الشاعر وديع شامخ يحاور باسم فرات (حوار في كتاب تقديم الدكتور حاتم الصكر) (3-6)

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 489
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    الشاعر وديع شامخ يحاور باسم فرات (حوار في كتاب تقديم الدكتور حاتم الصكر) (3-6)

    مُساهمة  Admin في الخميس أكتوبر 28, 2010 10:58 am

    س34: يعرف الجميع أن الشاعر والمفكر العربي علي أحمد سعيد "أدونيس" قد فَجّرَ سجالاً طويلاً في كتابه الثابت والمتحول عن الحداثة العربية وإشكاليات الاتباع والإبداع إذ يقول "" لا يمكن أن تنهض الحياة العربية، ويبدع الإنسان العربي إذا لم تنهدم البنية التقليدية السائدة للفكر العربي، ويتخلص من المبنى الديني التقليدي الاتباعي ".، ولقد استمر الرجل في تبني مفهوم الحداثة شعرياً، وقد جاء في كتابه زمن الشعر " يمكن إختصار معنى الحداثة بأنه التوكيد المطلق على أولية التعبير، أعني أن طريقة أو كيفية القول أكثر أهمية من الشيء المقول، وأن شعرية القصيدة، أو فنيتها هي في بنيتها لا في وظيفتها"، ولكنه في " الشعرية العربية "، الذي يعد امتدادا للثابت والمتحول يحصر أوهام الحداثة في عدة محاور وهي" 1 ــ وهم الزمنية الذي يتمثل في ربط الحداثة الشعرية باللحظة الراهنة، أي التعبير عن قضايا معاصرة؛2 ــ وهم الإختلاف عن القديم، وذلك بتناول ماهو جديد من الأفكار واختيار صيغ مخالفة للصياغة القديمة دون أن تكون شعرية حقيقية نابعة من الذات؛
    3 ــ المماثلة مع الغرب، وذلك بتمثله والإقتداء به لتأسيس الحداثة الشعرية.ويعني هذا أن الغرب هو مصدر الحداثة، فلا حداثة خارج الشعر الغربي ومعاييره، أي لا حداثة إلا في التماثل مع الغرب؛4 ــ التشكيل النثري والمقصود به أن يتمرد الشاعر عن البنية الإيقاعية الخليلية ويتمثل الكتابة النثرية لخلق الحداثة الشعرية، بينما هناك نصوص إيقاعبة أكثر حداثة من القصيدة النثرية، والعكس صحيح أيضا؛5 ــ الاستحداث المضموني كما نجده عند شعراء النهضة كأحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومعروف الرصافي، وذلك حينما تناولوا المخترعات الجديدة بالوصف كالسيارة والقاطرة والثلاجة والطائرة"… ويختم أدونيس بالقول "" فليست الحداثة أن يكتب الشاعر قصيدةً ذات شكل مستحدث، شكل لم يعرفه الماضي، بل الحداثة موقف وعقلية، إنها طريقة نظر وطريقة فهم. وهي فوق ذلك وقبله ممارسة ومعاناة، إنها قبول بكل مستلزمات الحداثة: الكشف، والمغامرة، واحتضان المجهول." ما فهمك للحداثة في الفكر والشعر العربي ؟


    الحداثة مصطلح مطاط كباقي المصطلحات، بل ربما يكون مع مصطلح "حق تقرير المصير" أكثر مصطلحين تعرضا للاشكالية واختلاف الفهم والتفسير وعدم الدقة.
    أتفق مع الراحل سركون بولص في قوله إن مفهوم الحداثة يختلف من شخص الى آخر، فهذا كلام فيه الكثير من الدقة والواقعية، فلا يمكن أن تتطابق نظرتي تماماً وفهمي لها مع نظرتك وفهمك لها، كما إنها بكل تأكيد تختلف مع الشخص المتدين، الذي يقيس كل شيء بمدى تطابقه أو على الأقل عدم تعارضه مع قوانين معتقده، إن كان هذا الدين سماوياً أو وضعياً أي الايديولوجيا.
