الشاعر وديع شامخ يحاور باسم فرات (حوار في كتاب تقديم الدكتور حاتم الصكر) (1-6)

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 494
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    الشاعر وديع شامخ يحاور باسم فرات (حوار في كتاب تقديم الدكتور حاتم الصكر) (1-6)

    مُساهمة  Admin في الخميس أكتوبر 28, 2010 3:31 am

    من مدينة الدموع إلى مملكة النشيج
    حاتم الصكر

    يقتسم هذا الحوار المطول ـ ستون سؤالا، أكثر من أربعة وعشرين ألف كلمة، في تسع وثمانين صفحة ـ مكان رمزي هو المغترب أو المنفى الذي آل إليه شتات العراقيين النموذجي.
    سركون بولص الذي تنعقد الأسئلة والأجوبة بمناسبة موته يأتي من أمريكا صوتاً أو صمتاً، ويتوجه سؤال وديع شامخ من أستراليا متسائلاً في الأغلب لا سائلاً، بينما تنطلق أجوبة باسم فرات من هيروشيما مغمسة برنين المدينة الكارثي: القنبلة الذرية في الحرب العالمية على أيدي القاتل ذاته الذي ستنزل من طائراته قنابل أخرى على مدن العراق، ولكن الأمكنة المتباعدة لا تعود لتعني شيئاً إزاء الأمكنة الغائبة ذات الحضور: كربلاء باسم فرات بمحمولها الفجائعي وأساطيرها وأنهار دموعها وفراتها الدامي الذي أخذه باسم إسماً شعرياً له، وكركوك سركون المتعددة الألسنة والثقافات أو العراق المصغّر كما يحلو للعراقيين القابضين على قلوبهم خشية الإحتراب حولها أن يسموها، وهنا في اليمن البعيد حيث أقرأ الحوار قبل نشره وأعلقُ عليه تلتقي أسهم المدن والأمكنة لتثير في القلب شجن التبعثر والتناثر والتمزق الذي إقترن بالوطن وساكنيه، وشعرائه في المقدمة.
    لكن الروح الديالوجية التي يرمز إليها مشروع الحوار تتجاوز الأمكنة المرتبطة بأزمان مختلفة لها وقعها على أصحابها والقراء معا: لقد كان باختين يختار دستويفسكي لحوارية رواياته أو روحها البوليفونية، ويرفض تولستوي لأنه مونيفوني ـ أحادي الصوت، لا تسمع أصوات خصومه أو أنداد أبطاله.
    يقف الحوار كعلامة على الحرية والتفكير الديمقراطي، إنه كما يُفترض أبرز مثيرات الفكر ومشجعات المراجعة والتيقن من الحدوس والأفكار بل أصبح الحوار من سمات خطاب ما بعد الحداثة ومن علاماته الفارقة التي تظهر بشكل عرض لرأي الآخر قبل بيان الرأي الخاص، هنا يمتد خيط حواري مع الآخر والذات في الآن نفسه، فباسم فرات منذ خروجه الإضطراري من الوطن عام 1993 لا يحمل للأمكنة ضغائن أو يحمّلها وزر نفيه ـ يصرح بحنينه لأمكنة عمل فيها بكدّ ليعيش كعمّان ـ. إنه يمارس حالة وعي ظاهراتي يُسقط فيها وعيه وشعوره على المكان ليشيده كما يحب. لكن أسطرة عجيبة تمت للحاضنة والمكان الأول الذي ظل معه في تنقلاته كحبل سري غير قابل للانتزاع.
    تمتزج في الحوار السيرة الذاتية والأفكار حول الشعر والتاريخ والمكان والإنسان مما يجعل القراءة ذات أطياف قزحية: ألوانها تثري الكلمات وتهبها حيوية هي حيوية جيل باسم الشعري، باسم لا يرى في التجييل إلا مظهرا لكسل النقاد!! لكن التجييل ـ الذي أؤمن به شخصياً وألجأ إليه في القراءة ـ هو تكتيك إجرائي لم ينفرد به النقد العراقي بل تم استخدامه في مراحل شعرية في العالم أيضاً. وللعراق مراحل ومحارق توزع ثقلها بتفاوت على أجيال الشعراء منذ الأربعينيات بوضوح حتى الألفية الثالثة، مما يبرر اللجوء إليه ـ أي التجييل ـ معياراً للفرز الفني أو الفكري. كثير من هموم جيل باسم الشعري ستنعكس كقناعات يثريها الحوار بالأمثلة المقرّبة والبليغة، تعليقاً على قول سعدي يوسف بصدد موت سركون بولص إنه كان الشاعر الوحيد، يرفض باسم صيغة الأوحد والوحيد والأمير والعميد، ويرى أنها إطلاقات لا تتفق وفهمه للثقافة، ولكن ربما كان تميز باسم في سَوْق المبررات، فهو لا ينطلق من ضغينة ما أو تحاسد فج، بل له من المستندات الثقافية ما يجعله يرفض تلك التعميمات الحصرية حتى لو جاءت في سياق تمجيد شاعر كسركون بولص استنزف دموعه وهو يرثيه ويستذكر لقاءاتهما ومكالماتهما الهاتفية، وثمة ما ينفرد به باسم ويعكسه الحوار: إنه لا يهرع إلى تاريخ وطنه الزاخر بالشواهد الحضارية ليجعل مفرداته ملصقات شعرية عبر الرمز أو التضمين الأسطوري بل يغور عميقاً في التاريخ الثقافي لبلاد ما بين النهرين في الحقب المختلفة، ويدهشنا هذا العكوف الحفري والتفسير المجتهد لأحداث بلاد وادي الرافدين التاريخية وتحولاتها ومسمياتها وما تعرضت له، ولشواخص إبداعاتها الروحية والثقافية والفنية واكتنازها الملهم، ولعل ما أثاره وديع شامخ المحاور الداعي أو المحفز للجدل والنقاش مع باسم في قناعاته تلك حول سمة المرثاة في شعر باسم مناسبة جيدة للقول إن خطابه الشعري نفسه يستفيد من تلك الروح المرثاتية التي لوّنت أدب وادي الرافدين وجعلت تسمية أرض السواد تلهب مخيلة الكُتاب والشعراء بما جرى على هذه الأرض من دم وما سالت من دموع حدت بباسم ليصف مدينته بأنها مدينة الدموع بل سيفيض ما يجري به نهرا العراق من الدموع لتصطبغ به المنافي أيضاً، ويتعدى حدود التسميات (إشارة إلى عنوان ديوان باسم الفجائعي: خريف المآذن) وليسقط على مدينة أو مدن أخرى يسكنها باسم بجسده بينما روحه تهفو للمكان الدمعي الأول بأساطيره وبشره وَجَوّهِ الأسَري الذي يستفيض باسم في استذكاره كمشغّل أول لوعيه الشعري رغم البؤس الذي عاشه والعنف المسلّط على وجوده وحريته ووعيه.
    لقد اشتغل باسم منذ صغره مصوراً فوتوغرافياً محترفاً، ولكن خلف ظلام غرف التظهير، وحيث تغرق وجوه الزبائن في الأحماض والماء وتظهر من بعد بملامحها المتعبة كان باسم يقتنص ويختزن صوراً شعرية ستكون لا عوناً له على حياة كريمة وفرتها مهنة التصوير كما قال، بل لتخلق أيضاً عالماً من الخيال والعواطف يمكن الإستعانة به لقراءة شعره.
    كثير من هموم الشعر وإشكالاته سيجدها القارئ هنا وسيعثر على نظرات للتراث والقطيعة المعرفية معه، وإشكالات قصيدة النثر التي يسميها شامخ إلهة الشعر العربي، والأنا والآخر وما بينهما من اتصال وانفصال، والشفاهي والمكتوب وتنافذ الأثر بينهما، وكلها إنشغالات تؤيد زعمنا بأن الشعر صار ملتقى لمعارف وخطابات متنوعة ولم يعد ذلك اللسان الغنائي والشاعري والبلاغات الهائمة والتراكيب العائمة..
    ولكن في مسألة الشفهي والمكتوب يغامر باسم بالقول إن المكتوب يؤثر في الشفاهي وهو ما استوقف محاوره ليناقشه فيه، وأحسب أن الفرضية مقلوبة تماماً فالشفهي يتمظهر في المكتوب ويورثه في الشعر خاصة تقاليد فنية لا نزال نعاني منها في كثير من القصائد التقليدية والخطاب الشعري المحافظ، بل نعاني منها على مستوى القراءة وتقبّل الشعر الجديد وقصيدة النثر خاصة، كونها لا تنتج بآليات تناسب التلقي الشفهي القائم على حد الموسيقى الخارجية.
    وربما دفع باسم لذلك الإفتراض ما يحسه هو من ضرورة تشرب الثقافة الأدبية والأسطورية لبلاد ما بين النهرين وهي ثقافات وآداب شفاهية أثرت حقاً الكتابة الشعرية الجديدة وأثّرت فيها.
    وإذا كانت الحداثة كما يرى باسم لا تهدم التراث ككتلة روحية، فإن نخبوية الشعر التي ركزت عليها دراسات الحداثة وعمقتها لا تعني عزله أو عزلته، بل تؤيد تفسير رؤيته الكلية من المتلقين التقليديين على أنه غامض وعصي وأنه دوماً بحاجة لشروح ودفاعات ومبررات.
    وربما كانت القصيدة الشَرَكَية التي يقترحها باسم ويرى في شعر سركون تجسيداً نصياً لها، ويشخص ما تجمع حولها من ادعاءات الانتساب إليها ما سيثير نقاشات كثيرة، فهي أبعد وأعمق من كونها مصيدة لوعي القارئ وإدراكه للشعر، وهي أمور تُحسب لهذا الحوار الذي يتجاوز النميمة ويتحدث بحب عن الأقران المكتوين مع الشاعرين في أتون القصيدة وأوهام التحديث وأحلامه الجميلة.

