عيسى حسن الياسري: عبور القارات الجميلة*

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 488
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عيسى حسن الياسري: عبور القارات الجميلة*

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 11:22 am

    "ها أنذا
    قدمٌ في "ميكون" وأخرى في الأمل
    يرقدُ تاريخٌ في جعبتي
    أنصتُ للموج بينما الريحُ تقفلُ أبوابَها خجلى
    و"فِيَنْجان" خلفي
    ... ...
    ... ...
    أحتمي بالمَطَر ِمن البَلَلِ
    وبالمناداةِ من ضَجيجِ الهدوء
    أُنصت للقلوبِ وهي تتغامَزُ
    انظروا للغريبِ لقد صار واحدًا منا..."

    منذ ديوانه الأول "أشدّ الهديل" استطاع الشاعر "باسم فرات" أن يتخذ له منطقة شعرية خاصة به، أرضها الجغرافيا.. وما يغرسه فيها أحلام سائح متجول لا يرسم لنا خرائط نستدل منها على مساحات مجهولة كما يفعل السواح التقليديون بل يقوم بعملية تفكيك مكونات القارات التي مرت فوقها قدماه وإعادة تركيبها من خلال عناق مخيلته الشعرية مع عالمه الأرضي الذي اكتشفه عبر رحلته في بقاع عالم ظل مُغلفًا بأكثر الأسرار غموضًا.
    لقد استطاعت اللغة ذات التشكيل المكثف والمتكئ على موروث ذاتي أن تلتقط كل ما هو يومي ومدرك ومعاش.. مدنًا وأسواقًا ومتاحف وشوارع وديانات ليتخذ منها معادلات نفسية ومكانية وزمانية تعود في إحالاتها النهائية على ما آلت إليه كنوز كبيرة أحبها الشاعر وآمن بها. حيث يتحوّل نهر "ميكون" في "لاوس" إلى معادل تعويضي لنهري "دجلة" و"الفرات" تلميحًا لا تصريحاً.. إنه يضع قدمًا على شاطئ "ميكون" وأخرى في "الأمل" كما في قصيدته عن الغريب الذي صار واحدًا منهم "ففي هذه القصيدة نقف أمام كشف شعري مميز من خلال بناء صورة تفتح أكثر من نافذة للتأويل.. لقد شهدت ضفاف نهر "ميكون" خلال حروب التحرر من الاستعمار وبناء النظام الاشتراكي التقدمي الكثير من المآسي.. وهو الآن.. وبعد أن غسلت مياهه آخر قطرة دم سالت فوق ضفافه.. ونفضت أمواجه آخر جثة طافية فوق أعرافها يجري هادئًا باتجاه الحقول ليحمل لها بشارة آيام أقل وجعاً.. إذن.. وفي هذا النص الشعري الجميل يتحول "ميكون" إلى حلم متحقق على الأرض.. حلم تقف إحدى قدمَي الشاعر على ضفافه.. أما قدمه الأخرى فتقف على ضفاف الأمل.. وهل هناك من أمل أسمى من أن تعود ضفاف أنهار طفولة الشاعر وقد تطهرت من الدم والجثث الطافية؟ ألا تكون نظرة الناس الذين يعيش بينهم إليه صحيحة والذين يريدون له أن يفقد هويته "ويصير هو الغريب واحدًا منهم".. إنه لا يريد لرؤيتهم هذي أن تكون صحيحة.. وهذا جانب آخر تأويلي من النص.
    إن "باسم فرات" شاعر يمتلك رؤية خاصة للرموز التاريخية والمعاصرة.. ويتخذ منها أيقونات بصرية تجسد رموزه الشعرية لتجعلها قريبة من وعي متلقيه لا بطريقة السرد المباشر الذي يقود النص الشعري إلى نص محكي وإنما من خلال الإيحاء والتأمل الذي يوقظ المكوّن المعرفي عند القارئ. وهذا المعطى يتكشف في قصائد "الساموراي" وقصيدة "البراق يصل إلى هيروشيما" و"المستقبل وهو يقفل راجعاً". نحن نعرف أن "الساموراي" فلسفة حياة تعتمد المقاومة حتى الموت وعدم الرضوخ للهزيمة في الحرب أو المبارزة أو العمل.. فكيف تعامل الشاعر مع هذه الفلسفة الموغلة في القدم.. والتي تحولت إلى جزء ليس من الموروث الياباني حسب بل وحتى من تاريخها الإنساني:

    "يعتمر خوذته
    يمتشق سيفه الذي يكاد ينافسه على قوامه
    يتمنطق بالفولاذ
    فيه رائحة التاريخ وبقايا غباره..."

    هذه هي الصورة البطولية "للساموراي" التي تجسدت للشاعر بهيبتها وسطوتها.. لكن إلى أين انتهت هذه المهابة وهذه السطوة...؟:

    "ولأنه لم يجد فرسانًا ليقاتلهم
    خصصوا له ركنًا في المتحف..."