    ماذكره أدونيس هو تطوير وتعميق لما ذكره عباس محمود العقاد قبله، حيث كان الأخير يأخذ على الاحيائيين، فهمهم القاصر للحداثة، لأنها ببساطة تعني ألاّ تسمح لنفسك وموهبتك أن تتحول الى مستنسخ ومُلصِق جمل وعباراتٍ تحت مسميات الحفاظ على التراث والوفاء للسلف وما أبدعوه، الحداثة تستخرجك من ظلمات الماضي الى آفاق المستقبل، وفيها ترى ذاتك، مبدعاً بالغاً وحكيماً لأنك لا تحتاج الى مَن يدلك على نمط كتابيّ لتنظم على منواله، فالحداثة لا نظمَ فيها، وإنما كتابة ابداعية اجتراحية وليست اجترارية.
    الحداثة لا تهدم التراث، فالتراث باق وله رونقه، ولكنها تضيف له، بل إنها عملية ضخ الروح في أنساقنا الثقافية، والثقافة هنا بمعناها الحقيقي الشامل لكل شيء من ملبس ومأكل ولغة ونمط تفكير وما جرى عليه العرف...إلخ، فهذه الأنساق في الكثير من فروعها أصبحت تستهلك نفسها وتجترّ ماضٍ كان في يوم ما ذهبياً، وهو كذلك في زمنه، ولا يمكن بعثه، لأن الأموات لا يبعثون، وإنما علينا جميعاً أن ننقد الماضي كما الحاضر، مع انفتاح حقيقي على منجزات الشعوب الأخرى شرقاً وغرباً، وبدون حساسية وتخوف، على شَرطيْ الهضم والتمثيل لا الإستنساخ الساذج.
    هناك من يرى الحداثة غزواً ثقافياً غربياً لنظمنا الثقافية، ويتخوف منها، ويتهم المشتغلين بها بشتى التهم، أخفها ربما الإبتعاد المبالغ فيه عن التراث، أو أن دعاة الحداثة يعيشون في أبراج عاجية، تمنعهم من قراءة حركة المجتمع ناهيك عن التفكير، بينما هي ضرورة من ضرورات سيرورة التاريخ، ولا يمكن الاّ أن نمرّ بها إن عاجلاً أو آجلاً، ولو نظرنا الى ستين عاماً خلت، سوف نرى أن لا أحد كان يصدق أن شعر التفعيلة سوف يصبح كلاسيكياً اليوم، وأن "قصيدة النثر، والقصيدة الحرة، والنص المفتوح، والومضة" قد انتشرت بشكل جماهيريّ إن صح التعبير (الشعر فنٌّ نخبويٌّ، والجماهيرية هنا تعني أن هذه الانواع من الشعر أصبحت مقبولة حتى من قبل مَن لا يمارسونها) وكتّابها اكثر من كُتّاب العمود والتفعيلة.
    شخصياً لست مع استنساخ التجربة الغربية أو سواها، وإنما مع تعريب الحداثة، أي بمعنى أن نجعلها تلبس لبوساً عربياً، كما فعلت اليابان حين ألبست الحداثة الاوربية لباساً يابانياً، والعروبة هنا ليست عرقاً، حيث لا وجود لعرق عربي نقيّ، وإنما العروبة هي ثقافة ونسق معرفي وفضاء حضاري متكامل اختلطت مع جميع ثقافات المنطقة وتزاوجت معها وتكَوّنَ نتيجة ذلك ما ندعوه بالثقافة العربية والعالم العربي، وهذه الثقافة حتى في مراحلها الأولى لها تاريخ طويل مع الترجمة والتأليف والعمارة والنظم الثقافية عموماً، فعمر الترجمة يزيد على الألف وأربعمائة عام، وهناك إشارات تؤكد أن ترجمة لأسفار وأجزاء من العهدين القديم والجديد تمت قبل ظهور الإسلام، حيث إن العرب الذين تزايد اعتناقهم لليهودية والمسيحية في غمرة إزدياد حاجتهم لدين، وتنافس المبشرين من كلا الدينين بينهما قد تعلم بعضهم السريانية والعبرية وترجم ما شاء له أن يترجم للغة الضاد.
