سلام البناي يحاور باسم فرات

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 489
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    سلام البناي يحاور باسم فرات

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أكتوبر 27, 2010 8:11 am

    بعد صدور مجموعته الجديدة (أنا ثانية )
    الشاعر (باسم فرات )
    أنا شاعر بلا جيل ، وأغرّد خارج السرب حتى في قراءاتي وسلوكي
    المبدع يموت إبداعيا عندما يؤمن في أعماقه انه وصل إلى المحطة الأخيرة
    لواء الحداثة لا يمكن أن يرفعه شاعر واحد
    لا أؤمن بتصنيف الأدباء ، ، فالإبداع لا وطن له ، والمبدع الحقيقي يبدع تحت سياط الطغاة ، مثلما يبدع في أحضان الحرية
    حاوره عبر البريد الالكتروني –سلام محمد البناي

    كانت ترافقه الطرقات والأزقة وتنام في جيوبه أوراق خجولة تداعب أنامله .يلعن الوجع والحزن النازل مع الفرات إلى قلب مدنه المتعبة... كان يجاهر بحزنه الصاعد إلى أعلى المآذن، ولكنه عبر الحدود مصادفة ذاهبا إلى أقصى جنوب الجنوب، أدمت هامته الأبراج وهو يحاول مغادرة النسيان.. الشاعر (باسم فرات) المتخم بالاحتجاجات طوال حياته ولد في كربلاء عام 1967وغادرها عام 1993وهناك حيث يكون أنجز مجموعته الأولى (أشَدّ الهَديل) وبعدها (خريف المآذن) ولكنه ليس بالشاعر الكسول فهو دائم الالتصاق مع الشعر الذي يحبه بجنون كما يحب كل شيء جميل علق في ذاكرته برغم الألم الذي رافقه باحثا عن العيون التي لاتخذله بالإعجاب وأصابع لاتتهمه بالنرجسية وقلوب لا تتنكر لصفاء قلبه وهناك في المتاهات البعيدة انتبه أن التاريخ هو التاريخ الذي لا يمكن أن يصنع في أي مكان تصله خطاه بل هو متاع ابدي منذ لحظة التكوين الأولى فبهره ذلك التاريخ .. قال عنه الشاعر( سعدي يوسف).. لقد وجد باسم فرات طريقه المتفرد في المشهد الشعري العراقي الجميل في المنفى..وقال عنه (طوني بَيَر )(شاعر ومحرر من نيوزيلند) ..إن باسم فرات هو مثال على نوع من الصوت التي نحتاج أن نصغي إليها بإلحاح. في أزمنة التناقضات، يكون الشعراء أكثر من يتكلم الحقيقة .....وقال (عيسى بلاطة) عن مجموعته الجديدة ...إن الشعور المسيطر في هذه القصائد هو الحزن والحنين، كذلك الحب. إن المترجمين الأربعة الذين قاموا بنقل القصائد من العربية إلى الإنكليزية قد أجادوا عملهم في نقل الذائقة العربية والشاعر( باسم فرات) الذي كتب عن مجموعته الشعرية (خريف المآذن) الشيء الكثير وترجمت إلى عدت لغات كان همه الوحيد التواصل مع الوطن ومع محبيه وها أنا التقية عبر الانترنيت لنقرؤه ثانية بعد صدور ديوانه الثالث (أنا ثانية ).... في هذا الحوار حاولت من خلاله أن اصطاد بعض الشجن وربما الألم الذي يتجول بين قصائده ....



    لم تأخذ مجموعتك اشد الهديل الفرصة التي أخذتها خريف المآذن . ما ذا بعد خريف المآذن هل اختزلت تجربتك فيها ..هل دخل باسم فرات خريف الشعر ؟؟

    مجموعة أشدّ الهديل ، طبعت عن دار ألواح بطبعة محدودة ، ولهذا لم يتسن لنا توزيعها بالشكل اللائق عكس خريف المآذن التي طبعت بألف نسخة ، وجد سعيد لأني تمكنت من توزيعها بشكل لا بأس فيه بين أدباء بلدي ومبدعيه ، وكانت النية متجهة لاصدار مجموعة تضمّ أغلب نصوص أشد الهديل ، أي نصوص الحبّ مع نصوص جديدة كتبتها ، ليكون في مجمله كتاب حبّ ، ولكن ظروف مابعد الفجيعة التي يمرّ بها عراقنا الجريح هي التي أجّلت خروج هذا المشروع للنور ، وكلي أمل ان أتمكن في المستقبل القريب من نشره ربما في العام القادم .
    أما ماذا بعد خريف المآذن ... الخ ، فاقول هي مجموعتي الجديدة " أنا ثانية " ، وفيها القصيدة الاولى وهي 1/ 3 / 1967 يعاد نشرها لكونها نشرت مجتزءة في خريف المآذن ، وسوف تلاحظ هناك اشتغالاً متطوراً عن ثيمة خريف المآذن ، مثلما تضم قصائد تنحو منحى جديداً .

