باسم فرات: الهجرة لم تمسخ ذاتي

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 484
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    باسم فرات: الهجرة لم تمسخ ذاتي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أكتوبر 27, 2010 7:52 am

    أعد الاستفتاء لجريدة الصباح الجديد: عدنان حسين أحمد / أمستردام

    لم يشهد الوسط الثقافي العراقي على مر السنين هجرات جماعية، ونفياً قسرياً للأدباء والفنانين والمفكرين، كما حدث للمثقفين العراقيين خلال حقبة الحكم الدكتاتوري البائد الذي جثم على صدور العراقيين طوال خمس وثلاثين عاماً، مسَّ فيها الضر كل العراقيين الذين لم ينسجموا مع سلطة البعث القمعية، ولم يتماهوا مع نظامها الفاشستي، والذي حاول بالترغيب والترهيب أن يروّض الذاكرة الجمعية للناس ويدمجها في مشروعه القمعي القائم على مُصادرة " المُعارِض "، وتهميش " المُختلِف " وإقصاء " الكائن غير المُدَجّن " والعصي على الذوبان والانصهار في الفكر الاستعلائي " الشوفيني " الذي كان يراهن على خلخلة الثوابت الأخلاقية، والإجهاز عليها، ومحوها من الوجود، ليؤسس لتقاليد فارغة اسماها" قومية " تارةً و" ايمانيّة " تارة اخرى ، الأمر الذي أفضى إلى شيوع ظواهر قمعية متعددة في آنٍ معاً، منها النفي، والاقتلاع القسري، والتهجير العرقي وما إلى ذلك. ولم تقتصر الهجرة أو اللجوء على المثقفين العراقيين حسب، وإنما امتدت لتشمل قرابة أربعة ملايين مواطن عراقي لم يستطيعوا " التكيّف " مع أطروحات النظام الشمولي الذي سرق الوطن في رابعة النهار، وزجّ العراق في سلسلة من الحروب العبثية، وأثث الفواصل الزمنية بين حرب وأخرى، بالمقابر الجماعية، والاغتيالات، والتصفيات الجسدية، فلم يكن أمام المثقفين العراقيين سوى الهجرة واللجوء إلى المنافي الأوروبية والأمريكية والكندية والأسترالية. إن نظرة عجلى إلى ضحايا الأنظمة النازية والفاشية والشمولية تكشف لنا عدداً قليلاً من الكتاب والأدباء المنفيين الذين اضطروا لمغادرة أوطانهم أمثال برتولد بريشت، وتوماس مان، وهاينرش مان، وأينشتاين، وأنا سيغرز الذين فروا من نازية هتلر، ورافائييل ألبرتي، وبابلو بيكاسو، وفرناندو أربال الذين هربوا من فاشية فرانكو، وسولجنستين، ونابكوف الذين تملصوا من النظام الشيوعي الشمولي، وهناك أسماء أُخر لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة غادروا أوطانهم بسبب القمع والمصادرة الفكرية أمثال الصيني غاو سينغ جيان، والتشيكي ميلان كونديرا وسواهما. أما المثقفون العراقيون من قصاصين وروائيين وشعراء وفنانين ومفكرين وإعلاميين فقد بلغ عددهم بضعة آلاف غادروا العراق مضطرين إلى المنافي البعيدة تحت مسميات عديدة من بينها، لاجئٌ، و مُهاجِرٌ، ومهجَّرٌ،، ومُغتربٌ، ومنفيٌّ، وهاربٌ. وللوقوف عند هذه الظاهرة ارتأت " الصباح الجديد " أن تقوم باستفتاء عدد من الكتاب والأدباء العراقيين الذين يعيشون في مختلف المنافي العالمية لاستجلاء أبعاد تجاربهم الأدبية، وما تمخض عن التلاقح بين الثقافة العراقية والثقافات الأخر الآوية للمثقفين العراقيين.

