صالح هويدي: شعر النزوح وإشكالية العزلة والتماهي مع الآخر

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 490
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    صالح هويدي: شعر النزوح وإشكالية العزلة والتماهي مع الآخر

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 11:35 am

    عن القصيدة الحداثية
    الكتابة عن قصيدة النثر في مرحلتها الراهنة أمر لا يخلو من صعوبة. وتزداد هذه الصعوبة درجة مع نصوص فرسانها الجدد من الشباب، حتى لتبدو هذه الكتابة أمراً عصياً، إن لم يكن إشكالياً، محفوفاً بالمخاطر والمحاذير. فلم تعد قصيدة النثر كما كانت على أيدي روادها؛ نمطاً معبراً عن مرحلة ثورية؛ يتفصّد فيها هذا النمط كشوفاً واجتهاداً ومغايرة وإدهاشاً.
    وفي ظني أن قصيدة النثر قد انتهت في مرحلتها الحالية إلى فك ارتباطها بأي نمذجة أو تنميط لبنيتها وشكلها وأساليب تعبيرها، وأنها بسبب من هذا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثقافة شعرية وتجربة عريضة وخبرات إبداعية وحياتية أكثر مما يحتاجه أي لون شعري آخر سابق عليها، بعد أن بدت القصيدة الراهنة مشرعة على آفاق غير محدودة، ونافرة عن أي محاولة لاستدراجها نحو نسق ثابت أو نظام معلوم، إذا ما انطلقنا من تجاربها التي لم يزل شعراؤها يجترحونها، فضلاً عن أن حاجة قصيدة النثر اليوم إلى الثقافة والخبرة والموهبة الحقيقية التي تسندها أمر قد لا يتوافر على الدوام أو بالقدر نفسه الذي تحقق مع رواد هذا النمط الشعري ومجترحيه الأوائل. وفي ظني أن هذا هو التحدي الأكبر الذي يشهده هذا النمط العصي الذي لا يفتح أبوابه إلا للمبدع الحقيقي.
    ولعل هذا هو ما يقف وراء ما يطفو على سطح المشهد الشعري الحداثي اليوم من هجنة إبداعية واختلاط في المسارات، وتشابه في الرؤى واللغة والتجارب التي تعبر عنها النماذج الشعرية.
    لقد مضى العهد الذي كان الشعر فيه بحاجة إلى تحطيم الأوثان والتابوات التي تحكمت بخيارات الشعراء وأذواقهم، وما يصبون إليه من رؤى إبداعية، بعد أن لم يعد أمام القصيدة وشاعرها ما يمكن أن يحدّ من حريته ورغبته في الاجتراح.
    من هنا فإن الاكتفاء بتحطيم الأعراف والمواضعات الفنية السابقة لم يعد مسوغاً، ما لم نسارع إلى تقديم البديل الفني المقنع لما أزيل بقوة الشعر وفعله التاريخي، إذ بدون تحقيق هذا المطلب سنكون كمن يضع كل ما حققه النمط الشعري الحداثي في حقل الفعل الاعتباطي والمحاولات النزقة.
    إن ما نسعى إلى تأشيره هنا إنما ينطلق من موقف الحرص والاحتراس النقدي البعيد عن سلطة الاتجاه المحافظ الذي يأبى الاعتراف بشرعية الأنماط الشعرية الحداثية لأسباب تاريخية وأيديولوجية، مثلما هو بعيد عن الموقف المؤيد لمختلف الأنماط والتجارب الشعرية، بمجانية لا تعرف التحفظ أو الاحتراس.
    الحرب والتجربة الشعرية
    ينتمي باسم فرات إلى أولئك الشعراء العراقيين الذين عاشوا تجربة الحرب العراقية واكتووا بنارها وعبروا عنها بنصوص مخضلّة بالأسى ومنقوعة بالدم والعبث والرعب، إذا ما أردنا تجاوز لعبة الأجيال وتصنيفاتها الموهومة:
    طفولتي التي سخّمها الفقر واليتم
    ها هي تمدّ لسانها ساخرة مني
    بعدما سخّمت حياتي الحروب والمنافي/
    رغم أني حاولت ألف مرة أن أخبئ الفرات
    لكنني عانقته
    فخرّ أزيز المدافع من قميصي
    رسمتُ سماء صافية لأنفذ منها
    محتها الصواريخ
    ويبدو أن نزوح الشاعر إلى الغرب الأوربي لم يسهم إلا في تأجيج أوار الحرب وذكراها في مخيلته، على الرغم من مرور ما يزيد على ربع قرن على بدء اشتعالها، حتى ليصعب علينا العثور على نص له لم تطلّ الحرب أو مظاهرها ومفرداتها وصورها ورائحتها علينا فيه:
    أتذكر أنني بلا وطن
    وأن الحروب ما زالت تلاحقني وتغيّر أشكالها
    الشظايا سُعالي المزمن
    بساطيل الحرس مسخت ذكرياتي/
    المساءات المليئة
    بنفايات الحروب
    تطرق بابي عمداً.
