عبد الرزاق الربيعي يحاور باسم فرات: الشاعر كتلة متوهجة من القلق(2-2)

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 484
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عبد الرزاق الربيعي يحاور باسم فرات: الشاعر كتلة متوهجة من القلق(2-2)

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء أكتوبر 26, 2010 10:23 pm

    * تبدو مشغولا ومهموما بتاريخ العراق , ماذا وجدت خلال نبشك في هذا التاريخ؟

    في سنوات الدراسة كنت أجد لذة في دروس التاريخ تكاد تضاهي لذة حصص اللغة العربية , وكنت أستغرب عندما أرى زملائي يتذمرون من درس التاريخ , بينما كنت نادرا ما أفتح كتاب التاريخ المقرر, هذا اذا فتحته ( وهل يجعلك الشعر تلتفت لشئ سواه ) كل ما يشرحه المعلم لنا يختزن في الذاكرة , وكذلك كنت أستمتع جدا بقراءة تاريخ الأدب وحياة الشاعر , وكم من مرة ظننت ان التاريخ أقرب الي من الشعر, فاترك كل شئ وأهرع الى دواوين الشعر , لأطمئن نفسي ولم أكن حينها أجد تفسيرا لهذه الظاهرة وانا الفتى الا بعد سنوات , ألا وهي ان الشعر لا يقبل بالشريك , استمر حب التاريخ معي , وكانت معظم قراءاتي عن تاريخ العراق القديم وعن تاريخ الاسلام والمذاهب الاسلامية وبعض الكتب فيما يخص المسيحية واليهودية وتاريخ العرب , في العراق وفي الاردن لم أشعر بان اخي وشريكي (غير الناطق بالعربية) في الوطن , ينظر الي نظرة سلبية , بل كنت أظن انه على معرفة تامة بما جرى لي , وأول حادث لفت نظري هو في طريقنا الى نيوزلندا , حيث ان الطريق استغرق ما يقارب اليومين , كان معي في الطائرة مجموعة من الصوماليين والايرانيين وتشكيلة متنوعة من العراقيين , ومما لفت نظري ان الصوماليين والايرانيين (عاشوا لسنوات في سوريا ) كانوا يتحدثون معنا ببساطة , فنحن سوف نكون معا ما يقارب الشهر والنصف , بينما العراقي المختلف عني لغويا او دينيا لا يريد ان يكلمني , وزاد من حيرتي حين وصلنا الى مركز اللاجئين , حيث كنا نحن الناطقين بالعربية أقلية , فوقفت على تصرفات وشاهدت سلوكيات هي أقرب للأنتقام والشعور عند الآخر بأني أنا الناطق بالعربية هو عينه صدام، ولم ينفعني بأني من كربلاء وما تعرضت له مدينتي من دمار وقصف وحرق وسلب مثل أغلب مدن العراق , والفرا ت الاوسط والجنوب خاصة , بل وتكاد تكون أكثر , فانا ناطق بالعربية وهذا وحده دليل أدانة , ومن هنا بدأت الأسئلة تطوقني : لماذا يحدث هذا بين أبناء وطن واحد وضحايا نظام واحد؟ , هل استطاع النظام أن يدمر طيبة العراقي وشهامته وانسانيته؟ ,وهل استطاع أن يتغلغل الى نفوسنا ولاوعينا فيزرع أمراضه وخرابه؟ وغيرها من الأسئلة التي ما فتئت تزداد وتتشعب كلما وقفت على سلوك مناف للأنسانية والوطنية عند أبناء وطني في منفاي الجديد, وحين انهيت فترة الاسابيع الستة , انتقلت الى العاصمة , وهناك حدث ما هو أكثر , الا وهو اني انا الناطق بالعربية , محتل للعراق , انا بَدَويّ متخلف أتيت من الصحراء أحمل دين التخلف معي وحطمت حضارة العراق التي كانت قائمة , وبما ان الغالبية العظمى من النيوزلنديين , وهم في أقصى جنوب الكرة الأرضية , لا