ناجح المعموري: باسم فرات .. حياة يابسة وأسطورة بيضاء

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    ناجح المعموري: باسم فرات .. حياة يابسة وأسطورة بيضاء

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 11:28 am

    "أنا ثانية" ديوان جديد للشاعر باسم فرات، صدر عن منشورات بابل ويضعنا الديوان منذ ابتداء الاستهلال وجهاً لوجه مع ماضي باسم فرات واستمرار صلته مع ذاك التاريخ وتلك الذاكرة التي لا تستحيل رمداً على الرغم من أن الرماد حقق حضوره المادي والرمزي في العراق. الماضي/ تاريخ الشاعر وزمن حروبه وعقد صداقاته مع الشعر الذي كان صعباً عليه ونزقاً. لقد استدعى الشاعر ماضيه وأيقظ ذاكرته، أو المنفى أيقظ الذاكرة وقال:

    أبي
    حزن عتيق
    أمي
    كتاب الحزن
    حين فتحه أبي
    خرجت أنا

    الأب متراكمات حزن الفرات لا يعرف الشاعر حزناً غير الأب الذي لم يقرأ كتاباً في حياته قبل وبعد حزن الأم، هذه المزدوجة الثنائية بين السلطة البطرياركية التي يفترض أن تكون متجوهرة فوق سلطتها لا أن تتموضع وسط حزن الروح ومتاعب الحياة. وحزن الأم، مدوّنات الأنوثة التي لم تجد غير صوت الانكسار والقسوة والإخضاع، أنوثة قانون طياتها منفى من نوع آخر وللعلاقة بين حزنين كانت الذات الأصغر، صوت الشاعر الذي وحد بين الأب/ السلطة وبين الأم/ المنخذلة، بوصفه خلاصة لاتصال ثنائي، صعدت منه القسوة والغطرسة شكلاً من أشكال الجنس، لأن الجنس في المجتمعات البطرياركية تتخذ صفة، أو صفات الإخضاع ويكاد يكون، أو هكذا رأي فوكو،سلطة وما على المرأة إلا أن تكون وسادة للذائذ هكذا يقرأ استهلال ديوان "أنا ثانية" لأنه يستعيد نصاً من ديوان "خريف المآذن" ويستحضر نسقه الثقافي/ الاجتماعي المكون له.

    كيف لي أن أطرد الأشجار
    من رأسي
    ولا تتبعني الزقزقة
    كيف لي أن أعري أبي من الخلافة
    ولا يفيض الفرات من يدي
    كيف لي أن أقول أنثى
    ولا أعني كربلاء

    أنطوى المقطعان على معنى متماثل والاختلاف صياغي/ وفي هذا المقطع حشد من التساؤلات الذاية التي دائماً ما يكون الشاعر قرباناً رمزياً لها، لأنه محاصر بين ضوابط مجتمعية أسست نظاماً أبوياً وثقافة كرست العزل للمرأة ودونت تاريخها مسفلاً وهو – الشاعر – لا يريد البدء بنظام أسرته الاجتماعي/ الأبوة لأنها – الأبوة – صورة التاريخ القديم والحديث، وهي تبدّياته أو ما يشبه ذلك، فيتحول الماضي/ حاضراً والموروث اكتمالاً ثقافياً ورمزياً والوحدة بين المجالين سهلة للغاية ولكنها معقدة، سهلة لأنها جزء من لزوميات مؤسسة عاتية تتوارث كل ما هو جديد من العزل والشطب والإخذال، ودائماً ما تكون المرأة ضحيتها واستمرار اعتراف الذككورة وخطابها بذلك هذه الحقائق الخطابية هي التي شعرنت هذا المقطع وجعلته أكثر قبولاً مع صدماته ومتراكمات الأحزان فيه، لذا أضفى عليه بعداً أكثر شعرية أضفته الأشجار والعصافير.
    استهلال من الصعب تحققه، لأن الذاكرة، وخصوصاً ذاكرة الشاعر مزدحمة بالأشجار وكربلاء مدينة للشجر ولهذا الابتداء وظيفة رمزية تتضح عندما تمسك القراءة بالعلاقة السرية الموجودة بين الأشجار والأرض واستحالة عزلها عن هذا الرحم.
    لذا أصبح من المستحيل طرد الأشجار/ عزلها عن "رأس الشاعر" ذاكرته/ أرضه وإذا حاول ذلك فإنه مطارد بالزقزقة وحشدها الضاج بالاستنكار والعويل الذي ما زلنا نحتفظ بصورته عندما كنا نخطئ مع صداقة العصافير. واستحالة تحقق طرد الخصب، يستدعي حضوراً متمركزاً بثقافته المتراكمة منذ قرون، حضور البطرياركية/ الذكورية الأبوية، التي لن تكون بجوهرها الطاغي إلا على إلغاء بذور آنية أو حاضرة، ستشكل انموذجاً مكملاً لنظام كان قبلاً هذه الصراعية لم تكن.
    وأشار لها الشاعر إشارة واضحة، قدمها بعد أن تلاعب بها باعتبارها أفكاراً تحولت شعراً في هذا المقطع :

