عيسى حسن الياسري: خَريفُ المَآذِن..حقول أحلامٍ مُؤجّلة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 489
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عيسى حسن الياسري: خَريفُ المَآذِن..حقول أحلامٍ مُؤجّلة

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 11:04 am

    ( أعلق عمري على رصاصة
    تدلت من سماء بعيدة
    أصابعي بقايا مدن غابرة
    وختم الموتى خطواتي
    إنتظريني أيتها الشمس
    لأنتشل صباحاتي من رصيف
    ليس فيه سوى جثتي
    وبقايا جماجم أكلتها الغربة )

    بدءاً من أول لقاء مع قصائده التي ضمتها مجموعته الشعرية – خريف الماذن- نجد ان تجربة الشاعر –باسم فرات – تتقدم بتشكيلاتها الفنية على هيأة صور بصرية تتطابق وتتضاد ..تعتم وتنكشف ..ترق كغدير متخف بين حقل من العشب ..أو تعول كرياح نائحة تنفتح أمامها أراض وحشية ..إنها تلك الأبنية الأستثنائية ..ذات المراكز التي تؤكد استقلاليتها عن كلية النص الشعري في كل مقطع ..وشطر شعريٍ ..بل وحتى في أصغر وحدة بنائية متمثلة في المفردة ..بيد أن كلّ هذا لم يؤثر على الوحدة العضوية لقصيدته ..هذه الوحدة التي يربطها خيط غير مرئي نسجته كتل مبعثرة من رؤى الشاعر وأخيلته ومنعطفات حياته التي أسست الى هذا البناء الفني الخاص لقصيدة الشاعر ..وهذا مايجعل من دارس هذه القصائد ينحي جانبا العناوين الفرعية للمجموعة ..ليدخل في تفاصيل نص ملحمي فرضته حياة اصطدمت منذ طفولتها بأكثر من فصل مقمط بالاحباط والانكسار واليتم والحروب والمنافي ..ومع هذا فأنه لم يتحول الى حاجز معطل يوقف جريان نهر الدهشة والانبهار أمام حلم اتخذ منه معادلا انقاذيا ينتشله من الغرق ..ويجنبه أن يضلّ طريقه ..هذا الحلم تشكل من وعي يلوذ متخفيا بين شتلات قصيدته التي جاءت كقارب انقاذ يحول مابينه ومابين ان يتحطم فوق صخور زمنه الموغل في غرابته وشراسته معا .
    ( أي حلم يجفف طفولتي
    أي حلم يشق صباحاتي
    أنا الأخير في قافلة العزلة )
    إنّ الشاعر ومن أول أفتتاحية شبيهة بافتتاحية موسيقية لعمل أوبرالي تراجيدي يعمد الى صياغة تأويلية لنصه الشعري ..انه يجزء الصورة البصرية لهذا الشطر الشعري الى كتلتين متساويتين في القيمة والمعنى ..الحلم – الطفولة ..انهما جزءان من اشراقة حياتنا الاولى ..بيد أننا نباغت بذلك القطع التأويلي الذي فرضه الفعل – يجفف – هنا يتخذ الحلم وفي مكونه المتجه نحو الداخل صفة الكابوس ..ويتحول الى تهديد للطفولة التي لاشيء تحذر منه سوى أن تطعن في طراوة أغصانها التي تريد لها أن تظل غضة وناعمة ولينة ..وفي الشطر الثاني يستخدم الشاعر ذات الابنية التأويلية عندما يجعل من الحلم إما محفزا على إشراقة الصباح أو معطلاً لها ..بعد هذا ينفصل الشاعر عن حواره مع الحلم ..ليكشف عن معضلته الانسانية حيث يرتفع صوت الأنا التوصيفي الممتزج بحالة مزاحة لغة ..وظاهرة معنى ..بل وخارجة عن السياق الاصلي للمقطع الشعري وكأنها تريد أن تنقذه من التكرار والرتابة-أنا الأخير في قافلة العزلة - ..وهذا بحد ذاته اكتمال لفنية اداة الشاعر المستخدمة في استكمال تصاميم نصه الشعري الملحمي .
    إنّ قصائد الشاعر – باسم فرات – تتوفر على أبنية إستثنائية دعمتها إستثنائية التجربة الحياتية التي عاشها ..فهي ذات مراكز تؤكد استقلاليتها عن النص في كل شطر شعري من دون أن يتشظى النص ..أو يقود الشاعر الى التعكز على لعبة اللغة غير الموظفة شعريا ..وهنا تلعب الذاكرة دورا مميزا من خلال امتدادها العميق في فراديس الطفولة ..وحقول الايام والليالي ..وهذا التشكيل الفني لايوفر حتى عنوان القصيدة ..انما يجعله وكأنه جزء له استقلاليته ..وليس علامة اشارية تضيء القصيدة أو تكشف بعضا من سرياتها ..ويبدو هذا واضحا في عنوان القصيدة الاولى – الى لغة الضوء أقود القنديل – هذا ليس إهداء يتوجه به الشاعر الى اللغة ..انه صورة شعرية مستقلة بذاتها ..فهي تحتمل التأويل من خلال سطوع اللغة وعتمة القنديل الذي يريدله الشاعر ان يغترف شيئا من ينبوع لغته المضيء ..وهي تحمل صفة تناصية ايضا مع تلك الحكمة التي أعلن فيها ذلك الحكيم الذي أضاء فانوسه في رابعة النهار وخرج يفتش عن الحكمة الضائعة ..وهي معطى شعري ذو تجريدية إيحائية بالغة التأثير ..