    هل كانت قصائد خريف المآذن قصائد مدينة ..هل تؤسس لتكون شاعر المدينة ؟؟؟

    أودّ أن أوضّح مسألة ما ، وهي اني لا اخطط كما الروائي للكتابة ، والشعر عملية ذاتية مزاجية ، بحتة ، وفيها تتجلى نرجسية الشاعر ، أكتب القصيدة بعد ان أعيشها تجربة ، وان توخينا الدقة فالقصيدة تكتبني ، لانها تجبرني على هذا الفعل ، اي الفعل الكتابي ، والا لا يمكن ان اخلد للراحة او للسرير ،الاّ بعد ان أضعها على الورق ، ربما في عدة جلسات وربما في جلسة واحدة ، أنا أكتب لأعيد التوازن لروحي اللائبة ، ولأرمم خساراتي ، وما أكثرها ، أكتب لأمارس هواية ، سيطرت عليّ تماماً ،اكتب لأحقق ذاتي ، والشعر هو شاغلي الاعظم ، بل أنا متورط بالشعر الى درجة الادمان ، لهذا أنا لا أؤسس لشيئ سوى مشروعي الشعري الذي أشتغل عليه ، واذا تكررت أسماء مدن مثل كربلاء وبغداد او غيرهما ، فسببه الاحتكاك والتجربة ، والتي من نتائجهما ان تفرض هذه المدن حضورها في نصّي ، فرضاً لا إرادياً ، مما يمنحها انسيابية وتلقائية ، والمكان عموماً ، والمدن خصوصاً موجودة في نصوص غالبية الشعراء ، ولايضر الشعر ان يكون شعراً مكانياً او غير مكانيّ ، فالشعر هو الشعر مادام يحافظ على الجودة والابداع والتفرد ، فيه خصوصية كاتبه ووعيه للعملية الشعرية ، أقول هذا ولست متناسياً ما لكربلاء في وعيي ولاوعيي أيضاً ، فأن كنت أشترك مثل الملايين ، في نظرتي لمكانتها ، فلي ما يجعلني اختلف مع الغالبية ان لم اكن افخر بها عليهم ، على الأقل من وجهة نظر البعض كثر هذا البعض او قلّ ، واعني بذلك ولادتي واهلي فيها ، وماتمثله لنا وما تربينا عليه ، من اعتزاز بانتمائنا لها ، وكنت أغبط السيّاب ، كونه ترعرع في قرية مجهولة ، اذ كنت ارى ان ذلك يسهل عليه المهمة ، من ان يخلدها بشعره ، بينما انا ، ابن مدينة ، هي قبلة للملايين ، وتاريخها موغل بالغنى والتنوع والعمق ، بل هي رمز كبير في الثقافتين العربية والاسلامية .
    وعذراً ان لم أستطع ان أوفي سؤالك حقّه ، خصوصاً وكنتُ أرغب في توضيح مسألة أعدها غاية في الأهمية ، بخصوص مجموعة خريف المآذن ، ولكن ما كتبه لي الصديق الشاعر زعيم النصّار ( قصائده الأخيرة كانت رداً مفحماً على من يدعي ان العراق نضبت المواهب الخلاقة فيه) في اكثر من رسالة ، بخصوص قراءاته لخريف المآذن ونيته الكتابة عن نتائج هذه القراءات ، حيث انه سوف يدرس الديوان بمستوياته اللغوية والايقاعية والرؤيوية ، يجعلني ، أعزف عما كنت أنوي البوح به ، حتى يقوم بنشرِ دراسته ، لكي تتوضح المسألة المشار إليها أعلاه.