    1- أتصنِّف نفسك أديباً مُهاجِراً، أم مُهجَّراً، أم مُغترباً، أم منفيّاً، أم لاجئاً، وهل أن ما تُنجزهُ من نصوص إبداعية، مُستوحىً من الوطن أو" عش الطفولة، ومستودع الذكريات " بحسب غاستون باشلار، أم ناتج عن المخيّال الإبداعي للمكان الجديد بوصفة مَهجراً، أو مُغترَباً، أو منفىً لا يعتمد على صياغة المفهوم القائل " هذه بضاعتكم رُدّت إليكم "؟ وكيف تتعاطى مع مخزون ذاكرتك الفردية الماضوية " القبْلية " المُهدَدة بالتلاشي والانطمار نتيجة لتراكم الذاكرة البعْدية التي تتأسس في المنافي أو المُغترّبات الجديدة؟

    حسب وثائق المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ، أنا لاجئ ، وهذه صفة ستظل تلاحقني حتى العودة للعراق ، وللحق أقول إنها صفة مؤلمة ، لا يمكن لأي وثيقة ان تعلن موت هذه الصفة ، جنسيةً كانت ، أو جوازاً ، علما انني معروف في الوسط الأدبي النيوزلندي ، كشاعر عراقي منفي يعيش في ويلنغتن ( العاصمة النيوزلندية ) ، وفي قصيدتي " برتبة منكسر " تتكرر مفردة " لاجئ " حتى ان جميع الجمل الشعرية تدور حول هذه المفردة ، فهي المركز في النص ، بل ذات مركزية شديدة ، أما مفردة " منفى " أو ما يتماهى معها ، فلها حضورها في الكثير من قصائدي ، فالمنفى حالة قسرية ، وليست إختيارية ، حتى أُولئك الذين يطلقون على منفاهم "المنفى الأختياري " ، فلو لم يكن في دواخلهم الشعور بالنفي لما انفصلوا مكانيا عن وطنهم . والعراق لم يعرف النفي المتعارف عليه ، أي ان تقوم الحكومة ممثلة بالقضاء ، باصدار عقوبة النفي ، لمدة زمنية محددة ، على الأقل في الثلاثين سنة الأخيرة ، لأن الحكومة التي " تقنن النفي" وان كانت تخالف حقا طبيعيا للأنسان في ان يعبر عما يشاء ، على شرط عدم استخدام العنف فانها ( اي الحكومة ) تبقى تحمل نَفَساً وطنياً وحضارياً ، وان كان في حده الأدنى ، أما شذاذ الآفاق الذين إنتهزوا فرصة وجود النخب الثقافية والسياسية العراقية في أبراجهم البابلية ، يحتسون نبيذ نرجسيتهم المفرطة ، ومثاليتهم الساذجة ، لينقضوا على كراسي الحكم ، بعقلية تمجد التسلط ، ولا تكتفي بكاتم الصوت ، وسيلة لأسكات