    فتعريب الحداثة، إذن هو تطويعها لتتلاءم وروحية العالم العربي، وهذا لن يتم ونحن اما منبهرون بها وأما رافضون خائفون منها، ما نحتاجه هو التعامل العقلاني مع الحداثة، لأن كلا الأمْرين، الأنبهار والرفض تتحكم بهما العواطف، بينما الحداثة منهج علمي صارم، لايؤلّهُ الأشخاص والكل تحت مشرط النقد، لأجل الإندفاع نحو الإمام وإرتياد المجهول بحثاً عن مناطق لم يطأها العقل والفكر والخيال الانساني.
    الحداثة هي موقف فكري يشمل السياسي وغيره، وعليها أسست معارضتي لنظام الحكم في بلدي، وهي معارضة لنسق ثقافي يحكم البلد، وليس لأشخاص ما أن يزاحوا عن كرسي الحكم حتى أقبل واتفق مع القادمين الجدد، موقفي السياسي يختلف عن موقف أكثر من تسعين بالمئة ممن عارضوا النظام السابق، وأثبتوا أنهم عارضوا لعدة أسباب لا يوجد بينها معارضة النسق الثقافي الذي تَحَكمَ في أجهزة الحكم على إمتداد عشرات السنين، عارضوا لأجل المعارضة لاغير، عارضوا لأنهم تضرروا من النظام السابق وهاهم ينعمون بخيرات النظام الحالي في جزء منهم على الأقل، عارضوا لأن نشأتهم العقائدية فرضت عليهم معارضة الحكم المختلف معهم أما لغوياً أو دينياً أو مذهبياً أو سياسياً، عارضوا نتيجة الإشاعة، أي تأثراً بالأهل والأصدقاء، وعليه فأنا معارض، ما زال النسق الثقافي الذي عارضته لم يتغير.
    وما ينطبق على السياسة بكل تأكيد ينطبق على باقي مناحي الحياة، مثل الدفاع عن حقوق المرأة، والطفولة، والبيئة، وحقوق الإنسان....الخ.

    س35: يرى محمد اركون أن خروج الغرب من عباءة العصر الأصولي المسيحي المتزمت أصبح ممكناً بفضل تضافر ثلاثة عوامل متزامنة ومتلازمة هي التالية: أولاً سلسلة متلاحقة من الثورات العلمية والثقافية. ثانياً ظهور طبقة بورجوازية ديناميكية تتبنى بحماسة هذه الأفكار الجديدة التنويرية. ثالثاً إندلاع ثورات شعبية مؤطرة جيداً وقادرة على الإطاحة بالنظام العتيق القائم، كالثورة الفرنسية، ويضيف أن هذه العوامل لم تتوافر في ايّ مجتمع عربي أو إسلامي، وبالتالي أن الثورات الدينية التي قامت في الشرق كإيران لم يطرأ على أفكارها أي تجديد أو تطوير منذ مئات السنين. والآن في العراق نلاحظ شيوع وطغيان المد الديني من كل أجناسه وفرقه المعتدلة أوالمتطرفة، ألا تراه عاملاً يحول دون التوصل الى حداثة المجتمع العراقي بأكملها والاخلال في وجود نسق ثقافي عام؟

    مشكلتنا في أنساقنا الثقافية التي تربينا عليها، وليس في شيوع وطغيان المدّ الديني فقط، هذه الأنساق التي فيها الكثير مما لا يصلح لبناء دولة مَدَنية معاصرة، حيث المواطنة هي القيمة العليا.