    صنعاء ـ تموز ـ 2008


    حوار في كتاب أجراه وديع شامخ مع باسم فرات


    س1: شهد المشهد الشعري العراقي، ظاهرة قد تبدو غريبة وهي ظهور الأجيال بأفق عشري سنوي، ماتعليقك على وجود الشاعر ضمن أفق الجيل؟ فهل تعده نعمة وصحة، أم إن ظهور الشعراء كأجيال يعد مثلبة، ولماذا؟

    الأجيال ظاهرة موجودة في الكثير من الثقافات والأمم، ولكن ليس بالقوة التي عليها في العراق، وهي ظاهرة من المفروض أن تكون جد طبيعية لولا إننا بالغنا فيها، فحين استوردناها، أضفنا لها نكهتنا الخاصة، وبما إن هناك الكثير ممن دافع عن الأجيال، وأنا لا أنكرها ولست ضدها تماماً، ولأني أؤمن بوجود إيجابيات فيها وقد أصبحت معروفة، فعليه أود أن أبين جوانب لم يتطرق إليها أحد من قبل حسب متابعاتي، وهي على كل حال وجهة نظرٍ لا أدعي إني مصيب بها تماماً، وهي الجوانب السلبية من الأجيال، أكرر على أن لا ننسى الجوانب الإيجابية التي أفاض بها غيري.
    أرى أن سلبيات الأجيال، نتيجة طبيعية لتَسَيّدِ النسق الثقافي البدويّ على الحياة المدنية، خصوصاً إذا علمنا إن ريفنا العراقي، لم يتخلص من تأثيرات البداوة عليه، كالعشائرية والثأر والفدية (الفَصل) وآلخ، ومع إزدياد هجرة الريفيين للمدن وللعاصمة بالذات، تكوّن تيار متعلم غالبيته تلقىّ تعليمه تلقينياً، وهذا التيار هو الذي فرض مفاهيمه على المجتمع، فأصبحنا عشائريين دون أن ندري، وأن أضفنا للعشيرة كلمات جديدة، مثل إبن مدينتي وإبن منطقتي و(إبن ولايتي)، وأما الصديق الذي ألتقيه في نفس المقهى فهو أصبح إبن جيلي. التقسيم العقدي، إن كان دليل كسل النقاد، فهو أيضاً دليل بدوية الشعراء أنفسهم.
    الشعر إبداع فردي بإمتياز، وعليه فهو خارج التكتلات، فكيف نرغمه على أن يكون تحت مظلة الجماعة والجيل. الشاعر الذي يعيش ويبرز في كنفِ الجيل، عادة ما يفشل في تحقيق ما سبق له أن حققه مع الجيل، حين تضطره الظروف للانفصال المكاني عن جيله، أو بمعنى آخر، إنه عادة ما تجف أدواته، وليس بمستغرب أن يصرح أحد أقطاب "جيل السبعينات" في العراق قبل فترة في حوار معه، "إن بطاريته فقدت شحناتها" لأنه شاعر لا يجيد التغريد خارج السرب، حتى لو كان تغريده الأهم والأوضح بين جماعته، إنها حقيقة غالبية الشعراء الذين إتخذوا من الجيل مظلة لهم.
    ولا ننسَ إن هذه الاجيال ساهمت بتزوير الوعي، من خلال روحها البدوية التي شجعت شعراء الإشاعة، على التغلغل، وهنا لا أقللُ من دور الأحزاب في دعم شعراء الإشاعة، فالبدوي الذي إبتكر فلسفته القائمة على أنصر أخاك ظالما أو مظلوماً، هو نفسه الذي سمح لشعراء الإشاعة وبسبب عصبية الجيل أو العصبية الجيلية، أن يكونوا ضمن ملفات في مجلاتٍ أدبيةٍ مرموقةٍ وفي إنطلوجيات، وكلي ثقة لولا ذلك لما حجزوا مقعدهم كشعراء جيدين، فمن تدعمه الأحزاب والحكومات، ليس كمن تدعمه جماعة شعرية من المفروض إن نياتها أدبية خالصة، وهو ما يوهم الكثير من الأدباء والصحفيين والقراء بأهمية شعراء الإشاعة أولئك، وعلينا ألاّ نغفل عن حقيقة وهي إن وجود القارئ المحترف ..القارئ الخلاّق، أقرب الى الندرة.
    شخصياً، لا أرى في العراق عدة أجيال، بل إن كان لابدّ من تجييل فجيل الرواد الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، حتى تأسيس الجمهورية، وجيل آخر، لم تتضح معالمه بشكل جيد إلا بعد إنقلاب الثامن من شباط 1963، وهو الأطول عمراً، فاذا كان الجيل الأول غيّر مسار الكتابة شكلاً، ولم يعد البيت المتناسق التفعيلات بصدره وعجزه، هو الطريقة المثلى للكتابة، فإن جيل ما بعد تأسيس الجمهورية، وبعد أن نضجت أدواته راح يُنَوّعُ ويُعَمّقُ خطابه الشعري، فأصبحت لدينا القصيدة المدورة، وقصيدة التفعيلة بدون قوافٍ، وخَفتَ صخب موسيقى القصيدة "الروادية"، وقصيدة النثر، والنثر المركز، والشعر الحرّ (من الأخطاء الشائعة مع الأسف إن الغالبية العظمى من المهتمين بالشعر كُتّاباً ونقاداً وقراءً يخلطون بين الشعر الحرّ وقصيدة التفعيلة في التسمية مثلما يخلطون بين الشعر الحرّ وهو ما نكتبه نحن الناطقين بالعربية وقصيدة النثر التي نادراً ما يزاولها الشعراء) والنص المفتوح ...والخ.