    كتب الكثير عن الشاعر باسم فرات ترى هل أنصفك النقاد...؟

    الذين كتبوا ينقسمون الى ثلاث فئات ، فئة كتبت بروح نقدية ، واخرى كتبت بروح شعرية ، وثالثة كتبت بواعز إجتماعيّ سلباً أو إيجاباً ، وبعض الذين كتبوا لامسوا الجذور ، بل حفروا عميقاً ، وبعضهم قَبّلَ الاغصان والاوراق ، ومنهم من مرّ مروراً خاطفاً ، ولكن لا يسعني الاّ أن أشكر الجميع ، لأن تناولهم للمجموعة لَدليلٌ على ان فيها ما يستحقّ عناء الكتابة ، وهنا أيضاً لابد لي من شكر اتحاد أدباء بابل على الامسية الاحتفالية الرائعة التي اقامها لمجموعتي خريف المآذن في الحادي والثلاثين من آب المنصرم ، والجهد الذي بذلوه كل من المبدعين رياض الغريب ومازن المعموري وجبار الكواز وناجح المعموري وناهض الخياط وعبد علي حسن والدكتور محمد أبو خضير والبابلي موفق محمد ، فلهم جزيل الشكر ولكل الادباء الذين حضروا وساهموا في الامسية .

    كيف تنظر لقصيدة المستقبل ، وهل هو لقصيدة النثر ؟؟؟

    القصيدة التي لم تكتب هي الاجمل .
    المستقبل سوف يشهد إعادة صياغة واستقرار للكثير من المصطلحات والمفاهيم وهذا بدوره سوف يساهم مساهمة فعالة في فتح آفاق امام المواهب الحقيقية لكي تذهب بعيداً في فضاءات الحداثة والتجريب والابداع .
    هناك خلط كبير في مايسمى قصيدة النثر ، هذا مصطلح ، خاطئ تماماً ، فما يكتب تحت هذه التسمية الاشكالية ، في معظمه شعر حرّ ، وهو يختلف عن شعر التفعيلة الذي ابدعته القريحة الشعرية العراقية بعد الحرب العالمية الثانية ، وهنا حدث الخطأ الأول عندما أطلق عليه بالشعر الحر وهو شعر تفعيلة لاغير ، وربما يأتي اليوم الذي يظهر فيه الباحث القدير ليستخرج لنا مئات او آلاف الاوزان للشعر الحر الذي نكتبه ، بينما قصيدة النثر في العربية لم يكتبها سوى قلة قليلة ، وقد يكون الشاعر عبد القادر الجنابي خير ممثل لها .
    ممايؤسف له ، ان الذين وعيهم بالشعر لايتعدى غير التعريف البائس له ، واعني انه ذلك الكلام الموزون المقفى ، وظنوا ان حفظهم لبضعة قصائد لأبي نؤاس والمتنبي وأبي تمام والبحتري ، وحتى الجواهري ، وتباهيهم بمطولات لا أخلاقية يدعونها قصائد ، واعني بها مطولات المديح التي تَورّمَ الشعر العربي بها ، منذ اول من خان الشعر ، فمدح ، وأثنى على طاغية او شيخ عشيرة ، الى آخرهم ممن تلوثت يداه وقلبه وروحه بمدائح لسفاك الدم سيده ، ومازالت الخيانات تُرتكب بحق الشعر ، تحت مسمياتٍ ما لها آخر ، أقول ان هؤلاء وجدوها فرصةً للنيل من المنجز الكبير للحداثة العربية ، والمتمثل بالشعر الحر ، مستخدمين التسمية الخاطئة التي أطلقت قبل نصف قرن تقريباً ، متناسين آلاف القصائد الرائعة والتي لولا الوعي الحاد لشعرائها وثقافتهم الهائلة لبقينا ، نردد ونلوك منجز الجواهري والرصافي والكاظمي والزهاوي والحبوبي وبدوي الجبل وحافظ جميل ...الخ، أو ماوصلت إليه قصيدة التفعيلة على يد روادها او الجيلين الذين جاءوا بعدهم.

