هاشم لعيبي: أسطرة الحرب لصنع السلام قراءة في " خريف المآذن"

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 488
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    هاشم لعيبي: أسطرة الحرب لصنع السلام قراءة في " خريف المآذن"

    مُساهمة  Admin في الجمعة أكتوبر 22, 2010 5:37 am

    يتخذ الشاعر باسم فرات في مجموعته الشعرية " خريف المآذن" الصادرة عن دار أزمنة 2002م من ثيمة الحرب والسلام أساساً يرتكز عليه للانطلاق نحو بث الهم الجمعي بطريقة أسطرة حالة الواقع وزجها ضمن جدلية تحتاج الى فهم مركب لمواجهة التشظي والتشعب والمفاجأة التي تميز الحرب, فمنذ إشتباك النظرة الاولى في قراءة النصوص وقبل التفكير في تفكيك الرموز والشفرات تتداخل الازمنة والامكنة مع المقدس المستمد من اعمق مراتب الصدق والاخلاص محاولاً استنهاضه واستنفاره لمواجهة الطبقات المتراكمة لزيف الحرب ولاشرعيتها ليملأ بذلك فراغ الخرافة وتشويه الشعارات بسطور تحمل كيانات وجودية يحق لها ان تكون نظيراً لخصمها الذي اضفت عليه قوة الحاضر وهيمنته ان يتصرف بالمصائر, انه يستنفر الاحساس بالظلم الجمعي من خلال فردية الطرح مستثمراً الرمزية وتعدد الاشارات لينقل " ذات العموم" الرازحة تحت خط الاستعباد لقيمة " الطاعة العسكرية" الى مناطق متمردة وشاسعة من التوق الى التعرف على " الذات الانقى" المقدسة في مسلسل متناغم من سلالم الذوات. لذلك ووفقاً لهذا المنهج الذي يوظف التناقض بين الحالتين لتعرية زيف الحرب تراه حاملاً فؤوس " معمار الخراب" في عملية متزامنة من البناء والتقويض وهذه هي الاجواء التي تتيح له في النهاية من الابقاء على صلاحية اسطورته. وابتداءً من العنونة لمجموعته نلاحظ كيف كان حاذقاً في الانعطاف قبل ان تتحدد ملامح الطريق فـ "خريف المآذن" تجمع نقيضين يربطهما عند مصير مشترك فالخريف المرتبط بالسقوط والتساقط أي بدلالة السقوط للاوراق من شاهق اغصانها والتساقط بشكل جماعي للاوراق له ما يقابله في صورة الحرب من سقوط العقل في شرك الحماقة والقرارات غير المسؤولة لفردانية الطغاة والتساقط الجمعي للضحايا قرابين هذه الحروب، هذا من جهة وتقف المآذن بالاتجاه الاخر تحمل المصل المضاد في الرفعة والارتفاع على اساس ان المآذن تستلم تعاليمها من السماء المعصومة من الخطأ والارتفاع عن الظلم باعتبار أن " العدل اساس الملك" وهذه منطقة ارتفاع متماهية مع رفعة السماء عن ان تبادر السلالم بالعقوبة لمنحه الفرصة الكاملة لتكون الحجة البالغة عليه. ان مقتضيات الخلق والتشكيل بما يتناسب والحاجة الملحة للانزياح عن الخط الهمجي للحرب جعل الشاعر مقارنة بسيطة وعميقة في آن واحد بين تضاد آخر هو العتمة والضياء هذه المرة ليشكل منهما تركيبة لاتطرح نفسها سوى وصف غرائبي الا انه واقعي ايضاً حيث يستطيع ان يبرر وجوده من خلال التفاصيل التي يطرحها النص فيقول:
    أنا وبغداد
    نجلس معاً على شاطئ نعرفه
    نحتسي خرابنا
    بغداد...
    ليل يجفف عتمته بضيائي
    وهنا يتحرك بحرية تامة حين يضع " نفسه" نائباً عن كربلاء، فالمدن لاتجلس الا مع المدن فكيف جاز لشخص ان يجلس مع مدينة الا اذا كان هو " المدينة" فالشخص الفرد يجلس في المدينة ولايجلس معها لينتقل بعدها وببراعة فائقة لاكمال " تراجيديا الخراب" مستفيداً من النور الذي تبعثه الدماء التي اصبحت قدراً ملازماً لبغداد مثلما كانت قدراً مسبقاً لكربلاء فـ " الشاطئ" المشار اليه ليس " شاطئ نجيع" يؤكده المعنى المستمر في عبارة " نحتسي خرابنا" حيث اننا لانحتاج الى جهد كبير لنفهم ان " الاحتساء" يرتبط بالسوائل ويتصاعد بعدها المشهد الدرامي ليكتب بسخرية يشوبها التهكم مستفيداً من القراءة البصرية