يعرفون عن العراق شيئا , غير ما تبثه وسائل الاعلام النيوزلندية والتي تأخذ الكثير من موادها من وسائل الاعلام الغربية عموما والامريكية خصوصا ,فهم يصدقون كل ما تقوله لهم وكم سمعت من نيوزلنديين أو من خلفيات متنوعة اتخذت من نيوزلندا وطنا لها لظروف ما , بأن طرحي يختلف عن باقي العراقيين , ثم راحت أفواج اللاجئين التي وصلت قبلنا بعقد أوفي النصف الاول من التسعينات , تبث الكثير من أفكار النظام ولكن بعد تغيير الأسماء , وتلعب ذات الدور الذي لعبه النظام من كذب وتزوير وقلب الحقائق رأساً على عقب , فالعنصرية الشوفينية والطائفية المقيتة والتديّن بشكل يسئ للدين الذي هو علاقة روحية خاصة بين الأنسان وربه تمنحه شعورا بالطمأنينة والسكينة والتوازن , ما هي الا افرازات وأمراض المنفى ونتيجة طبيعية لحكومات متخلفة أنانية ظالمة لا هم لها سوى التشبث بكرسي الحكم وليذهب الوطن وأهله الى الجحيم , ومعارضة هي وجه آخر للحكومات (جميع أحزاب المعارضة في العالم هي وجه آخر لحكوماتها, هذه بديهية) بكل ما في الكلمة من معنى ومرارة , فمشروع الأمبراطورية العربية الكبرى (من المحيط الهادر الى الخليج الثائر رايات عبد الناصر , وحين سرق صدام الحكم من اللص الذي سبقه تغير المقطع الأخير الى : رايات آل الناصر) الفنطازي قابلته مشاريع امبراطورية فنطازية , لا تقل عنصرية ونازية وإلغائية وإقصائية للآخر عن حَمَلَةِ مشروع الوحدة العربية الأندماجية الفورية الذي سوف يتحقق على ارض المريخ , من قبل الفئات اللغوية الأخرى الأقل عددا التي تعيش بين ظهرانينا ,ومن هنا بدأ اهتمامي بتاريخ العراق يزداد , وبحثي عن تفاسير شافية ومقنعة للظواهر التي أعايشها , وكان أول باب يفتح أمامي لأجد نفسي أمام حقول ألغام لاحصر لها , وأخطر هذه الألغام هي ان جميع التنظيمات العراقية بمنتسبيها وتابعيها ومؤيديها لا هم لها سوى التسابق على تبرئة صدام ونظامه واتخاذه قدوة لهم بل ومحاولاتهم الدؤوبة لتخطيه عنجهية وعجرفة وكذبا وطغيانا وبغيا ,فالضحايا تقلّدُ جلاديها دائما لأن العقلية واحدة , عقلية مبنية على التغالب أي كل ما أحصل عليه بالقوة منك فهو ملكي وكل ما تحصل عليه بالقوة أو بغيرها مني فهو ملكي أيضا ومبدأ اذا لم توافقني على كل ما أقوله وأدعيه فأنت عدوي عنصريّ (إذا كنت تختلف معي باللغة) طائفيّ ( إذا كنت تختلف معي في الدين أو المذهب ) , أليس التربع على صدارة التنظيم حتى الممات ومن ثم يؤول الأمر الى الأبن أو الأخ هو ذات ما تفعله الأنظمة التي يدعي هؤلاء القادة العظام يحاربونها من أجل الديموقراطية والحرية وحقوق الأنسان , كأني بأبي الفقراء وامام الموالي يقول: الديمقراطية والحرية وحقوق الأنسان مضغة بحلوقهم.