    س2: أنت تعني الشاعر زاهر الجيزاني على ما أعتقد، وما قاله الشاعر في حواره لجريدة الصباح العراقية، يمثل برأيي حقيقة مهمة، وهي التواصل الروحي والمكاني بين أقطاب العملية الإبداعية لخلق حالة من الحث والتأثير، تصبّ في الأخير لصالح المشهد الإبداعي عموماً .. فتخيل نفسك في بغداد أو في مدينة أخرى، وتحضر مهرجاناً للشعر صباحاً وفي الظهيرة تذهب بمعية أصدقائك من المسرحيين والنقاد والشعراء والتشكيليين وتنزوون في حانة أو مقهى لمناقشة القصائد وشؤون وشجون المشهد بتنوعه، على أمل العودة مساءً الى حضور مسرحية أو فلم أو معرض تشكيلي...وإلخ، هذا الفضاء أو المحيط كما أسميه أنا ضرورة لا غنى عنها لتوالد الأفكار والأعمال والإبتكارات، وهذا لا يعوضه كل إتصال عبر وسائل الإتصالات، رغم أهميتها وخطورتها الفائقتين.وهذا ما حصل في المشهد الإبداعي العراقي في مرحلة التأسيس أبان الأربعينات والخمسينات فترى الروائي والقاص في غمرة الحوار مع التشكيلي والنحات، مع المسرحي والسينمائي...إلخ، وهكذا نشأت أكبر قفزة نوعية في الحقل الإبداعي العراقي على المستوى الشعري والتشكيلي والمسرحي والسينمائي.
    نعم من عنيته هو الشاعر زاهر الجيزاني، وأنا لا أنكر دور هذا النشاط في الإبداع ولكن علينا ألاّ ننكر أيضاً مثلما أن ثمة مبدعين بالإشاعة، هناك أيضاً مبدعو المحفزات أو التحفيز أو سمها ما شئت، أي أنهم بدون هذه المحفزات التي ذكرتها أنتَ لا يبدعون، فهم يبدعون مع الجماعة ومن خلالها وربما يتفوقون على الجميع، وما إن أجبرتهم الظروف لترك حاضنتهم المحفزة لإبداعهم، حتى هجروا الكتابة تقريباً أو ضعفت أدواتهم، وهم برأيي غير أصلاء.
    هذه المحفزات جد مهمة للشاعر فعلاً، ولكنها تتحول الى النقيض إن أدمنَ عليها وتكون هي المحفز الأوحد له، فالأصدقاء والنشاطات لهما أهمية كبرى في البداية، والشاعر الحقيقي هو مَن يتجاوز هذه المحفزات، ويخلق عالمه الخاص، هذا العالم الذي يمكّنه أن يبدع في كل الظروف.

    س3: ما الفرق بين الأجيال والجماعات؟

    الأجيال تظهر في حقبة زمنية أقل تقاربية من الجماعات، وفي أماكن متنوعة، فثمة من ولد في كركوك وآخر في البصرة وثالث في الموصل ورابع في بغداد وإلخ، بينما الجماعات تظهر في حقبة متقاربة وفي مكان يكاد يكون واحداً، ومثاله جماعة كركوك، وحسب رأيي فإن من نسميهم بجيل الخمسينات والسبعينات والثمانينات إنما هم جماعات وليسوا أجيالاً، وللتوضيح أقول، إن كل من أرخ وكتب لهذه ""الأجيال"" ذكرها مترافقة مع علاقاتها الإجتماعية ولقاءاتها التي تكاد تكون في نفس المقهى وليس في نفس المدينة فقط، والتركيز دائماً على شعراء المركز، بينما أهملوا تماماً شعراء الأطراف، إلا من كان يتردد على بغداد وتربطه علاقات إجتماعية مع شعرائها ونقادها، إضافة الى عدم أخذهم نتاجات العراقيين المكتوبة بغير العربية بما يكفي من الجدية، وهذه مثلبة علينا أن نتجاوزها، رغم أن الجميع شارك في هذه المثلبة، صحيح إن اللغة العربية هي الأوسع إنتشاراً في العراق، وإن الأدب المكتوب بالعربية ربما من الإجحاف مقارنته بلغات كانت شفاهية الى ماضٍ قريبٍ، خصوصاً حين يترافق هذا مع عدم إتفاقٍ على تقعيد اللغة وتفصيحها، ولكن الواجب الوطني يحتم علينا ان يكون منجز جميع الشعراء منجزاً وطنياً، نحترمه ونعتز به، فهو دليل ثرائنا، ولكن ماذا نقول للقبائلية التي عششت في نفوس دعاة الحداثة من المطبلين للأجيال، وهل يعلم هؤلاء أنهم بتجاهلهم للأطراف وللنتاج العراقي المكتوب بغير العربية، قد ساهموا مع السياسي وإن بدرجة أقلّ في إحداث شرخٍ في روح المواطنة!.

    س4: هل إن مصطلح الهامش والمركز هو البديل الأفضل لموضوع تصنيف الشعراء، بدلاً من الأجيال، إذا ما علمنا أن الأجيال لعبة العواصم والمراكز؟

    لا أجدُ ضرورة في إطلاق أي تسمية على الشعراء، بل وعلى كل إبداع فرديّ، ولا أحبذ هذه المصطلحات، أكرر ما قلته سابقاً إن الشعر إبداع فرديّ ومن الخطأ أن يستظل الشاعر تحت أي مظلة ما، سوى مظلةِ إبداعه ومنجزه وإصراره، شرط عدم الركون الى الكسل واليقين، لأنهما يقتلان جذوة الإبداع عند الشاعر.
    الجيل، التيار، المجموعة والظاهرة.. إلخ ما هي إلا تسميات قبائلية الثقافة، وهو ما لمسته لدى أعضائها، فكل جيل يلعن الذي سبقه، وكل جماعة إن كانت في المركز وقد همشت أو كانت في الأطراف، وهؤلاء تقليدياً همشوا، الكل يقصي الكل، ويدافع عن قبيلته، وطبعاً لكي لا ينسى أنه سليل الثقافة القائمة على إلغاء الآخر، فهو يبرز نفسه على الآخرين الذين في مجموعته.
    البديل الأفضل لكل هذا هو الإنحياز للإبداع بغض النظر عن كاتبه، أنثىً كانت أو رجلاً، مبدعاً مغموراً أو مبدعاً نجماً، من القرية أو القصبات النائية، أو ممن يعيشون في قلب المركز.
    متى ننظر للمنجز قبل النظر للإسم وللجيل وإلخ.