    أحزابنا كلها دينية حتى مَن تلفع بعباءة اليسار، أو عباءات أخرى كالقومية والحرية والوطنية والانسانية والانفتاح، أو بمعنى آخر، ولمن يطرب كثيراً للمصطلحات الرنانة، أقول مَن تلفع بعباءة الليبرالية والديمقراطية ...الخ، فنحن نَعبد الحزب، والحزب يُسَخّر لعبادة إلهه الواحد الأحد، الذي هو رئيسه، وما يصدر عن الرئيس والحلقة المحيطة هي آيات إلهية، يجب الأخذ بها وعدم مناقشتها، وبفضل أنساقنا الثقافية (هنا لا أعني إلغاء هذه الأنساق كلياً ولكني أشير فيها الى السلبيات التي أرى ضرورة نقدها وتعريتها لنتخلص منها لأن النقد سبب مهم لنهضتنا) وبفضل العقل السياسي العراقي، تحولنا الى شعب يُزَور كلّ شيء ابتداءً من نسبه الذي يصر الجميع على نقاوته مهما اختلفت لغتهم، وليس انتهاءً ببطاقات الانتخابات مروراً ببيانات الولادة لإلغاء تنوع مدن عريقة عرفت بتعدديتها اللغوية والدينية والمذهبية، وتحولنا الى شعبٍ إلغائي، فنحن لا نحتمل فكرة ان الوطن بكل أجزائه للجميع، لا نحتمل أن تكون بغداد والبصرة ونينوى وأربيل وكركوك ونوهدرا وبعقوبا وغيرها مناطق مشتركة للجميع وليست جزءاً من أقليم شوفيني عنصري أو إقليم طائفي بغيض، بفضل هذه الأنساق وبفضل العقل السياسي العراقي، اتخمنا بمفاهيم تنبذ الآخر، ورغم إدعاءات الجميع بالمظلومية، ولكنهم يمارسون نفس أخلاقيات ظالمهم، فالضحايا هم صورة طبق الأصل، ان لم تكن أسوأ من جلادها أحياناً، لأن الثقافة واحدة.
    هل وجدتَ حزباً أو حتى مجموعة أدبية تفخر بالعراق ككلّ، أي بثرواته الروحية والمادية والثقافية عموماً، وأنعكس هذا على نتاجها ونشاطها، مَن منا طالبَ بتأليف كتاب الأدب العراقي، القديم والوسيط والحديث، ليتم تدريسه في المدارس؟ كي يعرف كل عراقي أن في وطنه أدباً كتب بلغات أخرى غير لغته، وان نسيم بغدادي وفضولي وعبدالله كوران وغيرهم من شعراء وأدباء، عراقيين يجب أن نحتفي بهم، كما نحتفي بالمتنبي والجواهري والسياب وسواهم.
    أما الحديث عن المنجز العراقي المكتوب بالسريانية فلا تَسَعَهُ صفحات وصفحات ولكني سوف استشهد برأي العلامة نِسِل حين يقول: "ومن الكتابات والنقوش التي عثر عليها في بابل ونينوى حديثاً يتضح أثر اللغة السريانية في عشرة قرون من القرن الرابع الى القرن الرابع عشر في العلوم والآداب والطب والفلسفة والدين"بينما معظمنا يكاد لا يعرف سطراً واحداً عن هذا المنجز وأهميته، ويجهل غالبيتنا ان نينوى وأربيل وكركوك ونوهدرا وعينكاوا وإلقوش وتلسقف وتلكيف وعشرات الأمكنة التي تُزيّن شمال عراقنا، قد منحت العراق أفذاذاً في كل المجالات، وعلى مدى تاريخه، بينما توحدت جهود الفرقاء مذهبياً ولغوياً على تغييبهم، هذا التغييب الذي ساهم مساهمة فعالة في ما آلت إليه الأمور، ولا ذنب لهؤلاء سوى انهم يختلفون عنا عقائدياً، انهم دليلنا الناصع على حقيقة العراق ومنطقة الهلال الخصيب،
    وبرغم عشرات الأدلة على تسامحنا وأولها تزاوجنا واختلاطنا، ولكن ما حدث في الحرب العالمية الأولى وما سبقها على امتداد ثلاثة أرباع القرن، وما تلاها ليومنا هذا، من مجازر وتغييب وتضييق واختطاف فتيات، زاد من فجائعيتها أن ما تعرض له الأرمن قد غطى على مظلومية هذه الفئة التي بلا جدال هي من أقدم سكان منطقة الجزيرة وأعالي دجلة والفرات الأقدم، وزاد الغبن مقتلة أنهم والأرمن يشتركون في عقيدة واحدة، وهو ما جعل الشائع بين الناس أن مجازر للمسيحيين حصلت، وهي الحقيقة ولكنها ليست كاملة، اذ تم قتل أكثر من ربع مليون إنسان، من الفئة التي ساهمت أكثر من غيرها في الحضارة العربية الإسلامية، والتي توزعت على صفحات قرآن المسلمين كلماتها ومؤثراتها الحضارية.
