فاضل ثامر: عندما يتماهى الشاعر مع المكان

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 494
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    فاضل ثامر: عندما يتماهى الشاعر مع المكان

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 11:55 am

    تجربة الشاعر باسم فرات ليست استثناءً أو نبتًا شيطانيًّا في فضاء التجربة الشعرية الحداثية في العراق بشكل عام وتجربة شعراء المنفى بشكل أخص. إنها ولدت داخل هذا الرحم المتفجر والخصب والولود للشعرية العراقية، حيث التوهج الدائم للتجربة الإبداعية والإنسانية والفردية ورغبتها في كسر حواجز المألوف والتكرار والاجترار والصمت لتجاوز الذات والآخر. وإذا ما أتيحت لباسم فرات هذه الكرنفالات الورقية الباذخة التي بوأته مكانة خاصة - وأنا أباركها بكل تأكيد - في عالم الشعر العراقي (أشير تحديدًا إلى مجموعتين نقديتين هما: "باسم فرات: في المرايا" لوديع شامخ، و"مئذنة الشعر" لزهير الجبوري)، بفضل جهود أصدقائه ومحبيه – فإن العشرات من الشعراء العراقيين من شعراء الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات في الداخل والخارج كان يمكن لهم أن يتوجوا على عروش شعرية سامقة ونظيفة يستحقونها بجدارة وحق أيضاً، من خلال هذه الكرنفالات الورقية دون أن أتقصد هنا الانتقاص من تجربة باسم فرات المتميزة، لكني لا يمكن أن لا أتباهى أيضًا بفنارات شعرية عراقية لم تتح لها مثل هذه الفرصة من قبل.
    باسم فرات شأنه شان العشرات من الشعراء العراقيين، ينظر إلى العالم بعينين مليئتين بالدموع والتفجع والأنين، لكنهما في الوقت ذاته تحتفظان بذلك الأمل البعيد الذي لا يخبو والذي يجعلهما قادرتين على اقتناص أدق التفاصيل في المشهد البصري والحسي الخارجي، وإن تدمجاه ببصيرة داخلية متوقدة من خلال تقاطع (ذات/ موضوع) لاستنبات خطاب شعري حداثي يتخذ له من قصيدة النثر أداةً له، خطاب شعريّ هجر كل مستويات الغنائية والرومانسية والتطريب والسنتمنتاليّة العاطفية المتطرفة أو حتى مظاهر الحنين الطفولي النوستالجي التي يتكئ عليها العديد من شعراء الحداثة الشعرية– وبشكل خاص في المنفى– لاستدرار خزينها الطفولي والمكاني والزماني تعويضًا عن غياب التماس مع تراجيديا الحاضر داخل الوطن.
    قصيدة باسم فرات مشروع لبناء قصيدة تبدأ من تراكم الخبرات الحسّية التي تقدمها الحواس: البصر واللمس والسمع وحتى الشمّ وتحريكها ضمن سينوغرافيا مدروسة مؤثثة جيدًا من خلال هروب من الذات (ربما نتذكر هنا مقولة ت. س. إليوت في أن الشعر هروب من الذات وليس تعبيرًا عنها) لتشكيل مشهد شعري قد يبدو للوهلة الأولى ساكنًا أو ميتاً، لكنه في الجوهر يضجّ من الداخل بسلسلة من الدوال المنفلتة والعلامات السيميائية التي تضىء المشهد كامله بغتة من خلال بصيرة إنسانية وامضة قادرة على استشفاف المجهول والمغلق والصامت.
    لقد احتفى باسم فرات في مسيرته الشعرية بأوجه الحياة المختلفة التي عاشها وتركت في روحه ولغته وبصيرته عشرات الندوب والتمزقات، وبشكل خاص تلك التي تتصل بمعاناة الإنسان العراقي في ظروف تفتقد إلى الحرية والاستقرار وموشومة دائمًا بالحروب والعنف والاستبداد، لكنه كما لاحظت في هذه الورقة أؤشر مقدرته الاستثنائية للاحتفاء بالمدن والأماكن التي يمرّ بها وبشكل خاص تلك التي تفضح بربرية الإنسان مثل هيروشيما.
    باسم فرات ليس مجرد رحالة جواب يكتب أدبًا للرحلات والوقائع والأمكنة التي يمرّ بها أو تمرّ به، لكنه يحيل هذه الأماكن إلى بنيات نصية وتعبيرية وحتى سيكولوجية ووجدانية تتماهى إلى حدّ كبير مع خزين التجربة الذاتية والزمكانية التي شكلت وعيه الشعري وتجربته الحياتية والشعرية. فالمدن كما يعترف الشاعر مرارًا تترك وشمًا عميقًا في ذاته:

    "هي مدنٌ
    تعبرنا ونعبرها
    لتتركَ وشمَها فينا
    وشمًا تباركه آلهة الشنتو."