    س5: ما أهمية البيانات التي رافقت الحركة الإبداعية فردياً وجماعياً، في تطور مسيرة الشعر العراقي؟

    البيانات حالة صحية بكل تأكيد، ولكنها لا تصنع شاعراً، وأغلب هذه البيانات كتبت قبل نضوج التجربة، وإلا كيف تكتب بياناً وأنت شاعر في أولى خطواته، بينما البيان كما أراه يجب أن يستند الى تجربة عملية يتم فيه تطبيق مفرداتها، أو بالأحرى أن تكون دعوة البيان وحيثياته متساوقة مع التجربة والمنجز، بينما أغلب البيانات مرحلية (موضة) ربما هناك من أفاد منها، ولكنها ليست بذات أهمية كبيرة في تطور مسيرة الشعر العراقي.

    س6: هل تعتقد إن وجودك كشاعر في المشهد الشعري العراقي الراهن كان بسبب من وجود حاضنة إنتميت إليها، أو كان نتيجة جهدك الذاتي، وفي كلتا الحالتين..هل أنت سعيد أم نادم؟ ولماذا؟
    لم إنتم لحاضنةٍ ما، وأكرر ما قلته سابقاً وهو إنني أغردُ خارج السرب حتى في قراءاتي وسلوكي، وهذا لا يعني عدم وجود أصدقاء لي وكنا نلتقي دائماً ولي ذكريات معهم، بل كنا جميعاً ـ وهذه شهادة للتاريخ ـ نحجّ لبيت عرّابنا الشاعر محمد زمان، وكنت أصغرهم سناً,ولكننا لم نكن جيلاً، بل حتى إني لا أجد شبهاً بيننا وبين جماعة كركوك، ولا أعني من حيث القوة الإبداعية والتأثيرية، بل من حيث التواصل الإجتماعي والمعرفي، والإعلامي، فجماعة كركوك بينهم خلافات، ولكنهم لاينكرون إنهم جماعة، بينما نحن ربما لم يخطر في بالنا إننا نُشكّل جماعة أدبية .
    هو جهدٌ ذاتيٌّ ومحاولة دؤوب في الإنكباب على مشروعي الشعريّ، والشعر يستحقّ مِنّا أن نُكَرّسَ له أكثر من حياة، كما كان العزيز سركون بولص يُرَدّد.
    هل أنا سعيدٌ أم نادم، عندما تؤمن إن الشعر يستحق فعلاً أن تكرسَ له أكثر من حياةٍ، وإنه إبداع وخلاص فرديّ، وإن الأيديولوجيات تمتص رحيقه، وتحوله من كائن سماويّ روحيّ، الى عبد ذليل لها، وإن الإدعاءات والأكاذيب لن تصمد أمام جوهر الشعر، وحين تكون متعتك الحقيقية هي في الكتابة والمغامرة للإمساك بجوهر الشعر ولُبِّهِ، فبكل تأكيد لن تندم لكونك لم تكن ضمن جيل أو حاضنة، بل سوف تبقى سعيداً بأنك خارج التصنيف.
    الطير الذي يُغردُ خارج السرب، هو الأكثر تعرضاً لفضول العيون وتأمّل العقول.

    س7: ما رأيك بالخبرة والعمر في تعضيد المنجز الإبداعي؟
    الشعراء صنفان، صنف يعطي ما لديه مرة واحدة، وهو في مقتبل العمر، ويبقى يجترّ كتاباته، ولكثرة النشر يقضي على منجزه، وهناك قلة قليلة تصمت، ما أن تجفّ الينابيع في عوالمهم الشعرية، وأشهرهم وربما أنبلهم آرثور رامبو، أما الصنف الثاني، وهم الغالبية العظمى من الشعراء وربما نسبتهم أكثر من تسعين بالمئة، فتطورهم يكون طبيعياً ومنجزهم يعتمد على الموهبة والقراءات الواعية والتجارب، وكما هو واضح لنا إن التراكم المعرفي والتجارب تحتاج الى سنوات وسنوات.
    شخصياً ومن خلال تجربتي مع قراءة الشعر، وجدت إن عدد الشعراء الذين كتبوا نصوصاً شعرية جميلة بل مهمة دون سن الثلاثين بسنوات، يكاد يكون من الندرة بحيث لا يعدون، وأعني بالنصوص الجميلة والمهمة، تلك التي لا نتجاوزها بسهولة، وتبقى علامات مضيئة في تجربة شاعرها والقارئ على السواء، عكس المنجز المكتوب من نهاية العشرينات، بل هناك الكثير من الشعراء حققوا طفرات رائعة في تجاربهم بعد سنّ الثلاثين.
    الخبرة والعمر عاملان مُهمّانِ في تعضيد المنجز الإبداعي، بلا أدنى شكّ، ولكن حين يتوفران لمبدع حقيقيّ.

    س8: هل تعتقد إن نشاطك التداولي والإجتماعي كإنسان مع شبكة معقدة من مجتمع النخبة والمبدعين..أثر في إنتشار نصوصك؟

    لا أستطيع أن أجزم بالنفي تماماً، فالإنسان كائن إجتماعي، ولكني لا يمكن أن أغفل عشرات الرسائل التي وصلتني من شعراء وأدباء يسألونني إمكانية الحصول على مجاميعي الشعرية، وتكون دهشتي بعد مدة حين يخبرني أحد الأصدقاء إن مقالاً عن إحدى مجاميعي نشر في الوسيلة الإعلامية الفلانية، أو أن أفتح الحاسوب وأقرأ مقالاً عني في مكان ما.
    لا أتذكر إني نشرتُ نصاً، ولم أتلق على الأقل رسالة إن لم تكن عدة رسائل، كما أن إضافتي من قبل الكثير من الأدباء على "الماسنجر" لدليل آخر، ولكن تبقى جدية النصوص هي الحكم، ويبقى المستقبل هو الفيصل.
    الشعر نخبويٌّ حتى في مجتمع النخبة والمبدعين نفسه، ولهذا تبقى عملية الإنتشار نسبية، علماً إن عدد الأصدقاء الذين نتداول النصوص فيما بيننا ونتحدث عن الشعر وما ينشر ونتبادل الآراء حول قصيدة ما أو شاعر ما لا يزيدون على أصابع اليدين.
    وتبقى أهم وأخطر مسألة تؤرقني هي كتابة قصيدة أتجاوز فيها ما كتبت، قصيدة لا تكون رقماً هامشياً يضاف لهذا الكم الهائل من القصائد التي تكتب يومياً.