فليس القرآن وحده حمال أوجه , فبفضل طغاتنا عفوا قادتنا كل الأشياء حمالة أوجه ,العدد الوافر من رجال الحراسات الخاصة , شراء الذمم , الدفع حسب أهمية الشخص وتكريمه , فاذا كان رئيس جهاز قمعيّ وجلاد من النوع القذر جدا , في زمن النظام , فهو يليق بأن يكون مستشارا أمنيا لرئيس الجمهورية ,أليس هذا تلميع لصورة صدام ,تغيير أسماء الكثير من المدن والأقضية والنواحي والقرى ,دون حساب للأهمية التاريخية لهذه الأسماء , وهو ما كنا جميعا نؤاخذ نظام صدام حسين عليه واذا بمعارضيه يفعلون ذات الشئ ,بل وأسوأ عندما يتم لأسباب عنصرية احتلالية بحتة تغيير اسم محافظة مهمة من محافظات العراق عمرها يمتد لأكثر من أربعة آلاف عام وهي معروفة بهذا الأسم , الى اسم آخر يوحي بان القاطنين الجدد (اصبحوا أكثرية في القرن العشرين فقط ) يعيشون على أرضهم التاريخية , معظم التنظيمات التي كانت معارضة لنظام البعث , تقلده بعدم احترام وتقديس حدود البلد , فالنظام المنهار كان يربي النشئ على ان حدود البلدان العربية مصطنعة , فخلق في لا وعي الأنسان العراقي عدم احترام حدود وطنه ,وما زاد الأمور تعقيدا هو تركز غالبية الحكم بيد مجموعة معينة من الناس تنتمي الى منطقة واحدة ومذهب واحد , ولا تمتلك البصيرة السياسية الثاقبة والدهاء بما يجعلها قادرة على التحكم بأطياف المجتمع , فخلقت هوة عميقة في الذات العراقية ,من الصعب ردمها , وما اتهام كل من وقف ضد الحرب بأنه مناصر للطاغية , ألا نتيجة طبيعية لضبابية الرؤية التي خلفتها عقود السيطرة الغير شرعية لهذه المجموعة ,وذات الشئ تجده عند الذين أصبحوا في السلطة اليوم , فمنذ سنين وهم يرددون بوقاحة تفوق وقاحة جميع من حكم العراق , بل وتتقزم أمامها أكاذيب النازية وتوأمها الصهيونية من ان العراق وطن ابتدعه الأنجليز , ولم تنفع جميع بحوث وأدلة كبار الباحثين في تاريخ العراق من ان هذا البلد يشكل معظم العراق التاريخي , ففي بحثه القيم " مشكلة الموصل"(أتمنى حقاً أن يعاد طبع هذا الكتاب مع كتاب العراق لحنا بطاطو بأعداد كبيرة وبسعر زهيد ليتسنى لكل عراقي أن يتعرف على تاريخ بلده المعاصر بدون دجل الأحزاب ) وهو دراسة دكتوراه من جامعة أنديانا الأميركية عام 1952 يثبت الدكتور فاضل حسين أن واحداً من الأسباب الرئيسية التي أستندت عليها لجنة عصبة الأمم بعائدية ولاية الموصل الى الوطن العراقي هو أن أهل الولاية كانوا يحاربون بجانب الأمام علي بن ابو طالب إمام العراق في حربه ضد معاوية بن ابو سفيان حاكم الشام , كما وان والي بغداد في العهد العثماني , كان حاكما فعليا لولايتي البصرة والموصل , أضف الى ذلك ان معظم أجزاء ولاية الموصل وما جاورها شمالا وجنوبا وغربا كانت ذات غالبية سامية (سريانية وعربية ) حتى سقوط بغداد بيد المغول ,وان هذه الغالبية لم تتحول الى أقلية في مناطقها التاريخية الا بعد أحداث جسام مرت بها المنطقة كغزوات الأقوام الوسط –آسوية ثم حملة التشيع الأجباري التي نفذها الصفوييون بحق الأقوام الخاضعة لحكمهم مما جعل الكثير من القبائل الكردية تنجو بمذهبها الى الجانب السُنّي , أي الأراضي الخاضعة لحكم العثمانيين , فطبيعة التشيع وهو في الغالب سهليّ وعلى ضفاف الأنهار لا يجد صدى في نفوس الجبليين والصحراويين الرعاة , وما حدث في مصر من تحول الى الجانب الآخر هو لأجتماع ثلاثة عوامل معا , فساد الفاطميين في اواخر حكمهم وقسوة ودهاء من خلفهم في الحكم ورفع راية الجهاد بوجه المحتل الأوربي وزج الناس فيها . ولا يفوتني ان أذكر ان واحدا من أهم مراجع الشيعة وقف في مطلع القرن