    وأمام هذا الطغيان الواضح لذكرى الحرب في نصوص الشاعر لا بد من القول إن معالجة موضوع مصيري كبير كالحرب يتطلب من الشاعر طاقة غير عادية، لتفادي الضغط المباشر للتجربة على روح الشاعر، بغية النجاح في إنتاج المعادل الموضوعي المعبر عنها تعبيراً فنياً مقنعاً ومؤثراً. فليست الحرب، كما هو معلوم؛ دبابة وبندقية وجندياً ودخاناً وخوذة ورصاصاً وموتاً وحياة. إنها شيء آخر يمكن أن نراه ونشم رائحته ونحس بكوارثه وإن لم نذكر شيئاً من مفرداته المادية ومظاهره الفيزيقية المذكورة. لذا فإن باسم فرات في الوقت الذي نجح في جعلنا نعيش تجربة الاكتواء بويلات الحرب أو تذكرها في عدد من النصوص مطالب بالابتعاد عن تكرار مظاهرها التي لن تضيف جديداً ما لم ينجح في خلق فاصل ذهني وفني يتيح له إعادة إنتاج صورها عبر لغة موحية رامزة، تتخلى عن مباشرتها الجارحة.
    شاعر الصورة
    وإذا كان الرهان على شعراء القصيدة الحداثية عامة وقصيدة النثر على نحو خاص، يكمن في قدرة هؤلاء الشعراء على تحقيق خصوصية كل منهم وفرادته، فإن في نتاج الشاعر كثيراً مما يميزه من شعر الشعراء المجايلين له. فمن بين ما يميز الشاعر ولعه الزائد وعنايته الفائقة بالصورة، حتى ليبدو شعره برمته شعر صورة في المقام الأول. لكن ثمة ما يسم إنتاج الشاعر لصوره، وأقصد به هيمنة الملمح التجريدي على بناء الصورة. وهو أمر ربما يعود إلى طبيعة الاشتغال المعرفي لدى الشاعر وإثارته للسؤال في جل نصوصه الشعرية:
    أقود هياكل وحشةٍ أدمنتني
    وأسئلةٍ ترمّلت/
    هل أوهم نفسي
    أنني لست الذي في الصورة
    محمولاً رأسه
    على رمح؟/
    بينما الوقت يطرّز منفى لعباءات النخيل
    أفك أزراره أقرأ: الطفولة أسئلة لا تنتهي – تتشعب –
    أو أسئلة تنمو فوق طحلب الأيام/
    دلني..
    كيف أرسم بروقي فوق سريركَ
    دلّني
    دلّني أيها السواد.
    والحق أن اهتمام الشاعر بإنتاج الصورة أمر لازم ومطلوب إن لم يزد عن حدّه، فيتحول إلى ضرب من الصناعة والتعمّل الذهني.
    وقد لا نخطئ إذا قلنا إن من الصعب على متلقي نصوص الشاعر التفاعل مع الصورة التي يقدمها النص إليه. وهو أمر يعود ولا شك إلى رؤية الشاعر والأسلوب الفني الذي ينهض بناء الصورة عنده عليه. فلا يبدو أن الشاعر يكترث كثيراً بالعلاقات المنطقية التي تتحكم في بناء الصورة لديه، بل هو يسعى إلى خلخلتها والاستعاضة عنها ببناء صوري لا يستند إلا إلى البطانة النفسية ومعطيات عالم اللاوعي والمخيلة المتأبية على التدجين والانتظام في النمطية في الأعم الأغلب:
    الجمرة التي منبعها قلبي
    تبحث عن موقدكَ لتصبّ فيه
    بينما أصابعي تجرّحها سماء ليست لي.
    وهو لا يكتفي بصدم المتلقي بضروب إنتاج الصورة السيكولوجية العصية على الفهم، بسبب من معطياتها الباطنية تلك، بل يضيف إلى ذلك إيغاله في جعل هذه الصور تترى وتتراكم فوق بعضها، من دون أن يكشف ما تراكم عن حضور ما للعلاقات المنطقية التي تنتظمها. وهو أمر تسبب أحياناً في إعتام الصورة لديه وتشتيت دلالاتها لدى المتلقي الذي لم ينل حظاً كافياً من الدربة على النصوص الحداثية والتفاعل معها بعدّة وصبر كافيين:
    ظلالنا ترشق الستائر بالقبل
    الموج يستجدي من المارة قمصانهم
    ليعلّب السواحل في غثيانات الضباب
    العربات تبادله الخدوش والخرائط المبتلة/
    يتآكل الحنين في لساني
    ومن لاذ بالصمت لا يستبيح ظلي
    ويحرر غاباتي برمله
    النرجس يتناسل في يدي
    ولا زبد في مياهي/ أوقد الغيوم
    وأعرف أن للذكرى قوارير شائكة
    أحرث السماء بالبحر
    وأعرف أن الدمع أكثر زرقة
    من بهجتي
    لكنّ تحلّل النص الحديث من نسق العلاقات الذي يحكم نسيجه العضوي من شأنه أن يطيح بمبدأ أساس من المبادئ التي قامت عليها قصيدة النثر، وأقصد به مبدأ الوحدة العضوية التي تمنح القصيدة هويتها وتميزها مما عرف بالنثر الشعري، إلى جانب مبادئ أخرى، كالاعتباط والتكثيف وسواها من المبادئ التي نظّر لها روادها أو تأثروا بمنظري قصيدة النثر الغربية.