    1/3/1967 سرقت من أبي الخلافة
    وضربتُ فحولته فتدلى الخراب من فمه

    ويوم 1/3/1967 هو اللحظة التي أطلق فيها الشاعر احتجاجه الأول في كربلاء وعلى الرغم من أن التوثيق في هذا التاريخ مهم للغاية بالنسبة للقراءة ، لذا سأحاول استكمال ما ذكرت سابقاً بملاحظة أخرى، هي عون داعم للقراءة ولحقائقها النصيّة/ الافتراضية.
    ذكرت قبلاً "واستحالة تحقق طرد الخصب يستدعي حضوراً متمركزاً بثقافته المتراكمة منذ قرون، حضور البطرياركية/ الذكورية/ الأبوية التي لن تكون بجوهرها الطاغي إلا عبر إلغاء بذور آتية، أو حاضرة وستشكل نموذجاً مكملاً لنظام كان قبلاً" في لحظة توثيق الولادة بـ1/3/1967 تمت سرقة صفة الأب التي تحدثنا عنها، لأن ولادة الابن انطفاء رمزي لسلطة الأب وإن لم تكن في لحظتها بل هي كامنة رمزياً كما قال فرويد في مستقبل قريب، والملاحظة الأخرى إن لحظة تاريخ الميلاد كامنة فصل مرتبط بالعراق منذ الأزل بالانبعاث والخصب والتجدد وابتداء دورة أخرى في الحياة والكون، لحظة الربيع المنبعث رداً وتحدياً على الموّات/ الانطفاء وعلى تراتيل المرائي وتراجيديات كربلاء الحاضرة منذ محنة دموزي السومري وتموز الأكدي وأدونيس الكنعاني واوزيريس المصري. والولادة رمزياً كما شف عنها النص هي موت، لأنها أسطورياً يجب أن يكون بعدها الموّات/ أو النزول للعالم السفلي وكان موّات الأب/ الخلافة رمزياً عبر فحولته القضيبية والدال عليها متسع الافضاء حيث "تدلى الخراب من فمه" هذه الصراعيات غير ثقافية ، مدركة لأسباب التشابك بين الأب/ والابن وإنما هي صراعية تستجدي التماثل والتشابك مع الأب، الأنموذج الذكوري ولذلك وضع الشاعر/ الأنا صعوبات أمام تعرية الأب من نظامه الثقافي الموروث/ الخلافة التي هي إفضاء الخطاب الذكوري، وخسارة الأب لنسقه البطرياركي أمر مستحيل إذا ما تعاملنا معه ارتباطاً مع سيادة الخطابات الذكورية في الحياة والمجتمع وربما هذا هو جوهر الصراع الثقافي الذي اقترحته وفعلته المنظمات النسوية في حركاتها الصاعدة ثقافياً، متجاورة مع ما بعد الحداثة، من هنا، لا يقوى الابن على تعرية الأب أو تقشيره من جوهرانية الخلافة/ السلطة المدعومة اجتماعياً/ ثقافياً/ دينياً – لهذا صارت خلافة – لأنه امتداد للإخضاع والاحتجاز التاريخي والقبول به والرضا بكل تبدّياته ومعطياته وهي ثقافية وسلوكية وهذا ما افضى إليه النص: كيف لي أن أعري أبي من الخلافة.
    وللتماثل الرمزي في ثنائية الكنية والصفة بين الأنثى/ وكربلاء هي الحضور وبقاء العلاقة مهما رداً تعبيرياً على الغياب/ والمنفى لقد امتلكت الذات قدرتها عبر سلطة مكنتها من مقاومة العزلة وتأهيلات الذاكرة على النسيان تداولات يومية ربما فرضتها الحياة في المنفى وذلك في تكرارها لمفردة الأنثى لأنه يستحضر ويستدعي كربلاء انطولوجياً ومكانياً في كل لحظة، وهذا نوع من مقاومات النفي والإلغاء الذي هو نتاج لخطاب الخلافة/ السياسية/ الدكتاتورية.
    وعودة لاستهلال الديوان "أنا ثانية" سنجد تشاكلاً بينه وبين النص السابق ومع أغلب نصوص الشاعر، لكن أعني بالتشاكل هو المشترك الأوسع والذي تقترحه اللغة وليس دلالاتها فقط الأب/ الخلافة. كربلاء/ حزن عتيق. كربلاء/ أمي كتاب الحزن. وكانت لحظة الخصب الذات/ الأنا/ الشاعر، لأنه متصل مع التاريخ، أو نتاج له، وهو ثمرة اتصال الثنائية التي أشرنا لها، كان هو، كائن جديد وسط كينونة لم تتغير، فهي متماثلة مع كينونة الأب/ الخليفة عرفت الأنا الشعرية – تراجيديا الشعر منذ سومر واتسعت نصوصيات باسم الفرات لها. تراجيدية هي روح الشاعر وتاريخيه الاجتماعي/ طقوسها، وتقاليدها، شعائرها التي تكاد تكون يومية في كربلاء، تراجيدية هي عاملة وإطار مع تفاصيل نصوصية كلها، فهو – الشاعر الذي يغني للوردة ويحاصره الحزن/ تقوقعه كربلاء/ الإناث/ الإرث الذكوري.