العشرين ببغداد صارخا " أهذه عاصمة البلاد " وذلك قبل سنين طوال من دخول الأنجليز الى العراق , فكيف أصبح العراق وطن ابتدعه الأنجليز بعد الألحاق القسري كما يدعون لولايتي البصرة والموصل بولاية بغداد , هؤلاء هم نتاج طبيعي لحكومات لا تحترم البلد الذي تحكمه ولا تعير أهمية لخصوصيته , ولم تحاول ولو محاولة بسيطة ولكن جادة ان ترد على معارضيها وتسفه أكاذيبهم في هذا المجال , نعم لأن أي محاولة علمية سوف تصطدم بحقيقة ان العراقيين ليسوا جميعا عربا أقحاحا ففيهم من استعرب كملايين السريان بعد أن أسلموا وهم سكان العراق الأصليين وخصوصا من بغداد وحتى منابع دجلة والفرات , وهذا يعني ان المناطق التي جاء منها الكثير من سياسيين وعسكريين حكموا لأكثر من نصف قرن وهم يتبجحون بالعروبة ونقاوة دمهم وهم في الأصل ليسوا عربا أقحاحا , وهذا ما سوف يفسد صدق قضيتهم وهل عندهم قضية سوى التشبث بالحكم , أضف الى ذلك ان أي قارئ جيد ليس صعبا أن يلمس حقيقة ان المجتمع المتنوع ثقافيا الذي تنادي به بلدان اللجوء قد عاشه ويعيشه العراق منذ آلاف السنين , فطه باقر وهو حجة ما بعدها حجة بتاريخ العراق القديم يؤكد ان العراق وطن متعدد الثقافات والأعراق والديانات منذ فجر التاريخ ,وهو حاضنة للحالمين والفاتحين وطالبي العلم او طالبي الرزق فيطيب لهم المقام فيقيمو أو التقرب لله بمجاورة أوليائه من يصدق مثلا ان مناطق سريانية مثل القوش وكرمليس فيها عوائل أرمنية تسرينت ( أي أصبحت سريانية ) نتيجة وجودها الذي يمتد لأجيال وأجيال في هاتين المدينتين ,وان كركوك بالرغم من ان التركمان يشكلون غالبية فيها منذ قرون بعد إزاحتهم للسريان بشكل تدريجيّ , فانها ظلت مثالا يحتذى للتعايش ولم تبدأ مأساتها و ماساة اخواننا التركمان الا بعد أن جاءت شركات النفط فوظفت الجميع من خارج كركوك ومن غير التركمان , هذا , ولكن ماذا نقول لأصحاب المشاريع القومية " العنصرية " بجميع فئاتهم اللغوية , لا تستغرب اذا قلت لك اني لا أخشى الأحزاب الدينية في العراق قدر خشيتي من الأحزاب القومية , لأن الأنتخابات كفيلة بتعريتهم واعطائهم حجمهم الحقيقي , ولأن الدين وطقوسه لا يمكن أن يفرضهما أتباع هذا الحزب أو ذاك حسب اجتهادتهم والتي كثيرا ما تكون خاطئة , مما ينفر الناس منهم ,ثم ان الحياة تتقدم شاء "الورائيون " أم أبوا, أما الأحزاب القومية فهي تضرب على وتر حساس تجعل من أتباعها كالمخدرين يصدقون كل ما تقوله لهم أحزابهم , وأصبحت مقولة " اذا قال صدام قال العراق " يطبقها كل حزب على نفسه ورئيسه وما على الأتباع والمؤيدين سوى ترديد ما يقوله الزعيم المخضرم والقيادة التاريخية , حتى لو كانت هذه الأقوال في جوهرها عدائية صارخة أو تمس السيادة الوطنية أو فيها من الأستخفاف بالآخر وتهميشه ما يتفوق على أستخفاف وتهميش صدام حسين لنا جميعا كعراقيين وما مشكلة كركوك والأبقاء على المليشيات , وطرح الفيدرالية الهشة ,وتهميش الفئات العراقية القليلة العدد بل واجبارها ان تكون تحت مظلة الكبارالا أدلة على ما أقول ,ان ما حدث ويحدث تتحمل الحكومات العراقية وخاصة نظام البعث- صدام مسؤولية كبرى فيه ,وباقي الأحزاب وطبقة المثقفين مسؤولية صغرى , ولكن هذا يرفع عنهم التميز , اي لا وجود لزعيم سياسي عراقي وطبقة مثقفة طليعية رائدة , هنالك بعض الأصوات المغردة خارج السرب ولكنها لم تشكل ظاهرة.