    ولا نشك في أن التلقي الجيد الصبور المستند إلى ثقافة وخبرة كافيتين لنصوص الشاعر من شأنه أن يقود المتلقي إلى سبر غور كثير من الصور الغامضة العصيّة. لكنّ ثمة في المقابل جهداً مطلوباً من الشاعر، إذا ما أراد مشاركة المتلقي له في تجربته، للتوقف ملياً إزاء ما يبدو مُعتاصاً مُعتِماً واعتباطياً من الصور، على القارئ النموذجي نفسه. فباسم فرات لا يحفل بإيصال معان واضحة، ولا يهتم ببناء علاقات منطقية، يمكنها إنتاج هذا المعنى من دون مشاركة المتلقي إياه فكرياً وسيكولوجياً. إنه على العكس من ذلك يقيم عدداً من قصائده على بؤر متعددة، يتناسل بعضها من بعض لتشكل بنية إيقاعية، بدلاً من إقامتها على بؤرة مركزية واحدة، ما يمنح المتلقي الإحساس بافتقاد الإطار الجامع الذي ينتظم بناء القصيدة، وبتحول معطيات الصورة أحياناً إلى معطيات سريالية لا تخلو من بعدها الفانتازي:
    ينزلق الانتظار من عيوننا
    يمضغ الشوارعَ
    تتساقط أوراق الأرصفة
    وهي تفتح أزرارها
    تتجمع الفصول في راحتيّ
    كل طريق إليكِ يصير شرارة/ رماد أيامي
    نوافذ مشرعة الأمد
    كسرت صمتها لتطل ملائكة تغسل الهواء من صخب المدى
    بيدين منقوعتين بالنعناع
    تلوّح لضيائي أن يُقشّر بحارَه من الزبد/
    عباءات تكنس الغزاة
    فيطعنها ضابط الأمن
    شوارع تتوالد في الأزقة
    فتنمو التكايا/ تتثاءب في أحضان السمك النجومُ وتلوّح لي
    أرمّم قلبي بيد وبالأخرى أتدارك الوردة من الهذيان
    أتدارك الشرفات من السقوط في مستنقع حافل بالسماء/
    وفي كل حلم تغرق الشبهات
    وتظمأ الحدود من ضيق اتساعها
    يدي مدمّاة بثلج يتلعثم كلما قشّر الضباب رئتي
    إن على المتلقي الذي يواجه نصوصاً كهذه أن يفهمها من واقع إيحائها النفسي، فهماً عاماً، وليس من خلال التعويل على نسق العلاقات المنطقية التي تتحكم ببنيتها.
    لكن الشاعر الحداثي المتمرس في الصنعة لا يغلق أبواب القصيدة تماماً ولا يدعها من دون ترك إشارات هادية له، ومن خلل لغة يراها الشاعر أشبه ما تكون بلغة الضوء أو النجوم المشعّة:
    لي لغة النيازك
    وشهوة أرخبيلات تضيق بهنّ القصائد
    لا دليل لبوصلتي
    وعلى الرغم من صدور الشاعر عن وعي حداثي لمفهوم الشعر وشكله ومفهوم التواصل وجدله مع المتلقي، فإننا لن نعدم حضور بعض المظاهر الفنية القليلة التي تمثل ضرباً من ضروب ما ترسب في لا وعي الشاعر من صور شعرية وعناوين تبدو أقرب في نسيجها من البناء النمطي منها إلى ثقافة الحداثة. نلمس ذلك مثلاً في عناوين بعض القصائد التي اعتمدت في صياغتها على تشبيهات ولغة بلاغية تقليدية، مثل: عانقت برجاً خلته مئذنة، الحياة تركض أنّى اقتنصتها، خريف المآذن ربيع السواد دمنا، يندلق الخراب فاتكئ عليه.
    إن استخدام لغة من مثل: خلت، أنّى، والتعويل على العبارات والجمل المركبة أو الطويلة إنما يرجع بنا إلى معجم بلاغي تقليدي لا نشك في أنه من بقايا قراءات الشاعر وتشكّل ملامحها في مراحل أولى.
    إن من شأن الجدية التي ينبغي للمتلقي أن يأخذ نفسه بها أن تقوده إلى الكشف عن جملة من الانزياحات الذكية وصور المفارقة في مجال تشكيل الصورة لدى الشاعر، كما يتضح من بعض نماذجها الدالة:
    وللحرب...
    قذائف تتوسدنا، وتستريح بأجسادنا/
    أنت توقد أوهامك
    بالجنون/ أوما علمتَ أن الشك
    حبر اندلق على عمرك/
    الطرقات بنباحها المر
    تلفّ أقدامي/
    ما زلنا نتأرجح خلف
    عابرة
    ألقت التاريخ
    على ساقيها/ نحن جمر المقاهي
    وهم لهبها/ لماذا معتمة رائحة الألفاظ
    قبل أن ينوشها لسانك/
    أعلّق عمري على رصاصة
    تدلّت من سماء بعيدة/
    وأمي لم تلتفت للشظايا
    حين مشّطت صباي
    فأهالت الشمع والآس فوق صباحي

    شعر البوح
    لقد أدى اتخاذ الشاعر الماضي المرير محوراً أساسياً لتجربته الشعرية إلى أن تتلفع نصوصه بملمح أسلوبي هو ملمح السرد. ومن غير السرد يمكنه احتضان كلوم وعذابات وهذيانات الماضي المفزع؟
    إن بالشاعر حاجة إلى قص ما عاشته شخصياته وجرى لها وشهدته من أحداث يريد للمتلقي أن يشاركها همومها تلك، فليس أفضل من السرد وسيلة للحكي والبوح. ولأن ما جرى في الماضي القريب ليس هيّناً أو عادياً، فإن القصيدة ستأخذ شكل البوح والانثيالات والهلاوس الواعية وغير الواعية في آن معاً. وستمتد وتتخذ شكل قصائد طويلة، تحتل المساحة الأكبر من فضاء المجموعة الشعرية، ليضعنا ذلك كله أمام تحد جديد من تحديات ملامح قصيدة النثر وحاجتها إلى التكثيف الشديد.