معارضيها ، بل وجدت ان المقابر الجماعية وثرامات اللحم ، والحروب وتدمير البيئة وجعل حقول الألغام مكاناً لتبيض سجونها ، وسائل ناجعة كما صور لها خيالها المريض ، للتحكم بمقدرات الأمة ، أقول ان شذاذ الآفاق هؤلاء ، لا يمكن لهم ان يجدوا في قاموسهم ، مفردة " نفي " مما أضطرالكثير من الناس ان يتخذوا من الانفصال المكاني وسيلة ناجعة ووحيدة حسب رؤيتهم ، للنجاة بانسانيتهم ، أو بحثاً عن مأوى آمن لأسئلتهم القلقة ، وهذا الاضطرار هو الذي ، يبيح لنا القول من ان المفردات الواردة في السطر الأول من السؤال أعلاه ( مهاجراً ، مهجراً ، مغترباً ، منفياً ، لاجئاً ) تتمازج في ما بينها الى درجة يصعب الفصل بينها ، لهذا أستطيع القول بأني ، لاجئ ، منفي ، مهجّر، مغترب ، مهاجررغم أنفي ، وما أكتبه لا يمكن أن يكون بأي حال خالٍ من تأثيرات الستة والعشرين عاماً التي عشتها في العراق من لحظة ولادتي وحتى لحظة خروجي ، مضافاً إليها إيماني المطلق بأني أنتمي لعائلة وجدت في العراق منذ الأزل ، مما جعل نصوصي تتلاقح في حنينها للوطن ومنجم الذكريات بشقيها السالب والموجب ، مع مخيال إبداعي للمكان الجديد ، بطريقة حاولت ان أتفرد فيها عن الآخرين ، وأستطيع القول بكل تواضع اني نجحت وبشهادة الكثيرين ممن كتبوا عن تجربتي المتواضعة ، بل حاولت ان أربط ربطاً شعرياً بين المكان الأول بكل تاريخه واساطيره وعذاباته وتراثه ، وبين المكان الجديد الذي عشتُ فيه دون إرادتي ، وأساطيره وثقافته وعنصريته التي تطفح للسطح أحياناً ، والتي تدمي قلوبنا قبل عيوننا ، ولا يستطيع أحد من أبناء المكان الجديد ، ان يتلمس جمرة المعاناة ، مهما كان قريباً منا ، وهذا ما يجعل النصوص ، ذات خصوصية تنجيها من " هذه بضاعتكم ردت إليكم " .
    عندما يتملكك حب الوطن حتى يحولك الى راهب في ملكوته ، فانك حتماً تفعل اي شئ يجعلك تقي قامة ذاكرتك " القبلية " من التلاشي والانطمار أمام الذاكرة "البعدية " ، وأفضل تعاطي مع هكذا وضع ، هو خلق حالة من التصالح بين الذاكرتين " القبلية " و " البعدية " شعرياً ، لأنتاج قصيدة ذات منحى خاص ، الرابح الأوحد فيها هو الأبداع .