    س9: هل تعتقد بضرورة تسويق الشاعر لنفسه؟

    وهل هناك شاعر لا يسوق لنفسه؟، حتى عندما يعبر عن عدم إكتراثه بشعره أو بالآخرين، أو حين يتهم الآخرين أنهم يلهثون وراء الأضواء، أو يتخذ من الخمر واللاأبالية واللاأخلاقية طرقاً لحياته، أو يحيط نفسه بعزلة إسطورية كما فعل البريكان.
    التسويق للذات لا أراه معيباً، إن لم يكن على حساب الشعر نفسه، وعلى ألاّ يتحول الى هدفٍ وغايةٍ، وكانت سبله لا تؤدي الى الإساءة للشعر والشاعر.
    التسويق للنفس ليس منقصة إن كان لا يتضمن إدعاءات وأوهاماً وتضخيماً للأنا، وإلغاءً للآخرين، مع الإيمان إن النجومية لا تخلق شاعراً، يصمد أمام القارئ المحترف.

    س10: الرسالة الشعرية تحتاج الى أطراف حقيقية لإيصالها؛ المرسل ـ الرسالة ـ المرسل إليه/ فضاء الإتصال، في وقت ظل بعض المبدعين العراقيين خاصة أسرى أوهامهم ونرجسيتهم متذرعين بجواب أبي تمام لسائل سأله: لم لا تقول ما يُفهم؟ فقال له "لم لا تفهم ما يقال؟" أو يعتقدون إنهم شعراء مستقبليون ولا يمكن أن يُفهموا الآن، وهذا يؤشر قصوراً في الإستخدام الأمثل للمتاح من الوسائل الحديثة في الإتصالات، كما إني لا أحبذ أن ينزل الشعراء والمبدعون عموماً الى خانة التلقي السطحي، بحجة أنهم معنيون بالجمهور ولابد من تلبية رغباته وطلباته، ما تعليقك؟

    بما أن الشعر نخبوي بل هو لنخبة النخبة، أقول هذا لأني لاحظت الكثير من الروائيين والقصاصين..إلخ لا يميزون في الشعر كما لا يميز الشاعر في الرواية والقصة والمسرحية أحياناً، فليس كل شاعر متبحر بالسرد وليس كل سارد متبحر بالشعر، فالشعر إذن عليه ألاّ ينزلق لما يريده منه جمهور غالبيته العظمى يعتقد إن الشعر هو ذلك الكلام الموزون المقفى، وفي ذات الوقت لست مع الإغراق بالغموض والمجانية اللغوية اللذين تشعر معهما إنك أمام هذيان لنصف متعلم يستعرض فيه ما تعلمه، كاشفاً عن جهل يدعو للشفقة.
    نعم الشعر رسالة، ولها مرسل ومرسل إليه، ولكن الكتابة بحد ذاتها ضرورة وحاجة، بل إن الشعر غاية بحد ذاته إن لم يكن غاية الغايات، فنحن نشعر بحاجتنا الماسة للكتابة فنكتب، وليس نجلس ونضع أمامنا الورقة ونقول الآن سوف نكتب قصيدة، وبما أن الكتابة حاجة ماسة، وإختيار الشكل والموضوع ضرورة، وإسمح لي أن أتحدث عن تجربتي المتواضعة مع الكتابة.
    أغلب ما أكتبه يترجم للانكليزية وينشر فيها قبل أن ينشر باللغة العربية، ومنذ الحادي والعشرين من آيار1997 وهو يوم وصولي لنيوزلندا، وأنا بعيد عن الجمهور العربي، وإشتركت بأكثر من مئة وخمسين أمسية وندوة ومهرجاناً، نادراً ما كنت ألمح عراقياً أو عربياً، لم أفكر في يوم ما أثناء الكتابة أن أتوجه لقارئ بالإنكليزية، بل لم أفكر بأي جمهور، عراقياً كان أو عربياً أو إنكلوسكسونياً، لحظة الكتابة عندي هي لحظة منقطة عن العالم تماماً، ومُكرّسة للكتابة لاغير، وعندما أقول لا أفكر بأي قارئ أو جمهور، هذا لا يعني إني لا أبالي نهائياً بأي جمهور، وإلاّ لم أنشر وأقيم الأمسيات الشعرية والخ ولكن عنيت إنه في لحظة الكتابة التي هي حاجة روحية بالنسبة لي، لا يخطر على بالي أي شيء إن كان القارئ العربي أو الإنكلوسكسوني أو النشر او الإلقاء الخ.

    س11: لكل كاتب طقس معين لكتابة إبداعه، ما طقسك الأثير قبل الدخول الى غابة النصوص؟

    لكل نصّ أجواءه الخاصة، وتجربته المميزة، ولكن أهم هذه الأجواء هي العزلة والإنقطاع عن المحيط، وفي كثير من الأحيان يسبق كتابة القصيدة الشعور الحاد بالخذلان، والخسارة، ومن خلال التجربة، بدأت أشعر حين تأتي علامات القصيدة، أقول تأتي، لأني أؤمن بالعفوية، فهي من يمنح النص روحه الوهاجة، حيث إنني لم أجرب الجلوس أمام الورقة أو الحاسوب وأقول عليّ الآن أن أكتب قصيدة، هذه ليست طقوس كتابة شعرية وإنما مزاولة حرفة ما.
    بعض القصائد تأتي على شكل ومضة، أعني أنها حين تحاصرني، أكتبها في جلسة واحدة وكأنني أنقل من ورقة أمامي، ولكن بعض القصائد تعيش معي لأيام وربما أسابيع، صحيح إن كتابتها متقطعة ولكنها معي، تتملكني تماماً، بحيث لا أجد منها فكاكاً وكأنني مجذوب، حتى أنهيها على الورق، وفي كلا الحالتين وبعد الإنتهاء من كتابة القصيدة، أشعر بفرح غامر، وكأني كنت محاصراً والآن مسكت حريتي بيدي، أو كأني كنت في منازلة وإنتصرت بها، ولهذا أكرر ما قلته سابقاً إن الكتابة تعيد التوازن الى روحي.