    ومن المفارقات الغريبة، إن السريان الذين كانوا يملأون منطقة الهلال الخصيب سهلا وجبلاً، راحوا يدعون انتسابهم لمضعفيهم الفرس حين اشتدت عليهم وطأة الأمويين، حتى قال الشاعر فيهم:
    وأهلُ القرى كلهم يدّعون بكسرى قباذ فأين النبط
    أنساقنا الثقافية، خير حاضنة لتفريخ الطغاة، والاقصائيين، فلا فرق بين عامل وفلاح وعتال وبين أستاذ جامعي وأديب مرموق وشاعر معروف، الكل يتساوى في الروح البدوية، فان كنت قوياً سليط اللسان، أبدى الجميع لك مظاهر الاحترام، أما الهدوء والتواضع والتهذيب الجم، فكلها أدلة ضعف وجبن، وهنا يتم الغاؤك وإقصاؤك تماماً مهما كان منجزك وأهميتُه، هذا الأمر يصلح قياسه على مستوى الأفراد وعلى مستوى المجتمع العراقي، فهل رأيت جمعية الأخوة أو الصداقة العربية التركمانية، أو العربية السريانية أو العربية الشبكية أو اليزيدية أو الفيلية أو الأرمنية، لأن هذه الفئات لا تملك مالا وسلاحاً وشكيمة وسلاطة لسان متمثلة بجيش الاعلاميين الذي يَسِمُ كل عراقي بالشوفينية العروبية، لمجرد أنه يؤمن بتاريخية العراق ووحدة أراضيه، وبحقائق المنجز الثقافي، وبالبديهية التي تقول إن العراق مثله مثل كل دول العالم المتوسطة والكبيرة أو التاريخية أو ذات الموقع المهم والمميز، هو خليط من أعراق وأديان شتى، وإن غالبية مدنه وخصوصاً الشمالية مختلطة ومتشابكة، وبسبب موقعها الجغرافي الذي منع أنهارها من التشتت وتغيير المجرى كما حدث في مدن الجنوب، فقد تعاقبت عليها الأقوام والحضارات، اذن هذه المدن للجميع وليس لفئة واحدة فقط، وأسأل: أما آن الأوان لمشروع عالميّ يعيد جميع الناطقين بالسريانية في العالم الى أراضيهم التاريخية حيث أربيل وسهل نينوى وكركوك ونوهدرا؟.
    أعجب لمن يدعى الإنسانية والتحضر والمَدنية ولا تهون عليه مظالمه ومعاناته، أمام ما تعرضت له محافظات البصرة وميسان وذي قار، من ظلم واضطهاد وتهميش وتخريب لإنسانها وأرضها وتاريخها وبيئتها وتراثها، وهي التي مدت العراق والحضارة العربية الاسلامية بمواهب وكفاءات نادراً ما اجتمعت في منطقة بمساحتها وتعدادها السكانيّ.