    لقد أدى طغيان سرد البوح لدى الشاعر إلى سيادة ظاهرة أسلوبية تمثلت في احتلال (ضمير المتكلم) مركز الصدارة في نصوص مجموعته الشعرية. وهو أمر ينسجم مع مقتضيات الرغبة في البوح وعلو صوت الأنا الشعرية. فلقد تجلى حضور (ضمير المتكلم) في (22) نصاً شعرياً من بين (26) نصاً شعرياً، هي مجموع نصوص (إلى لغة الضوء) ؛ جاء (13) نصاً شعرياً منها خالصاً بضمير المتكلم، في حين تناوب ضمير المتكلم مع ضمير المخاطب أو ضمير الغائب في (9) نصوص شعرية.
    أما استخدام ضمير الغائب وحده، فقد اختص به نص واحد، وخرج نصان من نصوص المجموعة الشعرية إلى المزج بين السرد الموضوعي وضمير المتكلم مرة وضمير المخاطب أخرى. ولم يعبر عن السرد الموضوعي البانورامي سوى نص واحد من نصوص المجموعة الـ (26) .
    وقد يلجأ الشاعر إلى أساليب فنية ذات صلة بسرد البوح الذاتي، في محاولة للتعبير عن احتدام مشاعر الشخصيات داخل النسيج الشعري، من ذلك اللجوء إلى تكرار بعض المفردات مرات في القصيدة الواحدة، كما فعل في قصيدتيه: (جنوب مطلق) و(يندلق الخراب... فاتكئ عليه) .
    ومن اللافت أن المفردة التي تكررت في القصيدتين هي مفردة "مقول القول": قلت، وقال، اللتين اتخذتا شكل اللازمة المترددة كما الموتيف.
    ويمكن ملاحظة حالة الاتساق في ما بين استخدام ضمير المتكلم في قصيدة (جنوب مطلق) واستخدام فعل القول الدال على المتكلم، وتردده خمس مرات على النحو الآتي:
    " وأقول: في الأقاصي البعيدة، وأقول: في أقصى الجنوب جنوب، وأقول: يا لهاث الجنوب، وأقول: يا لهاث الفراتين، وأقول: يا لهاث الفراتين.
    وهو استخدام فني يتفق مع بوح المتكلم الخالص، في حين يتخذ مقول القول شكل الخطاب في قصيدة (يندلق الخراب...فاتكئ عليه)، إذ تبرز صورة الآخر المترددة أربع مرات على نحو واضح، متماشية في ذلك مع تردد القصيدة بين صوتي (المتكلم والمخاطب)، وذلك حين تتردد عبارة (قل ما بدا لك ودعني أقل ما بدا لي) أربع مرات، لتشكّل النغمة الرئيسة في القصيدة.

    صورة المكان
    يبدو المكان حاضراً في مجموعة (إلى لغة الضوء) حضوراً حاداً من خلال ذلك التقابل الثنائي الذي يقيمه الشاعر بين فضائي كل من وطن الذكرى وبلد المنفى. وهو تقابل لا بد من أن ينتهي لدى النازح نزوحاً قسرياً إلى حالة من الاستيحاش والغربة التي تنتهي إلى معادلة:
    الوطن ــ الذكرى ــ الوطن المنفى
    وهي المعادلة التي تترسب فيها لعنة الموطن الأصلي ــ إن جاز التعبير ــ في شكل مرارة عالقة في اللسان، وألم دائم منغرس في الخاصرة.
    لقد استأثر المكان الأصلي، بوصفه مستقر الذكرى ومهاد الطفولة والصبا والشباب، بحيز واضح من بنية الفضاء العام في تجربة الشاعر. وهو مكان ينطوي على مستويات عامة وخاصة؛ بدءاً بالوطن الأكبر، مروراً بعالم الجنوب، وانتهاء ببابل وكربلاء؛ مدينة الشاعر التي ترددت كثيراً، من دون أن يغفل بغداد:
    لقد توزع رؤية الشاعر فضاءان، هما: فضاء (الهناك) المؤلم الملوث المرتبط بالماضي والوطن المغيّب، وفضاء (الهنا) المستلب للروح، والمرتبط بالحاضر وبأرض المنفى:
    كيف لي أن أجعل الآس
    لا يشير إلى أسراري وفي يمينه
    ما ينهش الرؤيا
    بينما هناك نسيت القناديل
    مشغولة بسريري
    وإذا كان هذان الفضاءان لا يكشفان، مكانياَ وزمنياً، عن ملامح رؤية محايدة في مجموعة الشاعر، فإن من الطبيعي أن تعلو مفردات الرؤية الكالحة والملامح السيميائية الدالة على الوحشة والذبول والإحباط، والمرتبطة بالمكان الأصلي للشخوص، على سواها من المفردات السوية للعالم.