لنقاط الفراغ التي وضعها بعد بغداد ليشير الى مفارقة قد لاتقل كثيراً عن مفارقة كربلاء، وهي ان هذه المدن صانعة الحضارات ومصدر الاشعاع والنور في هذا الكون المتخبط تؤول الى هذا المصير. ولكنها فداحة الثمن الذي تدفعه مدن النور لكي تكتسب شرعيتها ولا بد له هنا من العودة لاكمال اسطورة المدن المضيئة ان يعود الى " ميثولوجيا" قدرية تقف خلف تلك الاختيارات الدقيقة للمدن فلو لم يكن توضأ التراب بدماء الحسين (ع) لما كان يمكن ان تكون هناك كربلاء. انها اسطورة تداخل المكان بالمكين لتفسير المعاني الغيبية التي لاتستطيع ان تفسرها العقول بالاسباب الطبيعية، انها الاجابة عن السؤال الساذج ،هل انتصر الحسين؟ فاذا كنا ندرك بما لايقبل الشك انه انتصر اذن ووفق القاعدة ذاتها ستنتصر بغداد! ان كربلاء بكليتها استطاع ان يتشظى فيجمعها اضواء طمأنينة بكل ذلك النور المنبعث من المآذن والهدوء ليلف به ليل بغداد المذعور من شدة الهلع الذي تركته القذائف والحروب والدمار فلا بأس عليك يابغداد وليلك الذي طالما صدّر الهدوء والانوار وجففي عتمتك بضيائي.
    ولابد لي ان اذكر ان نصوص الشاعر باسم فرات تتخذ لها وجهة نظر من الاشياء التي حولها فتقيم جدلياتها على اساس من " المنطق الشعري" يتخذ عدة الوان وقد يلجأ احياناً الى استخدام مفهوم او " فلسفة الصمود" وهي منطقة محايدة لاتدعي بهرجة النصر واين هو النصر في واقعنا المهزوم كما انها لاتدعو الى الاستسلام فيكون الحل في منطقة " الحلول الوسط" مع المحافظة على الجانب الاسطوري وتفعيل حضوره باشكال تتعدد وحسب مقتضيات حاجة النص ، يقول:
    - الحروب التي كنت خاسرها الوحيد-
    علقتها على مضض
    ومضيت ابحث عني
    فالحروب اذن بصيغة الجمع فلماذا يكون بصيغة المفرد.أليس هذا هو الالق اليسوعي ليحتمل بمفرده مسلسل الآثام فكل الكلمات لاتستطيع ان تصف ان تعيش لحظة حرب لذلك فهو لايتمنى لغيره (الآخر) هذا المصير ولتكتفي الحروب به قرباناً عليه ان يصل جميع الحروب ليحمينا من التورط بها. عليه ان يستمر وفقاً لفلسفة الصمود فيعلقها ويمضي لكن الى اين؟ هو لايحدد وجهته لأنه ارتبط بوجود الحروب فأينما تحل هو يبحث عنها وعنه فقد هيمن وجودها على وجوده فهو يبحث عنها ليعلقها ويمضي للبحث اليست هذه هي فلسفة الصمود؟ ولأنه في بحث دائم عنه لذلك تقفز احياناً " ذاته الفردية القديمة" فتربكه وتثير اسئلة كبيرة لاطاقة له على احتمالها وهو بهذا الضياع والتشتت يقول:
    اتذكر انني بلا وطن
    وان الحروب مازالت تلاحقني وتغير اشكالها
    فجأة يتذكر انه بلا وطن فمن الصعب عليه ان يؤمن بشكل جديد من " البداوة" التي تجعل حياته متنقلة حيثما تنزل الحرب" وليس تبعاً للماء والكلأ كما هو الحال مع البدو الرحل". انها حياتك الجديدة التي نذرت نفسك لها لخلاص ابناء جنسك من ويلات الحرب وهذه هي اسطورتك فلكي تستقيم معادلتك تكون انت الذي يلاحق الحروب وليست هي من يلاحقك فدعها تغير اشكالها ما بدا لها فأنت تحتفظ بصورتها الفجة المشوهة ولن تستطيع ان تخدعك وتفلت. انك امتلكت " مناعة مكتسبة" لذلك لن تستطيع ان تهددك.
    اخيراً إن الشاعر حين يقف بوجه الحرب وشراستها يستحضر كل قيم البناء والحضارة لمواجهتها فبعد أن أفرغت الحرب فيه أوزارها وتحدثت بملأ فمها لما حوله بألسنة الدمار والخراب والذعر عليها أن تفسح الطريق للسلام لكي يرمم ما أفسدته. إن باسم فرات يطلق صرخة تحذيرية لكل الأمم السائرة أن تتجنب ألغام الحروب لأنها " حقول" مغرية تؤدي الى الهلاك والدمار، هكذا تقف أسطورة الشاعر لتخلف عالماً يرفل بالسلام بعد أن أثقلت كاهله أعباء الحروب.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 25, 2018 7:41 pm