    المدينة -الأم –الفرات- الغربة- مَن مِن هذه المرجعيات كان يتكيء عليها باسم فرات في الكتابة والإبداع ....؟


    أتكئ على موهبتي وتجربتي وخزيني المعرفي ، ووجود هذه المرجعيات هو حاصل تحصيل ، لتجربة عشتها رغماً عني ، واعتقد ان هذه المفردات بدأت تضمحل رويدا رويداً ، مخلية المكان لمفردات جديدة ، نتيجة احتكاكي ببيئات اخرى مختلفة ، إضافة لايماني ،ان على الشاعر ان يجدد في قاموسه ويطوره ، فليس من المستحسن ان تكون ذات المفردات تتكرر بعشرات القصائد وبعدة مجاميع ، وكأن كل هذا البحر المحيط المتلاطم من المفردات ، وهذه الحياة بتنوعها وتجاربها والسفر والاحتكاك بثقافات مختلفة ، والقراءات المتواصلة ، لم تلهم الشاعر سوى هذه المفردات يرددها على مدى سنوات طويلة ومجاميع عديدة .
    لا وجود لشاعر بلا مرجعيات ، لأن البيئة والقراءات لهما أبلغ الأثر في نصوص الشاعر ، أقول هذا وأنا من أشدّ المؤمنين ان الشعر غاية بحد ذاته ومن الخطأ أن يتحول الى وسيلة ، بل أحياناً هذا الخطأ يصل الى درجة الخيانة العظمى والعار ان صح التعبير ، عندما يستجدى به على أبواب الحكّام والطغاة والقتلة ويمجّد الحروب والنعرات القومية والطائفية ، وكل مايسيئ للجمال والأبداع والحرية ، فالشعر لا يُوظّف في أي شيئ ولأجل أي شيئ والا فقد بريقه وبراءته ، فكيف اذا صار وسيلة تكسّب واستجداء أمام أيّ كان بما في ذلك الجمهور الذي يريد ان يفهم كل شيئ دون تَمَحّصٍ وعناء وتفكير وروية وتأويل ، واعادة انتاج النص من خلال القراءة الذكية الواعية .

