حاتم الصكَر: عن خريف المنافي وعقارب تنهش ساعة القشلة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    حاتم الصكَر: عن خريف المنافي وعقارب تنهش ساعة القشلة

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 11:39 am

    بعد ديوانيه: أشد الهديل وخريف المآذن، يطل الشاعر باسم فرات بديوان صغير جديد هوSadأنا ثانيةً) ولا ندري غرض التسمية إذا ما تأملنا العنوان، فالمرة ليست الثانية بالتأكيد تلك التي يصدر فيها باسم ديواناً، وسنكتشف عند المضي في القراءة أن العنوان مستعار من قصيدة بالاسم نفسه تلي قصيدةً بعنوان: أنا، فهل يكرر باسم مركزية الأنا المتضخمة في شعر المتنبي: سلفه وابن أقرب المدن إلي مدينته، المسكون بالأسفار والعذابات والشكوي التي حوّلها إلي قصائد لا تتكرر في تاريخ الشعرية العربية؟
    لكن حالة باسم الشعرية والحياتية تثير مزيداً من الأسئلة بدءاً من اسمه المحيّر: باسم، في زمن كئيب يقول هو عنه : إنه سحقَ ذاكرته بسرفات الدبابات في نثار الحروب و هيجاناتها الوحشية، مما أودي حتي بثري بابل فصار حلماً عصياً، باسم ؟ في زمن يقول عنه في مفتتح الديوان: إنه جاء إليه من أبٍ هو حزن عتيق، وأمٍ هي كتاب الحزن الذي خرج منه الشاعر...
    قد نفهم اختيار الشاعر للفراتَ نسباً و اسماً بعد هجرته كاحتجاج علي (هول المسافة بينه وبين العراق) كما صرّح في آخر الديوان، ونحس هذه الرغبة في مؤاخاة التاريخ بالحاضر أو بكلمات الشاعر سركون بولص علي غلاف الديوان: تطعيم الحاضر بماضي الشاعر، و إغناء ما مضي بما يأتي من وقائع جديدة.
    ولكن مثل ذلك لا يتضح علي مستوي الرؤية، فالشاعر يشكو الفقد في الزمنين، ويلخص ذلك في أكثر من موضع في الديوان كقوله:
    ماضيك تقرعه بكل فطنة
    بينما أيامك المقبلات
    تتسربل بمدلهمّات الثياب
    لم يقايض الشاعر إذاً حاضره بماضيه، وهي صفقة خاسرة في كل الأحوال، لا يخفف من خساراتها الإعلان عن النفس ــ علي خطي المتنبي، فها هو الشاعر يقرر:
    أقايض الحرب بالمنفي
    وبابل لا تواسيني
    أرتق هزائمي بالمسرات
    و سنجد كذلك أن لا جدوي ولا تعويضاً في كل تلك العتبات الكثيرة في الديوان، والتي تؤكد المناكدة والتمرد و تستعرض الإحساس بالاختلاف ومنها:
    ــ تسمية عبارات الإهداء في صدر الديوان: (ما يغني عن الإهداء)
    ــ تسمية فهرست القصائد: (هل هذا هو الفهرست)
    ــ تسمية الإيضاحات الهامشية آخر الديوان (ما يشبه الهوامش)
    ــ التعريف بالشاعر في نهاية الديوان جاء بأكثر ثلاث صفحات تحت عنوان:
    (باسم فرات).
    ولكن اللافت هو أن الشاعر يسرد سيرته بطريقة تجعل الاحتجاجات لافتةً لأحداث السيرة الحياتيةــ الثقافية، تنتسب إليها مفردات حياة الشاعر مثل:
    ــ 1967أطلقت احتجاجي الأول في مدينة كربلاء
    وإذا كان الميلاد قد تحول الى صرخة احتجاج، فكيف سيؤرخ الشاعر اليتم المبكر والمحرقة الادمية في الحرب وموت الأصدقاء، وكيف سيؤرشف غربته وطوافه الذي أوصل خطاه إلى هيروشيما في محطة قد لا تكون الأخيرة؟
    لكن باسم إذ يصنع ذلك كله تحت فتنة الحداثة وإغواءاتها المشاكسة، يثبت أنه مثل شعراء جيله تمكن من تحويل أشد الواقعات سوداويةً إلي وقائع شعرية، حتي لو ظلت تذكّرنا بمراجعها ومصادرها، كالعمل المضني الذي أكل طفولة الشاعر، والفقد علي المستوي العاطفي ــ الأبويــ والخدمة العسكرية والتشرد حتي مرفأ الغربة.