    من هنا تجلت في فضاء النسيج الشعري عوالم الظلمة والسواد ومظاهر الهزائم والانكسار والخراب وصور الخريف والحزن والرماد والسراب، مقدمة لنا صورة ذاتية موجعة لا تخلو في بعض مظاهرها من الإحساس بالعبث والوحشة والانكسار:
    وأقولُ: في الأقاصي البعيدة
    تستغفلني الحربُ، فتكنس أفراحي
    أمسك بالسراب/ هل عليّ أن أحرق جذوري؟
    وأرمي ثلاثين عاماً إلى البحر
    لتكون وليمة شهيّة للأسماك
    هل عليّ أن أخلع قميصي المليء قسراً
    بالقذائف والوشايات والحصار
    لتعانقني سماء ليست لي/ في الأقاصي التي أنهكها البحر
    أردم أحلامي
    لي من الحروب تذكار
    ومن البلاد أقسى الجراح/
    يا أعتق المدن المقدسة
    جئناك بالدرّ والحنين
    لنرتشف من مائك الطهور/
    أفتح كتابي فتشير كلماته إلى زخرفك السماويّ
    قناديلي تغمس ضياءها في قبابك المذهّبة
    أنت فردوس الدموع
    وبهجة النشيج
    لكن ذلك لم يحل دون انشداد بعض نصوص الشاعر إلى خيط الأمل والإبقاء على كوّته مواربة، من خلل عدد من الملامح السيميائية المعبرة عن التوق إلى الخلاص من أسر اللحظة الراهنة، وأبرزها صور النوافذ والكوى التي تطل علينا في إطار من التوظيف الفني الموحي:
    أرنو إلى النوافذ
    فأرى شغفها يفترش رئتي
    حتى نسيت أن ذاكرتي يؤرقها
    معلّقة بهديلها/ أمي أشعلت ثلاثة عشر قنديلاً
    تؤثث لانتظاري
    وعندما شاخت النوافذ بترقبها
    أشعلت ما تبقى للرحيل/
    أحاول ــ دون جدوى ــ أن أفتح كوة فيه
    لا أجدني إلا انكساراً يشع
    أطل على الجميع وأسرج الآفاق تحتي/
    النافذة أيضاً خريطة تقتص من الانتظار أجنحته
    وتمحو ما يسطّره الخيال في البال/ هذياني
    نوافذ أوسع من أفق
    وأعلى من غيم مسراتنا.
    لقد استدعى الشاعر مظاهر التراث العراقي وطقوسه وأجواءه، واحتل التراث الحضاري القديم للعراق الحصة الأوفر منها، ولا سيما التراث السومري والبابلي وأساطيره ورموزه. وهو استدعاء يعكس إيماناً بعظمة هذا التراث، في الوقت نفسه الذي يمثل وجهاً آخر لما آلت إليه أحوال البلد العريق، وأملاً ضمنياً في التجدد والانبعاث:
    ما زالت الملائكة تطوف بأزقتكِ
    يشعلون البخور
    ولدرء براءتكِ من هشيم صرخات خمبابا
    يخضّبون غبارك بالحنّاء
    وينشدون:
    كربانيلو.. سيدة لا تشيخ أبداً
    ....
    يا أعتق المدن المقدسة
    جئناك بالدرّ والحنين
    لنرتشف من مائكِ الطهور/
    الأمهات الثكالى
    تلفعن بتراتيل النواح السومري
    بينما الطائرات
    تترصد معابد أور
    لأسر الآلهة/
    فلا أرض السواد
    ترمي لك بسعفها وجلجامشها
    ولا أرض "إوي" تمنحك طمأنينة "كيويها"
    يا هذا يا سومري
    أسد التراب
    سرق منك ما كدست
    على وسادتك
    من أمجاد
    وقد يتخذ هذا الاستدعاء شكل توظيف طقسي يأخذ سمت النشيد الإفتتاحي للأسطورة:
    يا نسوة بابل
    يا حفيدات الألم
    أطلقن الريح في شارع الموكب
    وعلى دروب عشتار علقن العويل
    فها هو الظلام العميق يتسلق الفصول
    ولم يقف الأمر عند حدود استدعاء المظهر التاريخي بل تعداه إلى استدعاء التراث الديني، بطقوسه ذات الشحنة الكفاحية والاستشهادية ورموزه المؤكدة لهذه الدلالة تارة أو المعبرة عن قيم الفكر الديني وممارساته المضيئة لدى رموز الفكر الصوفي:
    ..المتكئين على أرائك المجد
    وشهوة الخلود
    أبناء سبيلك
    لهم العزة كلما توغلوا في الرفض
    أطعموا الحلاج صبرهمو
    وأفاضوا على الملأ حلماً
    قايضوا بالسخاء العزيمة
    شدّوا القلوب على الدروع
    ورقصوا للموت جذلين/
    أتوغل في المطلق
    عن يميني سدرة المنتهى
    عن شمالي كفّا العباس تلوّحان لي
    بعد أن اسمرّتا من الوجد والعطش.
