هاجسه هو الشعري فقط، الشعري الذي قالت فيه سوزان برنار أنه الايجاز والتوهج واللعب الذي يساوي المجانية اللامقابل

    ــــــــــــــــــــــــــــ
    * خريف المآذن, باسم فرات, دار ازمنة للنشر والتوزيع, عمان. الاردن 2002
    )1( ـ نديم نجدي, فلسفة ما بعد الحداثة "من أين؟" و "إلى ماذا؟", كتابات معاصرة, بيروت, 1997 , عدد: 30 , ص: 59

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 6:25 pm