    ان من يطلق شعارات غوغائية غير مسؤولة وهو في مركز القرار , عليه ان يعي ان الآخر المختلف لغويا أو دينيا او مذهبيا , لَذو قدرة عجيبة على الأستنساخ والتقليد لشعاراته الغوغائية وأحيانا عندما يطول الظلم فان الأستنساخ سوف يكون أكثر تطرفاً وأبعد ما يكون عن الحقيقة , ولكن ساعتها من الصعب أقناع الضحية ان مشروعها صورة أكثر قساوة وظلما والغائية للأخر من مشاريع جلادها , فاللاوعي قد تخرب تماما أمام طرقات معاول سنين الظلم , وأي محاولة للوقوف أمام الضحية لتخليصها من لبس مسوح الطغاة , ستواجه بقاموس جاهزيحفظه العنصريون بلباس الثوريين واليساريين والمناضلين مثلما يحفظه الظلاميون بلباس المظلومية والمُغيّبة .
    ان من ينزل صور طاغية ويعلق صوره مكانها ويسمح لأتباعه ومؤيديه ان يرفعو صوره ويرددو شعارات هي ذاتها كانت تردد في زمن سلفه المخلوع أو المقبورمع حذف إسم الأخير ووضع اسمه مكانه ,ويفعل ذات الشئ في انتخابات الحزب حيث المرشح رئيس الحزب منذ قرون لا أحد ينافسه , والنسبة لم تتغير 99.99% وخليفته شقيقه أو ولده البكر,هو ليس أسوأ من سلفه , بل هو يمنحه من دون أن يعي صك غفران وبراءة .
    بل هو أعطى الدليل على ان العقلية واحدة وما حدث هو تغيير وجوه , وكلنا يعرف ان البعض ممن أصبح في السلطة الآن كان يلهث كالكلب أمام فتات موائد السفاح المخلوع , وما زالت الذاكرة تستعيد بنشاط صورهم من خلال الشاشة الصغيرة ( التلفاز) وهم يقبلون كف أو كتف الطاغية , وإن ننسى هل ننسى قول السابق للاحق : "ان كل الذين سبقوك كانوا أقل طمعا منك" فما كان منه إلا أن يثبت لسيده انه لجدير بالأموال التي أخذها , فقدم هدية للطاغية هي عبارة عن مجزرة قتل فيها عشرات المثقفين العراقيين , ولم ينس هذا الطماع أن يثبت للمتطرفين الفاشست في تنظيمه وهم الغالبية العظمى أنه لَذو مقدرة كبرى على إرضائهم في نفس الوقت فراح ينفث سمومه العنصرية الحاقدة على الغالبية العظمى من العراقيين.
    أليس في ذلك تبرئة لصدام وهو أقذر مجرم وطاغية واتخاذه قدوة لهم ,فباستثناء الحزب الشيوعي العراقي ( وهو صاحب سجل لا يتناسب مع تضحياته بحق الأمة العراقية وقدسية وحدة التراب العراقي ) لم تحدث انتخابات حقيقية وتتبدل وجوه رؤساء الحزب كل فترة زمنية ما , ولكن الأنشقاقات كثيرة والسبب حب التسلط عند الجميع وليس ثورة على دكتاتورية القيادة كما يدعون , لست متشائما ولكن هذه هي الحقيقة القاسية والمرة , العقلية واحدة وطريقة التفكير واحدة والفطرة واحدة , فنحن مفطورون على التسلط واستغلال الآخر وحب الظهور بمظهر العبقري والزعيم الأوحد والعالم بكل شئ ,وتقليد مفهومنا عن الذات الألهية , حتى الله بدل أن يكون الرمز المطلق للخير والرحمة والعدل جعلناه دكتاتورا , ورحنا نكتب له تقاريرالوشاية والنفاق الحزبية ضد كل من نختلف معه ليس في العقائد فقط بل وفي الكثير من الأمور الدنيوية التافهة .