    وصفاتها. الطرد والعري سلبيان، الطرد شطب وإلغاء وقطيعة وتضاد، والعري لعنة وإذلال بدلالتها المعجمية وهي أقسى من الطرد، لأن – العري – انكشاف وانفضاح أما – أفول – فأنه فعل أهون من الاثنين .
    والعلاقة التشاكلية رمزياً بين الذكورة/ الأب والأنثى/ كربلاء واضحة وكامنة في عمق النص، وأسهل ما يمكن الإشارة له كخط موحد بينهما هو الخلافة وصلتها التاريخية مع كربلاء وما أفضت إليه من تراجيديات كانت وما زالت تغذي المشاعر الفردية والجمعية بالأسطورة والمراثي والتراتيل. والخلافة سجل ثقافي/ ديني/ سياسي هو الذي وفر للخطاب الذكوري/ الخلافة فضاء لاختبار ثقافتها وخطابها وكان الدم وتراجيديات المصائر، وكربلاء/ هي أصول ثقافيات مقترنة مع نظام المرأة/ الأنوثة في التاريخ والوحدة بين الاثنين الأنثى/ الأم/ وكربلاء واضحة، وصارت المرأة/ أو الأنثى في النص تراجيديات حاضرة تستمد من ماضيها ما يعمق مآسيها تفتح مستقبلاً أكثر تراجيدية. والطبقة الدلالية الأخرى من هذا المقطع إعلاء وتسام للحظة ابتداء التراجيديات في كربلاء والتي هي استجماع لإحزان الإناث ليس في العراق وإنما في الشرق وحتى لا تنسى الذات كينونتها ولا يبتعد الكائن عن انطولوجيته فأنه يستحضر الطرف الآخر في ثنائية تحققات الكينونة واستمرار انطولوجيتها، وأعني به المجال الآخر المحقق من خلال اتصاله البايولوجي خصباً للحياة. الذكورة/ والأنوثة، ثنائية فتحت أمامنا أفقاً جديداً لهذا المقطع الشعري، حيث الرضى باستدعاء الأنثى وحضور كربلاء مختصرة كل تراجيديات العراق منذ لحظة سومر وحتى لحظة الفراق الحاضر في الذاكرة، وحضوره مأساة واندثارات/ غيابات وانطفاء.
    "ولا يفيض الفرات من يدي"
    معروف إن الفيضان من تبديات الآلهة الأساطير العراقية والملاحم والفيضان عقوبة إلهية ، كلنا نتذكر غضب الإله أنليل في ملحمة جلجامش وإحداثه الطوفان الذي دمر الحياة والعالم.
    ولذا وجد الشاعر مبرراً لاستمرار القبول بالخطاب الأبوي وسلطته خوفاً من وقوع طوفان، يتفجر من يده. والشعرية تفتح أمامنا تأويل الفيضان الرمزي، فربما يكون فيضان دم أو ماء وبكلتا الحالتين سيكون تدميرياً، بالإضافة إلى ما تنطوي عليه رمزية وجود الشاعر مسبباً للطوفان وحصراً يده التي هي مثل أيادي الآخرين للبناء والعمل والاكتشاف. لذا لم يجد الشاعر/ الأنا/ الذات غير فرصة القبول بالخلافة التي شكلت في النص مركزه ولذلك دلالة نصية/ سياقية، وكان من الممكن أن تكون استهلالاً أو بعد المركز لكنه/ الشاعر جعل من الخلافة الأبوية قلباً للنص، وتستمر استغرابات الصوت ليختتم بالمراثي المتوقفة/ الممكنة/ والمستحيلة/ رثاء الحزن الكربلائي الذي احتل موقفاً نصياً/ نسقياً جعل الدلالة أكثر ترميزاً وانفتاحاً على الشعرية.
    كيف لي أن أقول أنثى
    ولا أعني كربلاء؟
    هذا مقطع فيه تنوع للمعنى متأت من المهارة في اللعب على المفردات الملتضمة بنسق شعري يوحي بتكرار الفعل/ لكنه يشع بدلالة أخرى تؤسس ارتباطاً نسقياً مع الخلافة/ الذكورة وتختلف متباينة عنها بما هو أوسع أفقاً شعرياً.
    كان الفعل في المقطع الأول "أطرد" وفي المقطع الثاني "أعري" وفي الثالث "أقول" إنها مفردات فعلية وهذا أمر واضح وجلي، لكنها متغايرة بتحققاتها.
    ولأن 1/3 ربيع وانبعاث، فأنه وحده سرمدياً ومقتدراً على إلغاء الخريف، خريف الحياة والعمر ومآذن باسم فرات لأنه ليس الوحيد في السنة فأن الخريف قائم وماثل، لكنه موسم ترميم الأفراح –إن وجدت – باللافتات السوداء التي هي تاريخنا الفردي/ الجمعي، إنها ذكرات للجماعات التي اشتعل فيها الجنون من كثرة تخيلاتها التي لم تنتج غير رمز واحد هو الدال على الفحولة المتدلية خراباً، ليس من فم الأب وإنما من فراغات الجسد.