    وهو التطابق في ظل المعنى الخارجي – الضوء – القنديل – والتضاد في الاحالات الترميزية لعامل اللغة المتشكل وفق تناقضية بنائية بين حد التجربة الذاتي وتشكيلاتها الفنية .
    إنّ التنقل عبر مسالك قصيدة – باسم فرات – شبيه بالتنقل فوق أرض غير مكتشفة
    ..لذا تجعل من القدم التي تطأها أول مرة بحاجة الى أكثر من مجسة حتى تؤمن لها الوصول المطمئن والهادئ الى نهاية الرحلة ..
    ( كيف لي أن أطرد الأشجار
    من رأسي
    ولاتتبعني الزقزقة
    كيف لي أن أعريّ أبي من الخلافة
    ولايفيض الفرات من يدي
    كيف لي أن أقول انثى
    ولااعني كربلاء )
    أنه وفي هذا المقطع الشعري يندب محنته مع انشداده لكل ماهو راحل ومنته من زمنه بالرغم من طراوة هذا الزمن ..ومجاورته لكينونته ..لكنه يتحول هنا الى زمن مركب ..لذا فأن كل ماكان متصلا به من الامكنة ومقتنياتها يظهر مركبا ايضا ..وبذا تفرض الصورة حضورها على مخيلة الشاعر بطريقة مركبة هي الاخرى .. فهو قد يستطيع أن يطرد الاشجار ..ولكن هل يكون بمقدوره ان يطرد معادلها الترافقي- زقزقة العصافير- التي تظل تتردد على مقربة منه ..؟ وهو يقدر ان يعري والده من سلطته الابوية ..ولكنّ هذا سيغضب الفرات الذي سيرفع ضفتيه ليهدده بالغرق ..واذا مااتجه ببصره نحو الانثى بكل ارومتها وحنانها حضرت أمامه كربلاء مدينة طفولته التي يحب ..اننا وازاء هذا المقطع الشعري نقف امام بنائية شعرية مدهشة ..تكشف لنا عن انشداد معذب الى كل مكونات حياة الشاعر الاولى ..انها تلتصق به التصاق الفراشة بالضوء ..والضفة بالنهر ..والهدب بالعين ..والسنبلة بالحقل ..من هنا تكون ازاحة الماضي مستحيلة ..وستظل تفرض حضورها على حياته حتى ولو هرب منها الى أقاصي الكون .
    ( ياخطاي لاتسعك البراري
    فلماذا تنقرين أحلامك بلا رحمة ؟)
    في هذا المقطع يضعنا الشاعر امام مكوّن فني تشكيلي اخر تتميز به قصيدته حيث تتجزأالقصيدة لديه الى مجموعة من الثيمات الشبيهة بتلك التي تحدد الية النص المسرحي ..الصورة الشعرية هنا – ثيمة – قائمة بذاتها ..فهي تستقل بصريا بحيزها المكاني بل وحتى في تشكيلها الفني ..وكما تضيق البراري امام خطاه ..لكن تلك الخطى تظل تحلم ان تجد لها متسعا في هذه البراري ..وتواصل نقر احلامها .
    أننا وبالرغم من طول قصائد الشاعر ..وغياب تقطيعها الى أشطر ووقفات استراحة ..إلا أننا ونحن نتابع ركضها فوق تعاريج ومنحدرات وسفوح اللغة فأننا لانشعر بذلك الأنقطاع الشعوري والنفسي عن ملاحقة صوت الشاعر الذي يشبه صوت ريح تغير اتجاهاتها في كل خطوة تخطوها ..إنّ هذا التشكيل البنائي للنص لايقتصر على قصيدة بعينها وأن اتسمت به قصيدته الأولى أكثر من غيرها ..بل يغطي معظم قصائد المجموعة وكأن الشاعر يريد أن يوقفنا على منصة عالية لتتحرك أمامنا لوحات بانورامية تتعاقب من خلالها فصول حياته بدءاً من العائلة وأخطائها ..الى وقوفه في ساحة العرضات ليسّوق جنديا في حرب لايؤمن بها ..وانتهاء بانعتاق التاريخ الكربلائي من وثاقه ..وتحركه بجلابيبه السود ..وجبهته المرشوشة بالدم ..وحوافر خيول تتكسر تحتها عظام وجماجم تاريخ منقرض ..مع هذا يدخل بحضوره المخرب على حياة اجيال تدفع الحياة ثمنا بخسا بسببه دون ان تشارك في صياغة ذلك التاريخ البعيد .
    .أنا لم إخبئ طفولتي بقميصي
    لكنها سرقتني من الحرب
    فأعددت لها قلبي فراشا وصحوت .
    كم هي شديدة الضراوة والبسالة طفولة الشاعر ..انه لم يهرب بها خوفا عليها من الحرب ..انما هي التي سرقته من ساحات جحيمها ..لذا صارت أكثر كنوزه جدارة بأن يعد لها قلبه فراشا ..
    إنّ الشاعر يعانق حدّ اللاّفصل طفولته الراكضة فوق رمال شواطئ خشنة ..تركت أكثر من ندبة فوق أصابع قدميه الطرية ..ويلاحق بأنفاس متقطعة رحلته التي تبدأ من أتربة –كربلاء- التي تثيرها أقدام –ركضة اطويريج – وزوار –كربلاء – الذين يبحثون عن الهة رحيمة تمنحهم الملاذ والمأوى ..لتقف به تحت الغبار – الذري – الذي مازال يهطل فوق أهداب جميلات وأطفال و نوافذ وعتبات بيوت- هيروشيما-المصبوغة بالشفق ..ودمامل الموت المتخفية تحت قشرة القلب .

    كندا – مونتريال

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة مايو 25, 2018 10:20 pm