    2- كونك لاجئاً أو منفياً أو مُقتلعاً من الجذور، كيف تقيّم علاقتك بالوطن أو المعادل الموضوعي للمكان القديم، هل هي " علاقة ثأرية قائمة على التشفّي، وتصفية الحسابات " كما يذهب الدكتور سليمان الأزرعي، أم هي علاقة تفاعلية قادرة على تحويل التجارب السابقة واللاحقة إلى وعي حاد يتخلل تضاعيف النص الإبداعي المكتوب في الأمكنة الجديدة؟

    بما إنني أومن ان اللجوء والنفي والأقتلاع من الجذور ، مسميات لحقيقة مرعبة واحدة ، هي ان بينك وبين المكان الأول – الوطن موانع تعيق حركتك الانسيابية من والى ، لفترة زمنية كافية لأجبارك ان تؤسس لك ذاكرة أخرى ، ووضعاً إجتماعياً جديداً ،لذا تكون العلاقة ، ذات ثلاثة أوجه ، أولاً : الحنين المرضي للوطن ، بحيث تصبح الحياة الجديدة مظلمة تماماً ، والحياة "القديمة " نقية بل معصومة من المنغصات والآلام والاحباطات ، وهنا يجتر الأديب منجزه ، الى درجة عندما نقرأ إسمه في صحيفة او مجلة أو موقع ، نعرف مسبقاً ما يحويه نصه ، أو ما يريد قوله ، وثانياً : الانكار التام للماضي ، وللجذور ، ومحاولة الانغماس بالثقافة الجديدة ، الى درجة التماهي ، كما يتخيلون ، وهنا تكون علاقتهم ثأرية قائمة على التشفي وتصفية الحسابات ، كما يقول الدكتور سليمان الأزرعي ، وهؤلاء لا تجد في كتاباتهم ما يدل على شخصية متزنة ، بل شخصية هزيلة ، قلقة ، وهنا لا أعني القلق الابداعي ، بل هو الأستنساخ للآخر المنبهر به ، وهي ما ينطبق عليها القول :" هذه بضاعتهم رُدّت إليهم " التي أشرتَ لها في متن سؤالك الأول ، اما إذا كتبوا وهذا ما يحصل نادراً في شأن يخص الوطن الأم على إعتبار ان المكان الجديد ، بديهياً أصبح وطنهم الأبدي ، فتكون الكتابة هجائية ، سوداوية ، متشفية ، لأعطاء الدليل لأنفسهم أولاً وقبل كل شئ ان لا فائدة ترتجى من عش الطفولة ، إبداعية أو حياتية ، وثالثاً : الموازنة بين الماضي والراهن ، بين الحنين للوطن والتفاعل مع المكان الجديد ، مزج الذاكرة القديمة مع الذاكرة الجديدة ، التجارب السابقة واللاحقة في بوتقة الوعي الحاد ، مما يخلق نصاً إبداعياً ، يقف أمامه القارئ " المحترف " وهو بالمناسبة مبدع كبير ، مندهشاً ، متمنياً أن يكون هو كاتب هذا النص ، غابطاً كاتبه ، وهذا القارئ هو ما يهمني ، هنا نكون أمام إبداع يثري الثقافة ، لا عالة عليها ، وهو ما نجده عند المبدعين الحقيقيين ، الذين إنغمسوا بعالم الأدب ، لدرجة التماهي ، ولم ينظروا له على أساسٍ إجتماعي أو سياسي أو إقتصادي .