    تنقلت بين بلدان كثيرة وترجمت قصائدك للغات أخرى هل تظن انك وصلت إلى العالمية ...؟

    ان كان كل من ترجم شعره للغات أخرى فهو شاعر عالمي ، لوقعنا بمطبات لا حصر لها، مثلاً تعرفتُ على شخص كان عمله يضطره للعيش متنقلاً من بلد الى آخر ، وكل بلد يقضي فيه عدة أعوامٍ قد تصل الى العشر سنوات أو يزيد ، فيكتب وينشر بتلك اللغة ، حتى أصبح في نهاية المطاف بعد أن تجاوز السبعين من العمر يملك العديد من المجاميع الشعرية وبلغات مختلفة ، كالانجليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية وهكذا ،والسؤال هو هل هذا الشخص شاعر عالميّ !، أنا شخصياً قرأتُ العديد من نصوصه، انه شاعر جدّ عاديّ ، ولولا ان خدمه الحظ لما ترجم شعره اطلاقاً .
    العالمية بالنسبة لي ليست بهذه السهولة، وهي مسألة نسبية، أي ان مفهومها نسبيّ بين الناس، هناك من يظنّ نفسه عالمياً لمجرد ترجمة قصيدة له او مشاركته في مهرجان ضمّ شعراء من بلدان وجنسيات مختلفة ، وهناك من يرى ان نشر كتاب بلغة عالمية كالانجليزية ، لهو شهادة على عالمية الكاتب ، لكل رأيه ، أما رأيي فبكل تواضع أقول : اني مازلت في خطوتي الاولى ، وأمامي درب لا نهاية له اطلاقاً ، منذ صغري آمنتُ بأن طريق الابداع هو كالشعاع له بداية وليست له نهاية ، والمبدع يموت ابداعياً عندما يؤمن في أعماقه انه وصل الى المحطة الاخيرة لذا فهو راضٍ عن نفسه ، يجب علينا أن لانصدّق بأننا شعراء ، مهما حققنا من نجاحات ، لأن هذا سوف يدفعنا للمزيد والمزيد ، ان نحن فقدنا نشوة الفرح والانتصار ، فأننا سوف نحاول من جديد ، وهذا لاينفي اعتزازنا بموهبتنا ، واعتدادنا الطبيعي بأنفسنا ، ولكن ليس الى درجة التهور ، والادعاءات الفارغة ، مما يشي ، بتعرية ذات خاوية وموهبة مصابة بفقر دم إبداعيّ مزمن .
    عندما كنت أحضر لاصدار مجموعتي "هنا وهناك" كان الفرح يملأ جوانحي ، على اعتبار انها مجموعتي الاولى باللغة الانجليزية ، وانها أي المجموعة أول كتاب يترجم من العربية الى الانجليزية وينشر في نيوزلندا ، ولكن ما أن انتهى حفل توقيع الكتاب حتى تساءلتُ : " وماذا يعني ، وماذا بعد " ، أنا أسعى لتجذير وتعميق وانفرادية مشروعي الشعريّ، خصوصاً ما حملني أياه وعيي ومن كتب عن تجربتي من مسؤولية مضاعفة ابتداء من سعدي يوسف وسركون بولص وحاتم الصكر ، مروراً بعشرات من المبدعين الرائعين الاخرين وليس انتهاء بأدباء لهم مكانتهم في الادب المكتوب بالانجليزية مثل الشاعر البريطاني الكبير والمهم اوربياً ستيفن ووتس والنيوزلندي طوني بَيَر وهو احد أهم شعراء نيوزلندا الكبار وغيرهما ، والزمن كفيل بفرز الابداع ان كان عالمياً أم لا ، وأصرّ على انني مازلت في بداية المشوار الذي طالما شبهته بالشعاع الذي له بداية وليس له نهاية ، وامامي طريق اكثر صعوبة ووعورة ، فكمّ الكتابات الهائل ، تعني ان المسؤولية تكاد تخنقني ، ثم السؤال الاهم على الاطلاق هو : هل ان القصائد التي نشرتها في نيوزلندا واستراليا والتي القيتها في عدد كبير جداً من الامسيات التي أقمتها والتي اشتركت بها في نيوزلندا خصوصاً وفي هيروشيما والتي فعلا لاقت استحساناً وتذوقاً من الجمهور ، وكثيراً ما جاءني الشعراء والادباء واخبروني بأن نصوصي لامست اعماقهم ، او انهم تذوقوها كما يتذوقون النصوص المكتوبة أصلا بلغتهم .... والخ ، بل هناك من تأثر بها كما حدث مع الشاعرة وأستاذة الأدب الانكليزي في جامعة فيكتوريا آنا جاكسون ، لاقت نفس الصدى الرائع في البلدان والأمم الاخرى ؟ نعم عندما يحدث هذا وعلى مستوى عالمي واسع حينها أستطيع القول من الاجابة على سؤالك بنعم .
    بالنسبة للتنقل بين البلدان والمدن ، فهو بحد ذاته تجربة غنية جداً ، اذ يجعلك تعيش وسط مجتمعات مختلفة ، وتستنشق ثقافات متنوعة ، مما يثري مُخيلتك ، فلولا عيشي في نيوزلندا لما تمكنت من الكتابة عن الماوريين وأساطيرهم ، خصوصاً وان لي اصدقاء ماوريين ( وهم سكان نيوزلندا الاقدم ) اضافة للدراسة والتي منحتني فرصة المقارنة بين أساطيرهم والاساطير العراقية ، اما العيش في اليابان فاعطاني فرصة معايشة الثقافة اليابانية ، والاطلاع على معانات اليابانيين اثناء الحرب الكونية الثانية ، بينما سفري الى كوريا الجنوبية منحني فرصة ما ارتكبه الجيش الياباني من انتهاكات صارخة أثناء احتلالهم لكوريا ، وكيف ان الكوريين قاموا بعد التحرير مباشرة بتدمير معابد الشنتو ، وهي الديانة اليابانية الرسمية والتي حاول اليابانيون فرضها بالقوة على الكوريين لاعتناقها ، وهناك متحف يوثق جرائم الاحتلال الياباني ، هذا المتحف الذي كم أتمنى ان يقوم اهل الرأي والمشورة في عراقنا من استنساخ التجربة الكورية وبقية تجارب الامم الاخرى مع اضافة نكهة عراقية ، لمتحف يوَثّق الجرائم التي أرتُكبتْ بحق الأمة العراقية ، لكي يبقى المتحف شاهداً للأجيال القادمة .