    اللافتات السود
    تاريخنا
    ندوّن صمتها من شفيف الهديل
    الأمهات الثكالى
    تلفعن تراتيل النواح السومري
    بينما الطائرات
    تترصد معابد أور

    الخرافة البيضاء

    اللحظات في نصوص باسم الفرات موحدة، أسست لها الشعرية نسق الأسطورة بدلالتها السيميائية/ البارتية وبمفهومها الأنثربولوجي ايضاً. المراثي واحدة كما قلنا، لأنها تراتيل الجماعات، وهي متخيلات عن الاندثارات والكربلاءات الأزلية التي لم تبدأ بعاشوراء وإنما كانت استهلالاً في نزول دموزي للعالم الأسفل وظلت متحركة تستجمع تخيلات جديدة مستدعاة من قبل الجماعات وثقافاتها المتغيرة، إلا أن المراثي صفة وجوهراً هي هي ثابتة، لكن حدتها متحركة وطاقتها مغادرة تصاعدياً. ويحقق الشاعر باسم الفرات نوعاً من العلاقة مع الموروثات الآيبة للذاكرة بواسطة تاريخها الجمعي الطويل، طاقة الموروثات في إعلاء التراتيل وشحنها بطبقات حزن النسوة اللاتي ابتكرن هذا الوسيط التعبيري عن خساراتهن الطويلة.