    إنه ربما يبحث داخل هذه المدن عن ذاته الضائعة أو عن الأماكن التي افتقدها منذ طفولته، وعن كل خزين ذاكرته وتجاربه ومعاناته مثلما استدعى نصبٌ لفرسٍ مجنح صورة فرسٍ تراثي آخر هو "البراق"

    "أمام قلعة هيروشيما
    وحيدًا يقف البراق
    دون نبيّ يمتطيه."

    في هذه المدن يتحول الشاعر إلى "بصاص" وليس إلى مجرد سائح عابر، بصّاص يحاول أن يكتشف الأعماق السرية للأماكن والأشياء والمرئيات وأن يغور في التفاصيل ويندمج في البشر الذين يحيطون به على اختلاف أجناسهم ليتحول إلى واحد منهم:

    "ها أنذا.. قدمٌ في ميكون وأخرى في الأمل
    أتأمّلُ قواربَ صيادين
    يدلني صمتهم على مَرَاسٍ نَخَرها الأبد."

    الشاعر هنا يتماهى مع الآخرين، كما يتماهون معه، ويصبح واحدًا منهم من خلال استبطانه للتجربة الزمانية والمكانية والإنسانية:

    "أحتمي بالمطر من البلل
    وبالمناداة من ضجيج الهدوء
    أنصت للقلوب وهي تتغامز:
    انظروا للغريب لقد صار واحدًا منا."

    لكن هذا "الوطن الجديد" لا يمكن له أن يمحو من ذاكرته صورة وطنه الحقيقي، لأنه في الحقيقة ينبش بين صور الحاضر نثار صور الماضي المندرسة التي مزقتها الحروب والوحشية والمنافي:


    "ويجهش بالبكاء
    حين تقبض عليه وحدته متلبسًا بالحنين."

    وغالبًا ما يشكل باسم فرات عالمه سرديًّا أو حكائيًّا من لَبِنات ووقائع وحركات بصرية سينمائية، قد تبدو محايدة، ولكنها من خلال بنية المجاورة تُضىءُ دلاليًّا، كما نجد ذلك في "الساموراي" التي تبدأ من ذروة حضور احتفالية سامقة لتهبط تراجيديًّا إلى قاع النسيان والنفي والغياب:

    "يعتمر خوذته
    يمتشق سيفه
    الذي يكاد ينافسه
    على قوامه
    يتمنطق بالفولاذ."

    لكن هذا الساموراي يتحول من خلال حركة السرد النهائية، وبعد أن ينجز وظائفه الحضورية، والسياحية إلى مجرد إكسسوار زائد يودع في عالم النفي والغياب والصمت:


    "وفي المساء
    عندما تنفضُّ العوائلُ
    الى مهاجعِها
    يُجرّدُ من أبهته
    ويركن
    في زاوية شبه مظلمة
    في متحفٍ ما
    بانتظار
    مهرجانٍ
    جديدْ."

    وتكشف اللوحات الشعرية المتنامية في قصيدة "مدرسة تشاو فوني يات" عن العناية السردية ببناء مشهد شعري متحرك كما هو الحال في الحركة الأولى من هذه القصيدة:

    "بقع الدماء جَفَّت منذ سنين
    ومازال صراخ الضحايا يملأ الحجرات
    وعلى جوانبها القيود الصدئة
    اخضرت الحرية."
    النقيض الدموي الظلامي يخلق نقيضه المضي الحيّ المفضي إلى الحرية، وتولد الحركة الثانية صورة سردية مستلة من الماضي تقف خلفية للصورة الأولى، ربما بشكل تفسيرى:

    "التلاميذ اقتيدوا بعيدًا عن الدرس
    والمعلمون إلى مقبرة جماعية.
    رماد الكتب
    يشير لماضٍ ليس بالبعيد."

    في الحركة الثالثة والأخيرة تغلق الشبكة الدلالية بهدوء على وعيٍ بحجم المأساة الإنسانية الكبرى:

    "الأسرّةُ اليتيمة لا تكفُّ عن البوحِ
    كذلك الحيطان والشبابيك المحجبة
    بينما سبورة الصفِّ
    أسمالُ شبكةٍ منسية."

    وهكذا دونما استدرارٍ عاطفي سنتمنتالي أو مراثٍ تقليدية يضع الشاعر أيقوناته الشعرية الصامتة لتنطق وتفضح وتعرّي.
    باسم فرات في كل ما دوّنَ شعريًّا، وفي سياحته بين المدن والأماكن، والتجارب التي نجح –في واحدٍ من المنافي العراقية القصية– أن يحفر له اسمًا بارزًا في التراجيديا العراقية وفي سِفْرِ الشعرية العراقية الحداثية.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 19, 2018 9:21 am