    مرة أخرى تبرز ذات الشاعر كمعادل "للساموراي" حيث يأخذ منه كل صفاته ولكن من خلال أُبهته الشعرية.. إنها نرجسية مشروعة أن تكون نهاية الشاعر إلى المتحف حين لم يجد من ينافسه كما هي نهاية الساموراي.
    التقاطة شعرية أخرى يتوفر عليها الشاعر من خلال عدسة "كاميرا" عينه – ذات الرؤية المتسعة – هذه الالتقاطة تتمثل في وقوف الشاعر أمام تمثال "لحصان" بجناحين يراه الشاعر في إحدى ساحات "هيروشيما".. وهنا يُنَحِّي الشاعر في قصيدته "البراق يصل إلى هيروشيما" المعمار الفني "لمنحوتة" الحصان مستبدلاً بها مادة التاريخ المستحضر شعريًّا.. هذه المادة التاريخية يمثلها "البراق" حصان "النبي محمد" الذي سَرَى بِه من "المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى".. وكما هي سكونية تمثال "الحصان الهيروشيمي" بجناحيه اللذين فقدا وظيفة الطيران. هكذا تتعامل مخيلة الشاعر مع "البراق" الذي لم يعد قادرًا على الإسراء بعد أن يئس من ظهور "نبي" جديد يكون جديرًا بامتطائه.. فهل سيرشح الشاعر نفسه لهذا الدور؟ قد يبدو تعامل الشاعر مع نصه هذا تعاملا بريئاً.. وأنه يضع مسافة فنية وبنائية تفصله عما أبدعه إلا أنه لم يغلق باب التأويل أيضاً.. إيمانا منه بأن نصًّا شعريًّا ينكشف لمتلقيه من القراءة الأولى لَهوَ نص يفتقر إلى الإبداع:

    "أمام قلعة هيروشيما
    وحيدًا
    يقف – البراق –
    دون – نبيّ – يمتطيه
    حاملا أحلامًا فقدت صلاحيتها.."
    في قصيدته "المستقبل وهو يقفل راجعاً" يستخدم الشاعر تضادية ذات طرف واحد.. أي أنها تضادية مكون زماني واحد "المستقبل" الذي يغير وجهته المتعارف عليها وهي السير "أماماً" ليدير ظهره ويقف راجعًا متحولاً إلى ماض "مجازاً" تاركًا للحاضر المليء بالموت والخراب يواصل إقامته غير المرغوب فيها.. ورغم أن الشاعر يتعامل مع أبنية مادية تتجسد أمامنا كأيقونات نحتية إلا أنه يُخضعها لمعماره الشعري الذي يؤنسنها لتتعامل مع انكسارها بذات الطريقة التي يتعامل فيها الإنسان مع انكساره.
    إنه وفي قصيدته هذي يتحدث عن سفينة بناها اليابانيون في الحرب العالمية الثانية ثم اكتشفوا حاجتهم إلى الطائرات وعلى السفينة أن تتراجع عن مهمتها كما يتراجع الإنسان الذي تأخر كثيرًا عن اللحاق بحركة زمن يبدو لسرعته بأنه ظل متوقفًا عند حافات الحاضر التي تردد لحنها الجنائزي ليل نهار:

    "ياماتو قبرٌ يتنفسُ الهواءَ
    في عَرَضِ البحرِ لبعضِ الوقتِ
    الموتى الذينَ في داخلِهِ
    سَطّروا ما أمكنَ من ذكرياتٍ ونَدَمٍ..."
    إن الشاعر "باسم فرات" شاعر متجدد.. وهو وعبر رحيله فوق قارات العالم.. ورغم متاعب هذا الرحيل يرفد لغته بكل ما هو بسيط وعفوي كبساطة وعفوية رؤيته للحياة وللعالم من حوله.. إن لغته مُشكلة تشكيلاً شعريًّا خالصاً.. ولم تستطع كل تعقيدات العالم من حوله -تأريخًا وحاضرًا وتطورًا تقنيًا وإبداعياً- أن تفرض عليه منهجًا محددًا يتحول إلى "نوع من العقاب الأبدي" كما يقول "بودلير".. إنه يترك لقصيدته التحرك ببراءة طفل وبشفافية تجعل متلقيها يرى أصغر حصاة تستقر في أحشائها.. إنه يبحر بعيدًا مع ابتسامة "بوذا" السعيدة.. أو يقف بكل خشوع وهو يخاطب "باشو" مبتكر قصيدة "الهايكو" ليخاطبه قائلا:

    "ها أنت ذا في حضرة "باشو"
    مترنما بالنقاء
    وممسكًا بعذوبة
    طالما جدّ إليها غيرك..."

    والآن أقف أنا في حضرة صديقيّ المبدعين الاستاذ "ناظم السعود" الذي قاد حوارًا مطولاً مع الشاعر، والأستاذ الناقد "فاضل ثامر" الذي كتب دراسة قيمة عن منجزه الشعري ليقدما للقارئ كشفا نقديًّا يضيء تجربة هذا الشاعر المتفردة.

    *مقدمة كتاب "الرائي"

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 25, 2018 7:39 pm