    هل تعتقد أن احتجاجاتك ساهمت في خلق شخصية باسم فرات الشاعر ...؟

    ألاحتجاجات نوع من السيرة الذاتية بطريقة ، فيها بصمتي الخاصة مئة بالمئة ، ولهذا تلقيت الكثير من الرسائل والتعليقات من الادباء والنقاد ، وهي شخصيتي الحقيقية ولكن بهدوء وبدون ضجيج مفتعل ،لا أريد الاسهاب في الحديث عن الاحتجاجات تاركاً ذلك للقراء ، رغم ان الناقد حاتم الصكَر ، اقترح عليّ أن يكون عنواناً لمجموعتي الجديدة " أنا ثانيةً " ولا جدال ان الاحتجاجات ساهمت مع القراءة والتجربة في خلق شخصية باسم فرات .
    ولكن هناك نقطة أودّ توضيحها ، وهي انني شاعر مدينيّ ، انتمي كما سبق وأوضحت الى عائلة لها جذورها العميقة والموغلة في القدم في المدينة ، بينما نجد ان الوسط الثقافي العراقي ، ونتيجة لظهور طبقة العسكر ، وهم في غالبيتهم العظمى ممن نزح من الريف العراقي وامتداداته في البداوة صحراوية كانت او جبلية ، وعدم تمكن قيم المدينة من هذه الطبقة التي سيطرت على الحكم ، مما جعلها تستعين بروابطها الاجتماعية ، لتُريّف المدينة العراقية ، ولأن هؤلاء ابرزوا للوسط الثقافي العراقي ، خاصتهم ، فقد تسربت تلك القيم مع قيم الشقاة التي احتفظت بها المدينة كتركة من القرون المظلمة ، لوسطنا الثقافي ، فرحنا نرى من يستعرض عضلاته المفتولة مع منجزه ( مهما كبر او ضَؤلُ هذا المنجز ) وكأننا لسنا أهل أبداع ، أي ان قوة العضلات وسلاطة اللسان ، هما من يمنحان المنجز ، هويته ومكانته المرموقة وليست حقيقته وأهميته الأبداعية ، وأن كانت هذه العضلات وسلاطة اللسان تأخذان شكل سلطة حاكمة مرة ، أو سلطة الحزب ثانية ، او سلطة شخصية في مرة أخرى ، فنراها ان ضعفتْ ، ليس أمام المنجز الحقيقي سوى أن يجد غريباً يكتشفه ، أي من لم يكن تربطه علاقة بهذا المبدع ، وقد أحب المنجز الذي أمامه ، فراح يكتب بروح حيادية .

    ماهو تقييمك لتجارب الشعراء من أبناء جيلك سواء كانوا من شعراء الداخل أو الخارج ...؟

    أولاً أنا لا أؤمن بهذا التصنيف ، الداخل والخارج ، ومن أشدّ المؤمنين ان وراء هكذا تصانيف واطلاقات أناس فاشلون ، أرادوا ان يغطوا على عيوبهم ، فالابداع في حقيقته لا وطن له الا نفسه ، نحن عراقيّون روحياً ونفسياً ، ولكن آنياً منا من يعيش في الوطن ومنّا من يعيش بعيداً ، والمبدع الحقيقي يبدع تحت سياط الطغاة ، مثلما يبدع في أحضان الحرية ، في قلب المدن والمشهد الثقافي او بعيداً في أعماق الريف وعزلته ( كما يفعل الكثير من الكتّاب الغربيين ) ، وثانياً صدقاً لا أعرف ولا يهمني أن أعرف لمن أنتمي ، لأن مشروعي الشعري هو ما يهمني ، كوني ضد التحقيب والتجييل ، هل أنا شاعرٌ بلا جيل ؟، نعم ، بل أغرّد خارج السرب كله حتى في قراءاتي وسلوكي ، أما عن التجارب فمعظم الشعراء تتوضح معالم تجربتهم بين نهاية العشرينات ومنتصف الثلاثينات ، فمن لم يستطع ان يشقّ طريقه الخاص ، وأسلوبه المتفرد ، فلا يعوّل عليه لأنه مهما كتب واجتهد فهو صدى لغيره ، والصدى لا خير فيه . وهنا لابد لي من القول ان هناك بعض الاسماء ممن هم دون الخمسين وفوق الثلاثين ، انظر لتجاربهم بكل احترام وتقدير ، ونصوصهم طالما استوقفتني ، وهؤلاء و بدون ذكر الاسماء ، أراهم هم حملة مشعل الشعرية العربية الوضّاء ، وهي شعرية عالمية بلا شك ، ودفعاً للالتباس والتأويل ، فكلامي يشير الى عدة اسماء حقيقية وفاعلية في المشهد الشعري العربيّ ، لم يحصلوا على جوائز ومكرمات في غالبيتهم ، وليسوا من ضيوف المهرجانات الدائميين ، ورغم ان بعضهم يكتب قصيدة كل عدة أشهر واحياناً مرةً كل عامٍ ، ولكنها قصائد تستحقّ التوقف عندها ، لأنك تجد فيها متعة حقيقية طالما يبحث عنها الشاعر القارئ.