    ستحضر الوقائع حضوراً ميتاــ نصيّاً، أعني بثقلها ووجودها تراقب حضورها في النص، وتذكّرنا بأنها مجتلَبة إلي القصيدة بحرارتها كما صنعتها الحياة، وستجد لها في نصوص باسم ذلك الوجع المتسلسل ــ من السلالة ــ عبر أوجاع جلجامش واللافتات السود التي تؤطر مدينة الشاعر والأمكنة الأولي التي صنعت ذاكرته، فكيف سيُغني أو يُثري هذا الماضي المأساوي بوقائع الحاضر ــ كما تقترح قراءة صديقنا الشاعر سركون بولص؟
    الحاضر يلهم كلاماً شعرياً يخفف إطار الغربة، علي مستوي اللسان والشعور والذاكرة، ولكنه لا يُنسي الشاعر ما يجره معه من ذكريات تمركزت في عمق ذاته الإنسانية والشعرية، والتي سيساعد علي استرجاعها بحرية وتلقائية حميمة، اختيار الشاعر الكتابة بقصيدة النثر، المستوعبة لأشكال من السرد،متخففةٍ من مرجعياتها السردية التقليدية واشتراطات الحكي، فتجيء قصائد باسم خفيفةَ الوقع لا تحفر بعيداً في الدلالات، بل تكتفي بالإشارة إليها كما في قصيدته عن صديق المنفي ــ الذي تناثرت أحرف اسمه عناوين للمقاطع الصغيرة في القصيدةــ، هل هو الهايكو كمرجع؟ هل بدأت المؤثرات اليابانية تأخذ وجهةً فنية بعد أن امتص الشاعر المكان وأشياءه وتقاليده وثقافته ومفرداته الغرائبية؟ كما في قصائد عن (الساموراي) مثلا، وكما استوعب المكان النيوزلندي قبلها بعدة قصائد تتمثله وتعيد صياغته شعرياً ــ قصائد مثل: (جبل تَرناكي، هنا حماقات هناك..، شيء ما عنك.. شيء ما عني).
    ولعلاقة الشاعر بالمكان دلالات مهمة عند القراءة، فالحياة معروضة للألم عبر المدن: التي ذكرنا منها مدن نيوزلنده، فهناك بغداد في أكثر من قصيدة، لعل أكثرها أسيً تلك التي تبدأ بساعة القشلة التاريخية في قلب بغداد، لكن الشاعر يري العقارب تنهش تلك الساعة، كما يسمع حوافر خيل المغول والمحتلين القدامي تُركاً وبريطانيين قبل أن تستمر أيام الاحتلال الراهنة التي تبدد ما ترك الماضي علي فخذي بغداد من مسرات تتداعي:
    أوهام جلجامش
    غوايات عشتار
    قوانين حمورابي
    وسذاجة ديموزي
    هوايات اشور بانيبال
    قسوة نبوخذنصّر
    انخذال الحسن
    دم الحسين
    سيف الحجاج
    وصرامة المنصور
    تبغدد زبيدة
    وكأس أبي نواس...
    المناخ الذي تأخذنا إليه قصائد باسم فرات لا تثير فحسب: روائح الماضي وخسائره، ولا تعلّات المنفي وكمائنه، بل تستقدم الشعر من مناطق قصيّة في الذاكرة، يمسّها الشعر فتغدو عذبة كلفح عذابها ومرارةِ عنائها القائم المستمر.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 17, 2018 8:51 pm