    3- هل تعتقد أن اللاجئين والمهجرين والمغتربين في أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا قادرون على التماهي، ثقافياً، في المجتمعات الجديدة الآوية لهم، أو التكامل معهم من دون أن يتعرضوا إلى مسخ مدروس أو تشويه متعمد أو تذويب قسري أم أن المرء ينقلب إلى غيره، أو " يزدوج ويفقد وحدته النفسية" كما يعتقد المفكر عبد الله العروي؟ كيف تقيّم تجربتك الخاصة في هذا الصدد؟

    سوف تكون إجابتنا ، قريبة في بعض الوجوه ، لأجوبة السؤال الثاني ، جميع الذين يعيشون في أوربا وأمريكا وكندا وأستراليا ، تعرضوا الى صدمة ثقافية ( ولا أقول حضارية ) وهي نتيجة طبيعية جداً لكل فرد ، ينتقل من بلد الى آخر ، مختلف عنه لغة أو نظاماً سياسياً أو إقتصادياً ، إلا من كان على سفرٍ دائمٍ ، وارجو ان لا تأخذ البعض منا العزة بالأثم ، فيكابر ويدعي انه لم يتعرض الى هذه الصدمة ، لقد تعرضنا لها جميعاً ، مثلما يتعرض النيوزلندي والكندي والأمريكي لها عندما يأتون الى اليابان ،للعمل على سبيل المثال ، فكيف يكون حال من لفعته الحروب والحصار( طوال فترة حكم البعث كنا نعاني من الحصار الثقافي ) ونظام سياسي قائم على تأليه الحاكم ، الى بلدان مباح فيها كل شئ ، الا تكفير الآخرين ، وتكميم الأفواه والعقول ، فهما محظورتان تماماً ، وهذه الحرية الفضفاضة جعلت الكثيرين ، يفقدون توازنهم في البدء ، فأما ان يتقوقعوا على ذواتهم ، وكأنهم يعيشون في جزيرة منعزلة ، أو العكس تماماً ، لذا فالموازنة ضرورية ، لكن ما يتحكم في هذه الموازنة هو الجالية ، وعدد الأدباء الذين يعيشون في نفس المدينة أو الولاية ، فكلما كثرعدد الأدباء ، قل إحتكاكهم بادباء المكان الجديد ، وبذلك قلت مشاركاتهم في الأماسي الأدبية والنشاطات الثقافية ، وعائق الترجمة يلعب دوراً مهماً فكيف بامكانك إن تكون فاعلاً في المشهد الثقافي وانت بلا نصوص أدبية مترجمة الى اللغة التي تعيش في كنفها ، وعندما بدأت قصائدي تجد طريقها مترجمة الى الأنجليزية ، بدأ حضوري ثقافياً ، أولاً مشاركة في الأماسي الشعرية ، وثانياً نشراً في المجلات الأدبية والأنطلوجيات النيوزلندية ،وثالثاً الكتابة عني في الصحف والمجلات واللقاءات الأذاعية ، فتماهيت ثقافياً دون ان أتعرض الى مسخ أو تشويه أو تذويب قسري ، بل ان إعتزازي بعراقيتي وبالثقافة العربية ، أكسبني إحترام الجميع ، أدباء وسياسيين ، فكتبت الدراسات والمقالات حول شعري ، فمنهم من أعتبره إضافة وإغناء للشعر النيوزلندي ، بينما ذهب البعض الا أن هذا الشعر متنوع الخصائص ومدهش ، وكأثر أدبي هام وجدير بالأعتبار، وبحق وثيقة مهمة لدارسي التاريخ وبالذات دارسي الهولوكست والنازية ، وذهب آخر الى ان شعر كاتب السطورأعطانا الصورة الحقيقية للعالمين العربي والاسلامي ، عكس ما تنقله وسائل الاعلام الغربية تماماً ، وإذ أكتفي بهذا القدر البسيط والمتواضع مما كتب عني في هذا البلد الذي عشت فيه لثماني سنوات ، فلابد لي ان أذكر ان وزير الهجرة النيوزلندي وقف في مؤتمرالأعراق ، المنعقد في السادس من شهر آيار هذا العام ، مفاخراً ان نيوزلندا أصبحت فعلاً بلداً متعدد الثقافات ، مستشهدا بي وقارئاً مقطعاً من إحدى قصائدي ، من ضمن مجموعة من الكفاءات التي هاجرت الى نيوزلندا في السنوات الأخيرة ، حاملة معها ثقافتها لتثري المجتمع في هذا البلد الذي يفاخر بانه بلد من منابع وخلفيات شتى .
    ( علمت مندهشاً عن كلام الوزير هنا في هيروشيما بواسطة شاب ياباني أعطيه بعض الدروس في فن التصوير الفوتوغرافي ، وقد علم بواسطة موقع البحث غوغل ) ذكرت هذه التفاصيل لأعطي صورة عن تجربتي في المنفى ، التي أكاد أن أجزم اني تماهيت في المجتمع الجديد ، دون ان أمسخ ذاتي أو عراقيتي ، ودون أن أذوب بشكل أفقد فيه توازني النفسي أو أتقوقع واضعاً الكثير من الحواجز بيني وبين المكان الجديد ، أو حتى أتحول الى مزدوج الخطاب ، كما حدث لمثقفين أو محسوبين على الثقافة .

    4- على مدى خمس وثلاثين سنة شهد العراق في حقبة الحكم الدكتاتوري البائد ثلاث هجرات ثقافية كبيرة، هل تعتقد أن المشهد الثقافي العراقي قد أثرى من خلال هذه الهجرات، وأفاد منها، أم أنه فقد بعض خصائصه، وسماته، ونكهته المحلية، وما الذي أضافه المبدع العراقي المنفي إلى المشهد الثقافي العراقي؟