    س12: لكل كاتب مرجعياته الفكرية والروحية والحياتية، ما أهم المصادر التي حددت مسارك العام ككاتب، ومن هم أهم الكُتاب الذين تأثرت بتجاربهم وحذوت حذوهم أولاً؟

    ثقافتي عراقية خالصة مع إطلاع لا بأس به على منجزات الآخرين، فمن جلجامش حتى آخر شاعر عراقي، وفي النقد والتاريخ وبقية الدراسات، قرأت لمعظم الشعراء العراقيين والنقاد والأدباء عموماً، والبيئة العراقية حياتياً وثقافياً وفكرياً المنفتحة على جميع البيئات الآخرى، هي مرجعيتي، وعندما أقول عراقي، أو عراقية، إنما أعني نتاج جميع الأقوام التي سكنت العراق، وهو مايجعلني قريباً للثقافة الشرقية من خلال الأقوام الشرقية التي هاجرت الى بلدي، مثلما أجدني على تماس مع الحضارة الغربية من خلال الإغريق والرومان وغيرهم ممن دخلوا بلدي، ولست بصدد تحديد نوعية الدخول والهجرة.
    نشأتي في مدينة دينية، رغم إنغلاقها المذهبي، ولكنها منفتحة على الآخر، علمتني أن أحب التنوع وأغرف من كل نبع وأتزود بثقافة موسوعية، فكانت قراءاتي للشعر العربي القديم وشغفي به لا تقل عن قراءاتي للشعر الحديث بكل تنوعه، ففي مكتبتي تجد دواوين شعر لكل العصور، مثلما تجد الشعر المترجم، ولهذا أميل لكل شعر حقيقي، وبما إني أجيد القراءة، بمعناها الثقافي، ولا أؤمن بالتأليه في الشعر، فعليه تنوعت مرجعياتي، ولابد من ذكر مسألة ذات أهمية وهي إني كنت منذ نعومة أظفاري أتساءل عن سر شاعرية فلان وعن أهمية منجز الآخر، ومرجعياتهم، مما منحني شغفاً في قراءة منجزهم جنباً الى جنب مرجعياتهم، وهذا ما نفعني حقاً، ليس في تنوع قراءاتي وموسوعيتها فقط، بل في عدم وقوعي في فخ العبودية التي أرتكبها البعض، وكأننا لسنا شعراء وإنما مراهقون، يؤلهون نجمهم أو نجمتهم المفضلة.
    في جلسة ضمتني مع آخرين من أقراني وكنت أصغرهم سناً، في بيت شاعر وكاتب مسرحي من مدينتي، بل هو قريبي، سألوني: من تأثرت، فعددت أسماء ثلاثة شعراء، هناك من إستغرب قولي، بينما إستخدمت العدد ثلاثة، كرمز للجمع، لأني وكنت حينها دون سنّ العشرين بسنوات، أردت القول: أنا في مرحلة إيجاد الخصوصية، وإني لم أتخلص بعد من مؤثرات قراءاتي المتنوعة، وفي ذات الوقت، أحببت أن أوحي للسامعين، إنني أجيد قراءة شعراء عديدين وليس شاعراً واحداً، وهو ما حدا بي أن أقول في حوار معي بعد عشرين عاماً من هذه الحادثة: أنا شاعرٌ وثنيّ في الشعر".

    س13: نشأتَ في مدينة عراقية تحمل صفة المقدس عند طائفة الشيعة في العالم أجمع لاحتضانها مرقدي الإمامين الحسين والعباس أبناء الامام علي بن أبي طالب، ما أثر الطقوس والتقاليد الشيعية الحسينية على تجربتِكَ، وقد تلمسنا مثل هذا الاثر، في ديوانكَ "خريف المآذن" كما في غيره من النصوص ؟

    البيئة لها تأثيرها في الإنسان، لا في الشاعر فقط، والنشأة الأولى تبقى هي البوصلة مهما تمردنا عليها، ونشأتي في مدينة تعجّ بالطقوس الإسلامية ذات الصبغة الشيعية، والتي أخبرتنا كتب التاريخ وعلم الآثار، إن لها إمتداداتها وجذورها التاريخية بما كان يجري من نواح على تموز ومن بعده على كبير آلهة بابل مردوخ ومن ثم على السيد المسيح.
    هذه الطقوس تغلغلت الى نصوصي كنتيجة طبيعية لأني إبن هذه البيئة مع قراءات جيدة لما تمثله هذه الطقوس، ولقد كنت أحسب نفسي غادرت هذه المنطقة والمؤثرات، نتيجة لإبتعادي عن المكان ولكثرة إحتكاكي بثقافات عديدة، ولكن هذه المؤثرات مازالت رغماً عني، حيث كتبت قصيدة "سليل" في نهاية عام 2006 وهي قصيدة ليس فيها المؤثرات الكربلائية فقط وإنما هي خلاصة شعرية قصيرة لواقعة كربلاء ولكل التاريخ المبني على الواقعة أيضاً.

    س14: هل تعتقد أنك الآن في مرحلة النضوج الفني والإسلوبي؟ وما أهم محطات تجربتك الشعرية؟

    مَن يعتقد نفسه قد وصل الى مرحلة النضوج الفني والإسلوبي، فقد إنتهى، بل طالما شعرت بالإحباط أو الإشفاق على من يرى نفسه قد وصل، أو شَعَرَ بالرضا عن نفسه، النضوج الفني والإسلوبي، مستويات، بل هو مصطلح مطاط مثل معظم بل أغلبية المصطلحات، وما تراه اليوم نضوجاً فنياً وإسلوبياً قد لا تراه غداً، أو قد تصل إلى مرحلة أعلى بعد عدة أعوام، فترى ما كتبته سابقاً ليس بالمستوى الذي يؤهلك لتقديمه، وشخصياً لي قصائد كتبتها قبل سنواتٍ، الآن أتردد في نشرها مرة أخرى.
    بكل تأكيد هناك أكثر من محطة، ولكني أعتقد إن المرحلة الهيروشيمية هي الأهم، ولكن لا يمكن التغاضي عن مرحلة الثمانينات، حيث القراءات والإندفاع بكل حميمية وبداية تشكلي، هذه المحطة أو المرحلة التي استغرقت عقداً كاملاً ونيفاً، كانت مليئة بالقراءات والإكتشافات والإندهاشات والذهول، وهي الحجر الأساس لما تلاها من محطات.
    محطة أخرى، لا يمكن إغفالها وهي الممتدة بين نهاية الإنتفاضة 1991 حتى سقوط بغداد، وهي المرحلة التي ضمت كل ما إحتوته مجموعتاي الأولى والثانية، وقسماً مما تضمنته مجموعتي الثالثة "أنا ثانيةً" أما المرحلة التي تلتها فهي كانت تمهيد لمرحلة هيروشيما.

    س15: لم أعنِ بالنضوج الوصول الى التمام أوالكمال، بل قصدتُ أن لكل شاعر ذرى وقمماً وسهولاً في مسيرته، وأنت في تجربتك القصيرة زمنياً، هل لك أن تتمتع بجرأة الإشارة الى نصوص أو مجموعة معينة تؤشر هذا الإختيار النوعي، أو بعبارة أخرى لو طُلب منك أن تقوم بإحراق شعرك وتختار فقط مجموعة منه، فمنْ تعفي ألسنة النار من إلتهامه؟

    قصيدة عواء إبن آوى، تعتبر أول ذروة أعتز بها، وقد كتبت في عام 1992 في كربلاء، وقصيدة 1/3/1967 وعبرت الحدود مصادفة ذروة اخرى وكتبتا في وقت متقارب في عَمّان ــ الاردن 1995، وبعض القصائد القصيرة التي كتبتها في نيوزلندا مثل "أنا"و"أبي"وغيرهما لما فيهما من شغل مختلف، وأكبر ذروة لحد كتابة هذه السطور هي مجموعة من القصائد اليابانية، إبتدأت بقصيدة الساموراي التي هي أول ما كتبت في هيروشيما، وذلك في تشرين الأول 2005، أما إحراق شعري فلا أدري هل أكرره أم لا، خصوصاً وقد كررته مراراً في بداية حياتي الشعرية عندما كنت طالباً في المتوسطة وفي الإعدادية، حيث كنت أصعد الى تنور جدتي على سطح دارنا وأرمي دفتراً لكي أبدأ من جديد، ولم أتذكر من قصائد تلك الفترة، أي فترة التنور إلا مقطعاً صغيراً من إحدى قصائدي، وكان أحد الأصدقاء يحفظها، وقرأها أمامي قبل خروجي من العراق.