    لكن الجنوب؛ بطقوسه وأجوائه ومظاهره وتراثه، كان الأكثر حضوراً وتردداً في نصوص الشاعر، وهو ما أدى إلى بروز مفردات من مثل: الأنهار والنخيل والقصب والمشاحيف والشموع والآس والحنّاء، وهذان الأخيران ظهرا في النص وكأنهما الطقس الذي لا يود الشاعر مفارقة ذكراه:
    لي من الأسى دموع المشاحيف وارتباك القصب/
    تأوهات النخل
    بوح البرتقال
    دم الآس/ والذي يمضي بعيداً
    دون خضرته
    هو الآسُ/ أندبك يا أيامي
    وأضيء شاهدتكِ
    بالبخور والآس/ يخضبون غبارك بالحنّاء/
    على كتفيكَ مواويل نخل ودموع آس/
    كيف لي أن أجعل الآس
    لا يشير إلى أسراري وفي يمينه
    ما ينهش الرؤيا/ أتولّه بالآس وهو يشبهني تماماً/
    أمي آيات حنّاء يغلبها العشق/
    ما يقول النخل للمئذنة
    للنسوة اللائي
    قطّعن أعمارهنّ
    وقدمنها وجبة طعام للانتظار
    يشعلن شموع أنوثتهن كل مساء
    لك مواقيت الآس في النرجس
    وهو غارق في رؤاه.
    وإذا علمنا أن عالم الجنوب العراقي المهمل المهمّش، ينتمي في مظاهره وطقوسه إلى عالم الريف أكثر من انتمائه إلى عالم المدينة، أدركنا السر وراء الموقف الفاتر للشاعر من المدينة لاحقاً، بل إن هذا الفتور وعدم الاحتفاء يكشف لدى الشخصية أحياناً عن حالة من العداء والنفور المصحوب بالقلق على الإبداع من خطر افتراس المدينة – الوحش له:
    "لكن القصيدة تتهيكل
    من أعطى المدينة هذا الفم
    لتبتلع القصائد والحقول
    فلا أجد مسرباً للحرية".
    والحق أن حلم الشاعر في استمرار الإبداع وبقائه متوهجاً يشكل هاجساً لديه، كما يعبر عنه أحد مقاطع قصيدته (ليس أكثر من حلم):
    "تحلم
    أن تستيقظ
    حيث لا حروب
    تعكّر مزاج الصباح
    لا حنين
    مدمن على الألم
    لا منغصات
    تعيق شروق القصيدة".
    ولا يشارك المدينة حالة النفور سوى (المنفى)، إذ يبدو الثيمة الأكثر تردداً في نسيج النص ومن أكثر الأماكن كراهية وضيقاً ونفوراً من قبل الشخصيات التي تبدو في حالة مواجهة دائمة معها، فهي تسيل على أجسادهم وتغلق الأبواب بوجه كل شيء عزيز، لكنها تظل أرحم من هول الحرب وويلاتها:
    والمنافي تغلق أبوابها بوجه الفرات
    أقايض الحرب بالمنفى
    وبابل لا تواسيني/
    على كتفيّ تسيل المنافي
    وفي الشبابيك أسئلة الغائب.
    ولعلنا لا ندرك مرارة المنفى الممضّ الجارح ما لم نقف على هيئته التي اكتست لدى الشاعر طعماً مرّاً ورائحة خانقة:
    "جنرال بلباس رب عمل
    يسومك لغة المنفى ورائحة الثكنات/
    خلف الكلام هوامش كثيرة التحديق
    ولا فتات تسأل عن جواد سليم
    بينما الوقت يطرز منفى لعباءات النخيل
    جسدي أدمنته الشظايا فلاذ بقهوة المنفى
    هل لي لأرتّب موعداً أستضيف الأصدقاء
    بلا بهرجة الندامى أو زخرف الملائكة
    وبلا ندى أحمر يبلل رائحة المنفى؟.

    صورة الزمن
    ويقود التقابل المكاني إلى الإحساس الحاد بالزمن في المتن الشعري للشاعر، وحضوره في شكل طغيان لزمن (المضي)، على ما عداه تارة، واستحضار صور الأمس ومواجهة ذكرياته المؤسية التي لا يعدم نص من نصوص المجموعة من مظاهرها:
    المحطات بتثاؤبها الكسول
    تأكل سنواتي
    سنواتي ذاتها ثقبتها الملاجئ/
    أكتب تاريخ جنوبيين فوق عباءة أمي
    وعبثاً أمسح أكفان الأيام المنسدلة من شعرها
    مقبرة السنوات تتمدد فوق إسفلت ذاكرة مليئة بندوب الحروب
    وإذا كانت الحرب وكوارثها وما أنتجته من غربة وألم وضياع للوطن الذي يحضر في هيئة طقوس، هي ما تبرز في قصائد مثل: (1/3/1967)، و(ليس أكثر من حلم)، و(أقول أنثى ولا أعني كربلاء) وسواها، فإن مفردات فقد الأب على يدي قوى السلطة العاتية وتحوله إلى رمز مضيء، ونهوض الأم بالدور المكمل له، وحضور المدن الخاصة والعامة، هي المفردات التي تمنح الزمن زخمه في قصائد مثل: (أنا.. أبي.. أنا)، و(دون تلفت)، و(الحياة تركض أنّى اقتنصتها) .