    لا شك ان الافادة واضحة جدا ، فالسفر والاحتكاك بشعوب اخرى وثقافات مختلفة وطرائق تفكير مغايرة تماماً أحياناً ، إثراء حقيقي لتجربة الأديب ، فالمطلع على الأدب العراقي ، أو قل المشهد الثقافي العراقي ، ليكون لحديثنا أكثر شمولية كما أردته أنت ، فبالتأكيد سوف يبهره المشهد ، لسعته وغناه وشموليته ، من كان يصدق ان قصائد عراقية سوف تكتب وفيها مؤثرات نيوزلندية أو أسترالية أو كاريبية أو أمريلاتينية ( امريكا اللاتينية ) او امريكية او كندية ، بل وافريقية أو باكستانية أو صينية أو يابانية ، اما بالنسبة الى اوربا ، فمعظم الدول الاوربية استقبلت أحفاد سرجون الأكدي ، المشهد الثقافي العراقي ان لم يكن عالمياً الآن ، فالأعوام القادمة سوف تثبت ذلك ، وهذا لا يعني ان نغبط حق المنجم العظيم ، وأعني عراقنا ، ومن بقوا يقارعون الطاغية ومسلسل البطش الذي لا يريد ان ينتهي ، ولو ان وزارة الثقافة ، قامت بتهيئة الظروف الأجتماعية المناسبة من فرص عمل وسكن ، لجميع المثقفين العراقيين في منافي الله الواسعة ، وطبع أعمال الجميع ، فان بغداد سوف تكون عاصمة عظمى للثقافة بلا شك .
    أما ما يخص السمات والنكهة المحلية والخصائص ، فهي تختلف من مبدع الى آخر ، فمن كانت جذوره عميقة بثقافة وتراث بلاد الرافدين ، تجد عنده القدرة على امتصاص وتمثيل الآداب الأخرى ، ليتحفنا بنص عالمي بنكهة عراقية ، أو نص عراقي بنكهة عالمية ، اما من لاجذور عميقة له بمنجز تراث سومر واكد وبابل وآشور والثقافة العربية بصورة عامة ، خاصة ممن لم يقرأ كتاباً واحداً عن تاريخ عراقه ( وهل تكفي عشرة كتب لتعرف تاريخ هذه الأمة ، التي أتحفظ على خطاب فئاتها اللغوية والدينية والمذهبية السياسي ، لأنه صورة أكثر قتامة من خطاب من عارضوه ) ظاناً نفسه كأديب هو أكبرمن أن ينزل الى مستوى قراءة التاريخ ، لا تتعجب لقد أعاب عليّ البعض قراءاتي الواسعة والجادة لتاريخ العراق الحضاري واللغوي والديني والمذهبي والسياسي ، ولكن ما يثلج الصدر هو ان هؤلاء جميعا من أقزام الادباء في أحسن الأحوال ، أقول ان من لا جذورله فانه لا شك سوف يضيع في هذا اليم العظيم ، كم تبقى من مئات الأسماء التي خرجت في الخمسة عشر سنة الأخيرة من العراق ، ان لم نقل الآلاف ، اذا أردنا ان نعد كل من جلس في مقهى حسن عجمي وإتحاد الأدباء لعامين ثم غادر الى الأردن ، ليذهب مباشرة الى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ، على إعتباره الأديب رقم واحد في العراق.
    إن أول وأكبر حجة يتحجج بها المحافظ أمام المجدد هو فقدان الخصائص والسمات والنكهة المحلية ، لأن أُس التجديد قائم على إضافة خصائص وسمات جديدة للنص ، ان المبدع الحقيقي هو الذي يكتب نصاً جديداً وخلاقاً وفي ذات الوقت يستطيع القارئ المحترف كما أدعوه ، بأن يلمس ذلك الخيط الذي يربط النص بجذوره ، وان يتذوق نكهته العراقية ، وهنا لا بد من الأشارة الى الملاحظات الكثيرة التي تلقيتها من شعراء وادباء ، وكلها تؤكد على عراقية قصيدتي ، وهذا شئ طالما أغبطني ، وأشعرني بمسؤولية كبيرة .
    المشهد الثقافي العراقي بعد عام 1979 إنتشر في جهات الأرض ، نتيجة طبيعية لصعود القتلة والجهلة الى مراكز القرار، بعد سنوات على تراجع المثقف عن دوره الطليعي والطبيعي ، في ضمير الامة ، وعلى الرغم من المحن والأهوال التي مر بها المثقف العراقي ، فانه استطاع ان يحقق منجزاً إبداعياً حقق حضوره على الساحتين العربية والأجنبية .


    نشرت هذه الأجوبة في 30 تشرين الأول 2005

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد فبراير 25, 2018 3:02 am