    س16: خارج الشعر، هل لديك إهتمامات كتابية أخرى؟ لم أشاهد لك رأياً مكتوباً على شكل مقال أو دراسة في ما يدور حولك في المحيط الإبداعي عموماً والمحيط السياسي؟
    الكتابة مسؤولية كبيرة، وهي ليست نزهة، بل موقف أخلاقي وحضاري، وكثيراً ما أسأل نفسي ما الذي تضيفه كتابتي، شعرية أو نثرية ، والفرق بين نشر الشعر وعدم نشر النثر، هو العادة، نعم العادة هي التي تجعلني أنشر ما أكتب رغم إن مدة طويلة تمر عليّ أحياناً قبل نشر القصيدة، ولكن هذا لا يعني إني لست مقصراً في الكتابة النثرية، التي من المفروض أن أكون أكثر جدية فيها وتواصلا.
    الكتابة عن الإبداع، ربما وفي ظروفي الحالية، لا أجدني مؤهلا لها، فذائقتي الشعرية، هي ذائقة أطلق عليها بالذائقة المَرَضية، أو البخيلة، حيث مفهومي للقصيدة الجيدة قائم على مدى ما تمنحني إياه من متعة تجبرني على إعادة قراءتها، وهذا جد نادر أمام هذا الكم الهائل مما ينشر حالياً، كما إني لا أتعاطف إلا مع النص الذي يمنحني لذة قراءته، وبهذا فلا أظنني أصلح لأن أكون ضمن لجان التحكيم في المسابقات الشعرية، في الوقت الراهن على الأقل.

    س17: هذا إعتراف ماكر وجميل في آن واحد. ولكنه لا يعفيك من أسئلة لاحقة قد تتطلب منك كرماً باذخاً في تشريح الاخرين اسماءً ونصوصاً؟

    نعم هو إعتراف، وسمّه ما شئت، ماكراً وجميلاً، ولو ضربنا مثلاً عن المحيط السياسي، فثق إن أكثر من تسعين بالمئة مما يكتب هو إساءة حقيقية للعراق، كما أن سعة وموسوعية قراءاتي لتاريخ العراق، أوصلتني الى نتيجة مفادها إن من يريد أن يكتب عن تاريخ العراق أو عن همه السياسي، أو عن أي فئة سكانية فيه، فعليه أن يكون متبحراً في الشان العراقي، وكمثال على ما أقول طائفة اليزيدية، هذه الطائفة ومن خلال بحثي عنها (أملك ستة كتب عنها في مكتبتي الخاصة) ومن خلال قراءاتي لتاريخ العراق، أكتشفت إنك لكي تفهم هذه الطائفة حقاً عليك أن تقرأ تاريخ جميع الأديان والمذاهب في العراق والمناطق المجاورة، وكذلك تاريخ جميع الفئات اللغوية والمناطقية، المحيطة بها وعلى إمتداد مئات الأميال أحياناً عن أماكن تواجد اليزيدية، فكتب مثل تاريخ الكنيسة الشرقية وتاريخ يهود العراق وتاريخ الصابئة المندائيين وتاريخ الاشوريين بعد سقوط نينوى...إلخ، أفادتني عن اليزيدية، أي ليس فقط الكتب الستة التي في حوزتي، بل جعلتني ألتقط إلتقاطاتٍ مهمة عنهم، وإحدى هذه الالتقاطات التي تعد شبه مجهولة، هي أن اليزيدية في منطقة سنجار، ليسوا أصلاء كما يحاول البعض أن يصورهم، بل جاءوا قبل بضعة قرون من منطقة شمال شرق العراق، مما نسميه اليوم بمحافظة السليمانية، نتيجة هطول القبائل الكردية من أعالي الجبال ومن الجانب الايراني، بعد ان تشيعت إيران في القرن السادس عشر، هذه الالتقاطة ليس فقط يجهلها الجميع، بل هناك من يحاربها ويريد الغاءها، لأنها تفضح ما وراء الأكمة.
    اذن الكتابة وبما أحمله من معلومات تتناقض مع ما يُطرح على الأغلب الأعم، سوف يوقعني بمآزق كثيرة، تجعلني أخشى الإنجراف وراءها، عن التركيز على مشروعي الشعريّ الذي نذرت حياتي له، وهذا لا يعني إني لا أشعر أحياناً بتأنيب الضمير، بسبب صمتي على ما يشيعه العقل السياسي العراقي الذي أراه يستنسخ بعضه بعضاً.

    س18: يبدو لي تشدقك بموسوعيتك ورميك الآخرين بالجهالة اتهاماً ضمنياً وواضحاً لك، في قصورك أو تقاعسك عن الكتابة، رغم تأنيب الضمير الذي تدعيه، حول الظواهر التي تتسيد في الراهن العراقي الآن، ألا تعتقد أن الكتابة الشعرية لا تكفي المبدع العراقي الآن أن يكون شاهداً حيّاً على مرحلة التحول الكبرى في حياة مجتمعنا، وأين أنت من المثقف العضوي بحسب المفكر الايطالي "أنطونيو غرامشي" الذي طرح مشكلة المثقفين في المجتمع واعتبرها أساسية وأكدَ بأن كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني‘ ولكنهم لا يملكون الوظيفة الإجتماعية للمثقفين. وحدهم المتعلمون جداً أو أصحاب الكفاءات الفكرية العالية يمتلكون هذه الوظيفة ويستطيعون بالتالي التأثير على الشعب. ثم يميز غرامشي بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي. ويقول بأن الأول يعيش في برجه العاجي ويعتقد أنه أعلى من كل الناس، في حين أن الثاني يحمل همّ الطبقات الكادحة وجماهير الفقراء.