    لكن رحيل الصحب وقهر الخريف للربيع والاستنجاد بالنهرين هي الملامح التي تمنح الزمن بعده التراجيدي في قصائد أخرى، من مثل: (رحيل)، و(1/3/1967)، و(أقول أنثى ولا أعني كربلاء) .
    من جهة أخرى فإن عدداً من عناوين قصائد الشاعر تكشف عن دلالة واضحة على الإحساس بالزمن، من مثل: (خريف المآذن ربيع السواد دمنا، و(تأريخنا)، (1/3/1967)، و(الحياة تركض أنى اقتنصتها)، و(رحيل)، و(عبرت الحدود مصادفة)، و(سليل)، و(إلى لغة الضوء)، و(الذي أغلق الباب وراءه)، و(أنا.. أبي.. أنا) .
    لقد رأينا الشاعر وهو يلجأ إلى توظيف تقنية فنية، بهدف تعميق إحساس القارئ بسطوة الزمن على الشخصيات، من ذلك لجوؤه إلى تقنية البنية الدائرية المغلقة التي تلتف فيها الخاتمة، عائدة إلى المقطع الاستهلالي للقصيدة. ففي قصيدة (عزلة) الدالة على البنية الضيقة للمكان وعلى التوحّد مع النفس، تتضافر بنية النسيج النصي لتشكل بنية دائرية مغلقة، يلتف فيها الاستهلال بالخاتمة؛ للإيحاء بالدورة المكرورة وبحالة العزلة والاحتباس التي تعيشها الشخصية المعزولة، إذ يبدأ المقطع الاستهلالي على هذا النحو:
    ترجلي عن صهوة آلامي
    واحملي متاعك
    بعيداً بعيداً بعيداً
    ثم ما يلبث هذا الصوت أن يطل علينا ثانية في خاتمة القصيدة على النحو الآتي:
    "ورحتِ تتلونين في دروبي
    بكل نزقك وطيشك
    أفعى تترقب ضحاياها
    ترجلي
    ترجلي
    ترجلي
    عن صهوة آلامي
    وابتلعي لحم فريستك
    بعيداً بعيداً
    بعيداً..
    وهي تقنية نلمحها تتكرر في قصيدة (آهلون بالنزيف) التي تبتدئ بالمقطع الاستهلالي:
    "الذين أوقدوا شمعتك ناحل رحيلهم
    وخرابهم معلق في أقاصي العمر".
    وتنتهي القصيدة ببنية الختام ذات الشكل الدائري المغلق:
    "لا تبتع لغير طينك الرازقيّ
    حتى لو كان الهديل... ذاكرة مستفزة
    الذين أوقدوا شمعتك
    آهلون بالنزيف".
    الشاعر وتحديات المثاقفة
    ازدادت فرص وجود الشاعر العربي في المجتمع الغربي على نحو ملحوظ في القرن العشرين وما تلاه، بسبب انهيار النظام السياسي العربي وإحكام سيطرة العسكريتاريا على مقدرات الناس، ومصادرة الحريات الفردية وحق الفرد في التعبير عن آرائه ومعتقداته. وهي المظاهر التي ليس ثمة أكثر من المبدع حاجة إليها واختناقاً لفقدانها. وربما كانت حصة المبدعين العراقيين، من شعراء وقصاصين وتشكيليين وأدباء وعلماء ومثقفين هي الأكبر اليوم بين حركة النزوح القسري للمثقفين العرب في بلاد الشتات؛ لما تعرضوا له من أهوال وكوارث لم يتعرض لها مجتمع عربي في العصر الحديث، إذا ما استثنينا المأساة الفلسطينية.
    وربما كان من المتوقع أن يترك انتقال الشاعر العربي عامة والشاعر العراقي على نحو خاص، من بيئته الأصلية إلى بيئة شديدة الاختلاف عنها، آثاراً كبيرة فيه، على مستوى الفن والرؤية والسلوك جميعاً. لكن اللافت في ظاهرة النزوح القسري للشاعر العربي تلك أنها لم تعكس ما كان مؤملاً من اندماج الشاعر العربي بالمجتمع، فهي لم تعكس حالة من التلاقح الثقافي مثلاً أو تكشف عن متغيرات ملموسة مطردة، على مستوى النص والرؤية والسلوك. فالمقارنة بين نصوص الشعراء قبل النزوح وبعده لا تفصح عن تحولات نوعية ملموسة على مستوى الرؤية والبناء لديهم.
    لقد عكست جل مظاهر اللقاء بالآخر عن حالة من الحضور فيه (الآخر) حضوراً مادياً، من دون أن يتبعه في الغالب انفتاح فكري أو روحي، لينتج عن ذلك كله استمرار الشاعر في إعادة إنتاج رؤيته بتفاصيلها ذاتها، ونصه بثيماته الموضوعاتية وخصائصه الفنية، حتى لكأن نصه الجديد هو النص الذي خبره وألفه وأدمن إنتاجه، فيما يشبه ضروب المناعة والانعزال. فقلة قليلة من الشعراء العرب؛ المهاجرين أو المقيمين في بلاد الغرب فترات طويلة، من كشف عن مظاهر تحول في نصه الشعري عما كان عليه من قبل.