    هل تأثر باسم فرات بشاعر معين أم بعدد من الشعراء .. ؟

    في حوارٍ سابقٍ معي ، قلت : أنا شاعر وَثنيّ ، في الشعر ، حيث لا أؤمن بتأليه أي شاعر مهما كان ، ومن أكثر الأمور التي استسخفها هي ، إطلاق ألقاب على الشعراء والأدباء عموماً ، وأسوء لقب أراه علامة خزيٍ للثقافة العربية ، هو ما لُقّب به المسكين أحمد شوقي ، أي لقب أمير الشعراء ، بينما الشعراء من أكثر الناس نرجسية ، وذاتية ، وعدم انصياع لغيرهم ، وتفشي الشعر في العراق ، هو احد اكبر الأسباب التي جعلت الشعب العراقي الذي انجب معظم شعراء العربية الكبار ، ان يكون ناقماً منتفضاً معارضاً على طول الخط ، لا يعرف المهادنة كما بعض الشعوب المجاورة .
    نعم انا وَثنيّ في الشعر ، أحببت وتعلمت من الشعراء الذين سبقوني عمراً وتجربة الكثير ، ولكني لم أعجب طوال حياتي بشعر شاعرٍ من الفه الى يائه ،لأنه ببساطة لاوجود لشاعر كل ماكتبه يُعدّ نفائس شعرية ، هناك من احببت لهم قصيدة واحدة ، وهناك من احببت مجموعة قصائد أو مجموعة شعرية أو أكثر لهم، أما كل شعره وخصوصاً البدايات فلم يحدث أن أحببتها ، ومنذ نعومة أظفاري أبحث عن شعر الشاعر الذي كتبه وهو في الثلاثينات من عمره فما فوق ، حيث أدواته تبدأ في النضوج ، مما يعطينا قصائد ، نستطيع ان نتعلم منها مثلما نستمتع بها ، كون الغالبية العظمى من الشعراء يتطورون على نار هادئة ، اي رويدا رويداً ، ومن يكتب شعرا مهما في بداياته فهو ينتهي اما الى كاتب او اي شيئ الى الشعر .
    هناك بعض الشعراء مع الأسف يحاولون إشاعة انهم حملوا لواء الحداثة او التجديد ، او كتبوا شعراً مهماً منذ خطواتهم الاولى ، وهذا كلام لا أساس له من الصحة ، ورغم ان البعض وجد من يُطبّل له ، لكن الحقيقة تقول ان لواء الحداثة لا يمكن ان يرفعه شاعر واحد ، وان اهمية الشاعر تكمن في تطوره ونمو عوده ، ولن تبقى قيمة له ان كتب شعرا عظيماً منذ أول قصيدة له ، وان كانت الجودة درجات ، فبالتاكيد ان قصيدته الاولى في أسفل السُلّم قياساً الى قصيدته التي كتبها بعد ربع قرن .
    تألمتُ وانا اكتشف ان صحبةً لي ، طالما نظرت لهم من خلالي ، أي كنت احسبهم من أكثر الناس قراءة ومتابعة ، وليسوا ممن ينساقون خلف الأشاعة ، او ممن يؤلهون شاعراً بعينه ، واذا بهم ينزلقون لذات المنزلق الذي طالما كنا نلوم الاخرين عليه ، فليس في العملية الابداعية وفي الثقافة الحية ، هذا الاوحد ، لأننا ببساطة لسنا في جمهورية الخوف ، جمهورية البيان رقم واحد ، بل نحن في ثقافة ، تتسع لكل ماهو جيد وحقيقي ، وان نمت على جسدها الطحالب والأشنات ، أي بعبارة اخرى ، انه مثلما حمل البعض المتخلف من ريفه او بيئته ، مازجاً تخلف العهد العثماني الذي لازالت تنوء تحته المدينة العراقية ، فَرَيّفوا الحياة العراقية كلها ، التي لطّختْ المثقف العراقي بوبائها ، فهو حامل مشعل الحداثة في العالم العربي ، ولكن مازال الكثير من سلوكياته ، ينمّ عن ريفيّ تواً دخل المدينة ، موهماً الآخرين انه شيخ عشيرة ، بل كم واحد رفع صوته معلناً انه الاهم ، وكأننا في ساح الوغى ، أي انه بدويّ وريفيّ في تعامله مع الثقافة ، ظاناً انه عندما يهاجم من سبقونا تجربة ( الذين ولدوا بين نهاية الحرب العالمية الاولى ونهاية الثانية ) فهو قد تجاوزهم ، بينما التجاوز لا علاقة له بالشتم والادعاء والكذب ، والاشاعة ، والاتكاء على سلطة الحكومة او الحزب او الجماعة ،لتزييف الوعي ، وتثبيت الاشاعة ، ونفخ المنجز الذي ربما فعلا يكون ، منجزاً مهماً ، ولكن في ساحة الابداع ، لايوجد إله واحد اوحد ، بل الساحة تَسَعَ جميع المبدعين بغض النظر عن اي خلفية كانت ، سوى التجاوز الحقيقي والحفر في إسلوب يشبه نفسه وليس أحد سواه .