    لم أدع الموسوعية في كل شيء أما إذا كنت تقصد موسوعيتي بتاريخ العراق، فلم أكن أتشدق بها كما تقول لولا الجهل الفادح لأغلب مثقفينا بهذا التاريخ، ولكوني أجريت ما يشبه الإستبيان مع عدد كبير من الأدباء وهالني مارأيت، وكنتُ سكتّ عن هذا الجهل بإعتبار ليس كل مثقف مطلوب منه التبَحّر بتاريخ بلده، لولا أنه (الجهل) تَسَبّبَ بتدمير البلد، فنرجسية الأديب العراقي تفرض عليه ان يدعي العلمَ بهذا التاريخ، وكم قرأت أو سمعت أدباء يصرحون بأمور لاتقلّ هلاكاً عن حماقات السياسيين العراقيين الذين قادوا العراق الى التهلكة، أدباء لم يسمعوا بكتاب مشكلة الموصل للباحث القدير فاضل حسين، والذي يعدّ أفضل من تناول مشكلة الموصل على الإطلاق، وإذا بهم يصرحون إن العراق وطن إصطنعه الإنكليز ضاربين بعرض الحائط كل حقائق التاريخ والجغرافيا والآثار، التي تؤكد أن شمال العراق جزء تابعٌ للوطن العراقي منذ قرون وقرون، ومن أجل منافع آنيةٍ يذبحون الوطن عموماً وسكان شمال العراق الأصليين، ويجردونهم من هويتهم وأرضهم، ليقدموه الى جزء من السكان هم الأحدث سكناً فيه والأقل فاعلية وحراكاً ثقافياً ومنجزاً مَدنياً في تاريخ المنطقة، وليس العراق فقط.
    وإستناداً الى أعلاه أقول: منذ بدأتُ رحلة القراءة، وأنا أبحث في مرجعيات كبار المبدعين الذين شغفت بهم إبتداءً بأبي نؤاس والمتنبي والمعري مروراً بعشرات المبدعين الذين تعلمت منهم، وليس انتهاءً بسركون بولص، والغالبية العظمى من هؤلاء كانوا يملكون ثقافة ممتازة، وليس صدفة إن المدهشين من المبدعين العالميين يملكون ثقافة ومعلومات ثرّة عن تاريخ بلدانهم، فلو أخذنا عربياً الشاعر أدونيس، وقراءاته الغنية لتاريخ العراق ومنطقة الهلال الخصيب عامة وسوريا خاصة، سوف نجد أتباعه ومريديه وقراءه، لا يملكون عُشر ثقافته، وكذا ينطبق الحال على قراء ومريدي غبريال غارسيا ماركيز وبورخس..وإلخ، فواحدة من أكبر مشاكلنا إن الوسط الأدبي والاعلامي العراقي لا يقرأ تاريخ العراق بصورة صحيحة، فهناك من يتصور إن قراءته لتاريخ البلد القديم كافٍ، وآخرون يتصورون إن المسألة لا تعنيهم، وفئة ثالثة تعتقد إن التاريخ يسرق الشاعر من الشعر، وهكذا وجدنا أنفسنا فعلا أكثر الشعراء جهلا بتاريخ بلدهم، وما ينطبق على الشاعر ينطبق على الجميع، فأوجد هذا الجهل العرمرم، ساحة خصبة لإشاعة ثقافة الإلغاء والإقصاء، أو ما تسمى بالشوفينية، فنحن لا نعرف أن نؤمن إن وطننا مشترك، ولهذا قامت الحكومات المتعاقبة لفرض ما تؤمن به، وفي المقابل نجد المعارضة خطت لها مشروعاً لا يقل شوفينية عن مشروع الحكومات، إنه صورة لا تقل قتامة عن مشروع الأنظمة، فلم نجد إلا الإقصاء للاخر والإستيلاء على أرضه، ومقابل تزوير النظام السابق للتاريخ قامت المعارضة بخلق تاريخ يتفق وتوجهاتها ضاربة بعرض الحائط حقائق التاريخ والجغرافيا، وهنا سوف أستشهد بما كان يردده على مسامعي الراحل سركون بولص بقوله: "كل متاحف العالم الكبرى تشهد لمن هذه الأرض، ولكني أؤمن إنها أرض مشتركة ولا يحق لأي فئة أن تنسبها لنفسها، إن كانت تملك آثاراً ملأت المتاحف أو تملك ميراثاً مكتوباً ومخطوطات بما يملأ رفوف مكتبات، أو كانت لا تملك هذا ولا ذاك، فهي أرض الجميع وللجميع" وحين كنتُ أخبره عن بعض الناطقين بالسريانية ممن يؤمنون بنقاء عرقهم ودمهم، رغم مرور آلاف السنين على الإمبراطورية الآشورية، ومرور أكثر من 26 قرناً على سقوطها، ورغم كل وثائق التاريخ التي تؤكد أن الملوك الآشوريين كانوا يجلبون أعداداً كبيرة من سكان البلدان التي يغزونها، ويسكنونهم في العراق، ويطالب هؤلاء المتطرفون أما بأقامة دولة لهم أو منطقة حكم ذاتي، ويصرون على إعتبارهم أنهم الوحيدون سكان العراق الأصليون، كان يقول "العراق للجميع، وأربيل ونينوى وكركوك ونوهدرا وغيرها مناطق مشتركة وهي ملك الجميع وليست لفئة دون أخرى، ومن العار إطلاق تسمية عنصرية عليها تحيلك الى فئة سكانية، لغوية أو دينية أو مذهبية، وإنما هي هكذا ورثناها عبر قرون طويلة، وهي جزء من العراق التاريخي". انتهى كلام الراحل سركون بولص، وأنا أتساءل هنا: لماذا الإصرار على أن تكون هذه المدن المذكورة أعلاه جزءاً من اقليم يصطبغ بتسمية عنصرية شوفينية، ولا تكون مناطق مشتركة للجميع، متى نتعلم العيش المشترك، وما قيمة دعاوانا ونحن نرفضه إلا إذا كان على مقاساتنا، وغيرت أسماء المناطق الى لغتنا أو ثقافتنا؟.
    كيف تكتب؟ والكل يجترّ مشروعاً إلغائياً للآخر، أنزلوا صور من عارضوه ورفعوا صورهم، كانت لدينا صورٌ كثيرة لشخص واحد، والآن لدينا صور كثيرة لعدة أشخاص، ثقافة الصورة هي هي. كان النظام السابق يصنف الأدباء الى مرتدين وموالين، والآن يُصَنّف من يؤمن بثوابت الجغرافيا معتمداً على حقائق التاريخ، التي لا تؤكد ثبات معالم الأقليم العراقي وحدوده فقط بل تؤكد إن العراق بلد جاذب للآخرين أيضاً، وإن أهله غير متعصبين دينياً، فالكلام المأثور "إن أهل العراق لا دين لهم ولكن لديهم كرامة" يوضح هذا، ومعنى لا دين أي لا تعصب، مما جعل التزاوج بين سكانه جد شائع، وهو ما نلاحظه بتنوع الأشكال والسحنات.
    النظام السابق فرض أكاذيب وزوّر، واللاحقون يصرون على نفس النهج، فالفيدرالية هي بين بلدين وليست بين بلد موحد، وأغلب مدننا تغيرت تركيبتها السكانية بعد إكتشاف النفط، ألسنا أقدم بلد في العالم؟، وبدل تحسين المستوى المعاشي وتنمية الإقتصاد، وتعويض ضحايا الحروب والعنف والنظام السابق، وعدم تكرار إخطائه، وإعتماد سياسة واقعية عقلانية، عادت الكثير من المظاهر التي كانت مستخدمة قبل التاسع من نيسان 2003 فكوبونات النفط أخذت صيغة أخرى، وأطفال الحروب، بدل أن يتسللوا للجامعات والوظائف، تسللوا للمليشيات وصاروا عمودها الفقري، وحلبجة التي كان يجب أن تكون رمزاً لعدم تكرار العنف والتطرف والإنتقام وفرض سياسات شبيهة بما جرى في الثمانينات والتسعينات، تحولت هذه المدينة الشهيدة الى إستثمار عقائدي متطرف لإبتزاز العراق كله.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 22, 2018 3:45 am