الانتماء الى جيل القصيدة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    الانتماء الى جيل القصيدة

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء أكتوبر 26, 2010 9:59 pm

    مذ وعيت والشعر بالنسبة لي خلاص فردي، لا يمكن له أن ينتمي للمجموع، أنه هيام في برية الروح وبوادي القلب وسهول الخيال. بل الشاعر هو إنسان مريض، ممسوس، خارج نطاق السيطرة، لديه الحد الأدنى من القدرة التي تمكنه من أن يتشابه مع البشر في عموميات أصبحت بحكم العادة والحاجة مفروغ منها، كالزواج والإنجاب والعمل.
    الشاعر هذا الإنسان البريّ المصاب بطفولة مزمنة وبراءة لا تغادره، تلقائيّ وفطريّ يحب العزلة ويقدس وحدانيته وتفرده، سلوكاً وقراءة وكتابةً، فكيف والحال هذه أن ينخرط مع المجموع، وينادي بالجيل واستحقاقاته، يشتبك بالاجتماعيّ والأحرى به أن يشتبك بالإبداعي، حيث مجاله الوحيد وفضاءه الحقيقي.
    يستطيع الشاعر أن يعيش عزلته وهو في المقهى ومع الأصدقاء، هي عزلة روحية – إبداعية، يمارسها وهو يلتقط ثمار الشعر من أشجار الشوارع والأسواق وحركة الناس، لأنه يهتدي لكل شيء ببصيرته لا بصره. بصيرته استطالت حتى غدت حواسه أغصاناً في شجرتها. بصيرته دليله للجوهر الشعريّ، عصاه التي يشق بها بحر مخيلته للعبور إلى القصيدة – القصيدة، العصى ذاتها مَن يزيح غير الإبداعي بعيداً، جيلاً أو جماعةً أو عشيرة أو قبيلة أو سلطة، لِيَلجَ الشاعر عارياً إلاّ من حقيقته – قصيدته، وهل للشاعر من حقيقة سوى القصيدة؟.
    بعد هذا أليس الجيل مقصلة الشاعر، حين يحكمه عقد من السنوات، بينما الشعر لا تكفيه حيوات متعددة، وحين يتم التركيز على مَن نشرَ أولاً، بل راح البعض من المتشبثين بالتجييل، أن جعلوا نشرهم لبداياتهم المتعثرة في صحف المراهقين، أو صفحات المبتدئين، كدليل على سبقهم، لكنهم أقصوا آخرين نشروا في الصفحات الثقافية بعدهم بعام أو عامين وربما قبلهم. صار مَن نشر مادة واحدة حتى لو لم تكن إبداعية في الأشهر الأخيرة من العام الأخير من العقد، جزءاً من الجيل، بينما صاحب الأثر والمنجز قُزّمَ لدرجة السخرية من ملبسه وطريقة تناوله للطعام، وحملت سلوكيات المضيف للمدينة وتوغلت في مفهوم الجيل، فإن كان جُلاّس المضيف لهم هيبة إجتماعية، صار جُلاّس المقهى الواحدة والحانة الواحدة يندرجون ضمن الجيل، ويُطرد من جنة الجيل الزاهد بحياة المقاهي والحانات والمُنكَبّ على مشروعه يشتغل عليه كما يشتغل صائغ الذهب بمجوهراته.
    وأنا أتابع ما كتب ويكتب عن الأجيال هالني الحس العشائري الذي أصطبغت به الكتابات، حتى غدا من الصعب إيجاد كتابة تنآى عن ذلك الحسّ، فَحُشر في هذه الكتابات زميل الدراسة وصديق المقهى أو الحانة، ولم يكتف البعض بتهميش الأسبقين واللاحقين، بل صنّفَ الجيل الى مركزية تشبه الدكتاتورية يتربع عليها هو وربما بضعة أشخاص آخرين، ويرمى الفتات لسيئي الحظ ممن قُدّر لهم العيش في مناطق تبعد قليلاً أو كثيراً عن المركز، والذين تمت تسميتهم بشعراء الأطراف أو المحافظات، رغم أن أغلب شعراء المركز هم من عوائل نزحت من الأطراف ( الريف خصوصاً )، وفي المقابل نجد المتصدي عادة للحديث عن جيله يدور حول مركزية الأنا، فيطرح نفسه عراباً يتساوى في ذلك مَن يعدّ عمراً هو الأكبر في جيله، أو مَن هو من الفئة الأصغر سناً. عقدة العرّاب تلاحق غالبية مَن نظروا للأجيال بل ونسبة كبيرة من الشعراء، حتى كأننا في سوح الوغى وكلٌّ يشحذ همته رجزاً، غافلين أن الشعر إبداع فردي صوفيّ تخومه ليس الزهد بالكلمات واعتماد الحذف لغةً فقط، بل الزهد بالزائل والعابر والإجتماعي، وكل ما ليس له علاقة بالشعريّ.
    الشاعر كائن وحدانيّ يتوجس المجموع أن يربكوا توحّده. ينهل من تأملاته وتجاربه وقراءاته ويتماهى مع عزلته غير عابئ بالخلود ... غير عابئ بالأفول أيضاً.


    عراقي يقيم في جمهورية لاوس
    Basimfurat8@yahoo.com





      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:55 am