    في مجموعة (إلى لغة الضوء) نقف على حالة من الوعي باختلاف البيئتين اللتين طالما توزع نص الشاعر بينهما، كاشفة عن تمزق الشخصيات بين بيئة تتفلّت مبتعدة، وأخرى لم تتجاوز صورة المنفى، برغم كل ما يحيط بها من ترف ومتعة:
    جسدي أدمنته الشظايا فلاذ بقهوة المنفى
    "أنا بلا متع، بلا أمجاد
    خذلتني أحلامي
    منعزلاً في أقصى الضياع
    ترثيني فاجعتي
    ويقودني حطامي
    أتتبع آثار طفولة وأرتق أماني دهستها المجنزرات
    أرى مظاهرات الخوف تندلق من جيوبي
    ولأن البحر منزو هو أيضاً
    راح يوزع غربته على أمثالي أيضاً".
    ولأن بيئة المنفى، برغم ما مثلته كبيئة خلاص ومحطة استراحة وإبداع، لا تستطيع تعويض الشخصية ما تسرب من بين يديها من أمكنة وزمن ومتع وذكريات هي كل حصاد العمر المنقضي، فإن الحلم بالعودة إلى البيئة الأولى يظل مشتعلا أبدا، حتى وإن أدركت الشخصية أنه سيظل محض حلم:
    "وتحلم فيما تحلم
    أن تطوي البحار
    تحت إبطيك
    لتشم ثرى بابل
    وتقبل ألواح الأجداد
    وتحلم....
    وتحلم....
    ولكنه على أية حال
    ليس أكثر من حلم".
    وربما عاودت الشخصيات في المتن الشعري السؤال متشككة في واقعية حدث النزوح خارج أرضها ومتسائلة عن كيفية حدوث فعل المغادرة ومفارقة البلاد وافتقادها لها:
    "يا صديق المنافي كيف انزلقتْ من بين جفنيكَ
    البلادُ عاريةً
    وانسلّت الطرقات خلسة
    من بين خطواتك".
    لكن متغيرات الوعي التي يكشف عنها نص الشاعر هي التي تبدو أكثر أهمية، إذ يكشف عن أثر امتزاج الأفقين الثقافيين، من خلال التعبير عن المشترك الإنساني والثقافة التي يفرض عصر العولمة الجديد السير في اتجاهها، وتجاوز عقد الثقافة الذاتية وتابواتها التي قليلاً ما لمسنا حضور مظاهرها في نصوص الشاعر العربي المغترب. من ذلك لجوء الشاعر إلى استدعاء بعض رموز ثقافة الآخر وثقافته الإنسانية ومزجها في إطار رؤية ثقافية معبرة:
    "الطرقات بنباحها المر
    تلفّ أقدامي
    أبعث رسائل شرسة إلى دانتي
    بعويل سنواتي اليابسة أحشوها".
    وإذا كان هذا التواشج في السياق الثقافي مألوفاً في التجربة الشعرية لدى الشاعر العربي الحديث، فإن تجاوزه إلى التعبير الشعري الذي يمزج بين رموز الديانتين الإسلامية والمسيحية وشعائرهما ومعطياتهما يمثل تجاوزاً في رؤية الشاعر باسم فرات وتعبيراً عن حالة من الثقة والتوازن والتسامح، منطلقاً من مرتكز وحدة الديانات السماوية ووحدة مصدرها:
    تراتيل كهنة وقديسين
    صلوات شهداء
    وتسابيح عشاق الرب
    ما زالت الملائكة تطوف بأزقتكِ
    يشعلون البخور/ أتساءل:
    الخارطة التي لها رائحة الصليب..
    وطني
    نهران من الدموع يتوسدانه/
    أيها المليء بالأشجار والطيور
    أناملك تسمع فيها الزقزقة
    وخفقاتك..
    قدّاس لتموز البابلي
    وقد يرى الشاعر في أرض هيروشيما التي غدت مستقراً لرحلة عذابه ما يمكن أن يشكل احتضاناً للأرض الطاهرة التي فارقها مكرهاً. بل هو يذهب إلى أبعد من ذلك حين يجعل من موت الأب طقساً للفداء ذا دلالة إنسانية؛ ثقافية وروحية واحدة، وذلك من خلل صورة جريان دم الأب على رموز الأديان السماوية وفضاءات الوجود على اختلاف مظاهرها وتعدد صورها وأشكالها:
    احتضن الطفّ هيروشيما، فكنت رقماً في ملفات الأمم المتحدة/
    أبي
    دماؤك
    التي سالت على الجدران
    على السطوح
    المنائر
    النواقيس
    في الغابات
    في البحار
    سالت على السماوات السبع
    على الأرضين
    إن التأمل في عموم التجربة الشعرية للشاعر باسم فرات يدعونا إلى توقع تخفف الشاعر من دوران تجربته حول بعدها الذاتي ووقائعها الفجائعية، لتنفتح على مفردات العالم الأوسع، متجاوزة حيز اللون المعتم إلى سائر ألوان الطيف الشعري.
    وأخيراً فإن باسم فرات يعبر في مجمل تجربته الشعرية بقوة عن رغبة جامحة ليكون صوتاً شعرياً نافراً متميزاً من أصوات مجايليه وسابقيه معاً، على مستوى اللغة والصورة والبناء الفني جميعاً، وهو رهان خليق بجعلنا نرقب خطواته بترقب وتعاطف ومساءلة.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يوليو 21, 2018 3:58 am