    * هل انعكس هذا الوعي على نصك ؟

    أعتقد ذلك , ولكني لم أثقل قصيدتي بالتاريخ والأسطورة , فقصيدة عواء ابن آوى , مبنية على التاريخ أساسا , المتعدد القراءات , واقعة الطف , مقتل أبي , مقتل الجد الأعلى للأسرة على يد العثمانيين وقطع رأسه وارساله للأستانة , وأيضا سجن الأمام موسى الكاظم في سجن السندي الذي دُسّ له السمّ فيه ,وقصيدة هنا حماقات هناك .. هناك تبختر هنا , ففيها أستخدام ليس للتاريخ وحده بل تعشيق للأساطير العراقية والماورية ( سكان نيوزلندا الأقدم ) وكذلك الكثير من القصائد الأخرى , فقراءات الشاعر تنعكس على نتاجه مهما حاول التخلص أو إخفاء ذلك , فمن يكثر من القراءات حول السينما والفن التشكيلي لابد أن تجد في قصائده استفادة من تقنية السينما والتشكيل ومن يكثر من قراءة الروايات والمسرحيات والقصص , فأن تقنيات السرد والدراما بصماتها واضحة في نصوصه ,وبما أنني أعمل في مجال التصوير الفوتوغرافي منذ عام 1983 , فقد أشار أكثر من واحد ممن تناولو شعري الى تأثير ذلك , مثلما أشارو الى تأثير كربلاء والتاريخ الأسلامي الشيعي وهو التاريخ المقصيّ والمُعارض للأستبداد في الأسلام على شِعري بدون الوقوع في فخاخ الطائفية .

    * ماذا أعطاك المنفى وماذا أخذ منك ؟

    أشياء كثيرة , فالأختلاط بشعوب وثقافات مختلفة يوسع مدارك الخيال , بل هو تخصيب للمخيلة , أضف الى ذلك البديهية التي رددها الكثير من الأدباء العراقيين , ألا وهي معرفة الوطن الأم بشكل جيد , وأهمها , ان العراق لا يتكون من العرب والأكراد كما كان النظام يشيع , ومراكز القوى الجديدة الآن , ضاربين بعرض الحائط حقيقة وجود فئات لغوية أخرى لها ثقلها وتاريخها في الوطن , بل ان بعض هذه الفئات هي أقدم من العرب والأكراد بقرون طويلة قد تتجاوز العدة آلاف من السنوات , واذا تم تجاهلها بغير وجه حق من قبل النظام , لماذا يكرر الخطأ ذاته من أصبح النفوذ لهم الآن , والعرب أنفسهم تواجدهم في العراق ليس مع ظهور الأسلام كما هو شائع خطأ , بل يمتد الى ما يقارب الثلاثة آلاف سنة , بل وان كل ما هو غرب نهر الفرات هو جزء من شبه الجزيرة العربية , أي أكثر من نصف مساحة العراق , والمنفى عزّز ما كنا نؤمن به في الوطن من ان التنوع دليل عافية وقوة لنا , وإغناء لمخيلتنا , وقد انعكس كل ذلك على شعري , فأصبح تاريخ العراق المتنوع وأساطيره تجد طريقها بيسر في قصائدي , جنبا الى جنب المؤثرات النيوزلندية , بل وأحيانا في حالة مزاوجة , وهو مشروع آمل ان أشتغل عليه بكثرة في المستقبل , والآن انا في هيروشيما , فلا تستغرب اذا قرأت لي قصائد في المستقبل , فيها مؤثرات يابانية أيضا. أما ماذا أخذ مني , فأشياء كثيرة , لا يمكن حصرها هنا , يكفي اني وبعد ثمانية أعوام في نيوزلندا , وتنقلي بجواز سفر نيوزلندي , لم أستطع ان أشعر ان هذا البلد الجميل حقا , ممكن ان يكون بلدي الى الأبد , وأن أقدم نفسي على أساس اني نيوزلندي , يكفي اني طرحت نفسي في المحافل الأدبية النيوزلندية , كشاعر عراقي منفي يعيش في العاصمة ويلنغتن , وأعتقد ان سببين يكمنان وراء ذلك , أولاً هو الحب والولاء والأخلاص للعراق , لأن دماءنا وروحنا وجذورنا عراقية , وثانياً هي تلك التجربة المريرة لي في العمل في نيوزلندا , حيث عملت مع شركة متخصصة في مجال التصوير الفوتوغرافي وبيع الكاميرات , لعام ونصف بدون مقابل ولأكثر من خمسة أعوام براتب , ولأكتشف ولكن في فترة متأخرة ان هذه الشركة , مارست معي أقذر أنواع العنصرية والأستغلال , المنفى قاتل محترف يتلذذ بتعذيب ضحاياه ويشرب دماءهم أحياء .


    * الشاعر العراقي باسم فرات يعيش في هيروشيما - في منفاه الياباني

    البريد الالكتروني للشاعر :basimfurat8@yahoo.com
    البريد الالكتروني للمحاور : razaq61@yahoo.com


      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد فبراير 25, 2018 3:02 am