    يا أمي اذكريني
    من تمر زفة شباب
    من العرس محروم
    حنتي دمي الخضاب
    شمعة شبابي من يطفيها
    حنت دمي والكفن ذرات التراب

    يقترب هذا النص من المرتلات الشعبية في المآتم ومناحات النسوة، وحصراً على غياب الشباب ، نص يفيض بالتراجيديا ، التي ليست من النمط الخاص بالأبطال الأسطوريين أو الملحميين وإنما هم الأبطال الذين ميزهم الفقر والخوف والحرمان، قتلى رغماً عنهم، تدفع بهم الريح نحو فضاءات الدم والبارود لذا تحولت اللافتات السود تاريخاً لنا وهذا الاندثار يفضي إلى رفض ابتكره العقل الشفاهي وعبر عنه بصياغات مروية تنطوي على تحد للموت ورفضاً له من خلال انبعاث وأسطورة خلق وتكوين سومري جديد، إنه استعادة لتلك اللحظة الأزلية في الديانة الأكدية حيث ثنائية الدم والتراب وتخليق الإنسان الذي استدعى معه علاقة من نوع حضاري وديني للقيام بأعمال خاصة بالآلهة. كما ينطوي هذا النص الشفاهي على الرغم من صوغة نحوياً على استعادة لأسطورة التكوين الجديد الذي لم يتشكل إلا من دم الآلهة الأم، واختيار باسم فرات خليطاً جديداً، استدعته الشعرية حيث دم الإلوهة الشابة العراقية/ الجديدة إنها – الإلوهة الشابة – قرابين للخلافة والفحولة البطرياركية المستمرة دائماً وأبداً، لأن الخريف لا تشطبه فصول السنة في نصوص باسم فرات.

    أركض خلف موتي وجثتي تتبعني
    والبلاد خريف طويل
    أو: مشيت خلف جثتي
    كنت هرماً وطرقاتي يثقبها الحنين
    بين جبلين يتيمين تركوني ومضوا
    لمحت خطاهم تتثاءب، لم يلتفتوا إلى ندى
    قميصي
    وهو يفرك عن عينيه النعاس
    كانت صرخاتهم تسبقهم

    انحرفت الأسطورة في نصه الشعري وغادر معناها الظاهر واستعان بمجازيات الشعر وطاقة الترميز اليقظة فيه لإنتاج أسطورة من نوع جديد وآخر، هذه هي إمكانات الشعرية في مجازها ولولاه لما كانت الأسطورة أسطورة وما كان الشعر جنوناً استثنائياً يميز جنسه عن غيره ولذا فأسطورة الشاعر هي إمكانات ما هو مستحيل والأسطورة انقلاب الأعراف وحضور متعاكساتها وهي – الأسطورة – فضاء السجن والسعي للتخلص منه، إنها تشظي اللغة وانحرافاتها المألوفة وهذا ما حضر في هذا النص حيث: مشيت خلف جثتي "حاملاً شيخوخة الكرزمة أو البطل رومولوس الذي أسس مدينة روما أو غيره من الأبطال التراجيديين ومنهم موسى، رومولوس الموضوع جوار جبل وأرضعته ذئبة أو موسى المضيع بعد ولادته؛ لكن أسطورة البطل لا تتوقف كما قال العالم النفساني رانك وإنما تكتسب تاريخية جديدة عبر ارتحالها وحركتها وحصول تنوعات عليها، تفتح لها أكثر من فضاء وهذا ما تبدّى للقراءة حول أسطورة الكارزمة التي لم ترتحل في الشعرية وإنما استعادت ذاكرتها معبراً عنها بأسطورة يوسف التوراتي "تركوني ومضوا" .
    لمحت خطاهم تتثاءب، لم يلتفتوا إلى ندى
    قميصي.