    ماهو تأثير المنفى على باسم فرات ..؟؟

    غادرت العراق في الثالث والعشرين من نيسان عام 1993 ، أي مضى على خروجي مايقارب من اربعة عشر عاماً ، أربعة عشر عاماً متنقلاً ، كم من البلدان رأيت وكم من المدن والارياف والانهار والجبال والبحار والبحيرات والشلالات ، كم من المتاحف والمعارض والمقاهي دخلت ، وكم من الاجناس والاقوام تحدثت اليهم ، وكم سحت بين الكتب ، وكم من مهرجان وامسية حضرت ، أربعة عشر عاماً من تركته في الثاني الابتدائي الآن انهى دراسته الجامعية ، ومن كان قد انهى الابتدائية او في الاول المتوسط ، الآن يحمل الدكتوراة ، فتصور معي ، كم هذه المدة الزمنية غنية ، علماً اني اكتشفت فيها العراق ، ليس بعين عراقي منفي ، او عين شاعر فقط ، بل بعين قارئ نهم ، متأمل لتاريخه ، كم ركبت المشحوف مع أهل الاهوار مرة ، ومرة مع ألاكراد في جبالهم الشمّاء ، واخرى مع الكلدوآشوريين السريان في أعالي دجلة والفرات وسهول نينوى ونوهدرا وأربيل ، ورابعة مع اليزيدية ، او الشبك ، او مع التركمان في كركوك ، او مع البحارة من أهل البصرة وانفتاحهم على العالم ، او مع أهل المدن المقدسة وهم يستقبلون الزوار من كل بقاع الأرض ، ويقيمون احتفالاتهم الدينية ، وكم استوقفني موقف اختص به أهل العراق دون سواهم ، هو الاباء ، مثال الأمير العراقي السامي الآشوري السرياني عبد السطيح ، أمير تكريت ، يوم قفز وهو على صهوة جواده ، الى نهر دجلة مفضلاً الموت إنتحاراً على الاستسلام ، لجيش جاء يفرض عليه شروطه ، وكم أعادت لي قراءاتي الموسوعية لتاريخنا هذه حكايا كثيرة سمعتها من أهلي وكبار السنّ في مدينتي ، عن اليهود والفرس والهنود ، حيث كربلاء مدينة مثلها مثل غالبية مدن العراق ، متعددة الثقافات وان كانت العربية هي الثقافة الكبرى ولغتها لغة التفاهم ، بين الناس ، وانا في شقتي المتواضعة في أقصى جنوب جنوب الكرة الارضية ، نعم من الشقة المتواضعة في الركن القصي من جنوب الأرض ، اطلعت كثيراً على تاريخ بلدي وعايشت تنوعه الجميل عملياً ، لأن المدينة التي سكنتها في نيوزلندا فيها غالبية الطيف العراق ، وقد سمعت منهم حكايات لايمكن ان تجدها في الكتب .
    اهتمامي وانشغالي بالشعر لم يزدني الا همة لمعرفة تاريخ العراق مثلما هي همتي بالفكر والمعتقدات والابداع عموماً ، والاستفادة من ثقافات الشعوب الاخرى، وطرق تفكيرها ، ونظرتها للشاعر وللحياة ، فالشعر معرفة ، والشاعر مثقف ، وأسّ الثقافة التاريخ ، مثلما الفكر والفلسفة عمقها وبناؤها، أما الأدب فهو رَوْنقُها .

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين مايو 21, 2018 9:09 am