    أسطورة الأخوة الأعداء وصعود شخصية البطل/ الكارزمي يوسف الذي صنعته الأسطورة وتحول الدم ندى فوق قميصه، وأعلن عن حياته بعد موت رمزي "يفرك عن عينيه النعاس" ويستمع إلى الصرخات الزاحفة أمامهم. هل كان القميص المتروك خلف الخطى المتثائبة هو قميص الأب الذي لم يجرأ الابن نزعه وتعريته وكشف مستوراته الدالة على ذكورة/ فحولة مضروبة ومعطلة لتكون فحولة الابن بديلاً فرويدياً عنها؟
    وأعتقد بأن هذا القميص الرمزي والأسطوري هو ستر الضحايا والقرابين المرفوعة دلالات عنهم في اللافتات السود منذ أول لحظة للخسارة في دموزي السومري/ وتموز البابلي وأدونيس/ اوزيريس/ يوسف التوراتي/ يسوع، كلهم تعروا عن قمصانهم الحمراء في الأساطير في لحظة اندثارهم الحقيقي والمجازي/

    لأنك فتحت قميصك
    تناثرت النجوم
    في البحر
    أو:
    قميصي مبتلٌ بندى المآذن

    ويرمم الشاعر مأساة القمصان/ ووقائع أساطيرها الغفيرة والموحدة بنظام الإلوهة الشابة وترتقي بالتراجيديا مختتماً سردياتها بعودة 1/3/1967 بعد عقود ، عودة لم تكن في الداخل بل حضوراً في المنفى حيث الكائن بكامل بشريته والكينونة حافلة بسيرورات سجلها الشعر لتموز الكربلائي:

    منذ العاشر من تموز 1969
    سيدة
    أشعلت مصابيح صباها
    على قبرك
    وكل خميس
    تجلب الفرات
    إلى مثواك
    أو:
    قداس لتموز البابلي
    على كتفيك مواويل نخل ودموع آس ٍ
    وفي لسانك خمسون قرناً من النحيب.

    يأتي الفرات المختبئ تحت اللسان إلى قبر تموز البابلي/ والحسين الكربلائي ليبل قبره ويطارد مكوثه، حتى يغادره مثل يسوع ويصعد إلى السماء نجماً تستعيده قصائد باسم فرات مع عربات أسلافه العظام الذين دربوا الغرين على صوت اللغة ورسومها الأولى.
    نجح باسم فرات في تغذية التراجيديا من أساطيره واحتفظ بنهريه الأسطوريين الهادريين تحت لسانه وسيظل محتفظاً بنا في جيب قميصه وترسمه الهضبات التي ترفض خلع قمصانها الخضراء شكلاً ربيعياً تصدح به الأصوات في احتفالات ربيع بابل – الاكيتو – ونردد فيها:
    ما زالت الأسطورة بيضاء
    كينونة الأمل/ الانبعاث وكل تحققات الذاكرة التي كانت أحلاماً فصارت حقائق

    تافيري ... ثملٌ دائماً
    شمسك بشعرها السرمدي
    تقود الصباح إلى الغواية
    فتتكئ الطرقات على المارة
    مستجدية همومهم
    الهضبات التي تخلع قمصانها الخضر
    تثير حنيني لرمال تتلصص على النهر والمدينة
    معاً.

    كان الشاعر خائفاً على مقدسه من الطوفان، ربما هو اجتياح زيوسدرا/ اتو – نبشتم/ نوح أو الطوفانات التي عرفتها البشرية لكنه في نص "هنا حماقات هناك .. هناك تبختر هنا" كان – تافيري – ثملاً في امتدادات زمنه الأسطوري/ المطلق لكن طوفانه لم يكن مماثلاً لطوفاناتنا الأسطورية وإنما كان فيضاناً من القمصان الخضر التي لا تخلعها الهضبات.
    الشاعر باسم فرات أسطورة لها ذاكرات حية لا بل أساطير محتشدة تتشظى عبر المراثي والتموزيات وكربلاء التي كان العاشر من تموز 1969 سومرياً في وقائعه تستعيد أسطورة العود الأبدي النيتشوية وتبدأ طقوس تموز/ البابلي/ الكربلائي ثانية، محكومة بالتكرر في أسطورة البدء التي لابد أن تكون وكان تكررها ملاحقاً الأبوية/ الخلافة حيث مراسيم النواح وتراتيل النفي إلى العالم الأسفل ولم يكن نفياً مؤقتاً محكوماً بالعودة ثانية إلى الحياة، بل هو نفي أبدي.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 5:54 pm