    لقد ساهمت هذه الأنساق الثقافية في خلق الانتهازية، التي أصابت معظم الناس إلا ندرة الندرة، وإن كانت هذه الانتهازية تتفاوت من فئة الى أخرى، وخير شاهد هي الرواتب والمكافآت والهدايا والدعم الذي كان ينفقه النظام السابق على مؤيديه، وها هم أمراء الطوائف يقومون بالفعل ذاته، فمن يُطبل للفيدرالية على مقاسات هؤلاء الأمراء، ويكتب بما يتفق مع دعاواهم حتى لو كانت باطلة، وهل هناك أكثر بطلاناً من الدعوة الى تقسيم البلد، بينما جُلّ ما يحتاجه الناس هو الخدمات والأمان والكرامة والضمان الإجتماعي والتأمين الصحي والتعليم العصري الذي يواكب التطور المذهل والسريع الذي يجتاح العالم، بما يجعلهم يعيشون بمستوى إنساني يليق بهم وبالثروات التي تملأ عراقهم.
    نحن أبناء ثقافة شفاهية، وإن كانت الشفاهية متغلغلة في جميع المجتمعات، ومجتمع الشفاهية مرتع خصب للإشاعة، وخلق الأساطير والأصنام، وبهذا يتم تهميش وتكفير من يرفض هذه الأصنام، وما يجري الآن لهو دليل على ما أذهب إليه، فما إن دارت عجلة الإعلام الضخمة لتفرض على مسامع الناس إن العراق يتكون من السنة والشيعة والأكراد، حتى رأينا أعداداً غفيرة ممن يُطلق عليهم بالمثقفين، يؤكدون الإشاعة هذه بتماه عجيب، بل إن بعضهم راح يؤكد أن السنة والشيعة يجب معاملتهم كأثنيتين، لا كمذهبين، مقارناً إياهما ببلدان تختلف تماماً عن الوضع العراقي، جاهلاً أن غالبية شيعة العراق تشيعوا مؤخراً، نتيجة لتحول العثمانيين الى جباة ضرائب، وإستخدام الشباب كوقود لمعاركهم الفاشلة، ولأن التشيع عراقيّ موطناً وثقافة وتاريخاً، وهو ما يجعله يلتقي مع حاجات شريحة كبيرة جداً من أهل العراق الروحية، فلم يجد صعوبة في الانتشار السريع، على عكس القبائل العراقية التي دخلت العراق مؤخراً من الغرب والشرق والشمال، فهي لم تستقبل التشيع الا بوجه متجهم، لأنها لم تتشرب بعد بالميراث العراقي، وأما التواجد السُّنّيّ في شمال العراق فهو في غالبيته العظمى حديث العهد لايرقى الى أكثر من عدة أجيال سبقت الحرب العالمية الأولى، باستثناء الموصل وبعض البؤر الأخرى التي ارتبطت بعلاقة تفاعلية مع الحكومات المتعاقبة منذ العباسيين وحتى يوم التاسع من نيسان 2003 المُروّع.
    وهناك مَن راح يردد مقولة مدفوعة الثمن، وهي إن العراق وطن إصطنعه الانكليز، ملمحاً الى أن ولاية الموصل هي لفئة واحدة، مستغلا الشفاهية التي يعاني منها مجتمع الثقافة والفنون والاعلام والسياسة في العراق والمنطقة، ناكراً حقيقة أن ولاية الموصل متعددة اللغات والأديان والمذاهب، وأن عاصمتها وهي مدينة الموصل، عربية منذ ما يزيد على عشرين قرناً، وانها كانت أحد مهود المسيحية التي انطلقت منها الى حدود الصين، وحين جاء الاسلام ظلت محافظة الى وقت قريب على سيادة المسيحية العربية والتسنن العربي، وما لهجتها التغلبية التي غرفت من السريانية فتميزت عن باقي مدن العراق، مع آثارها وميراثها إلا أدلة على شفاهية أغلب مثقفينا وانتهازية بعضهم، وشوفينية وعنصرية دعاة اصطناع العراق من لدن الانكليز.
    اذا كان تزاوج المسيحيين عرباً وسرياناً فيما بينهم في العصرين الأموي والعباسي، نتيجة طبيعية لانتشار الإسلام بطرق شتى، فان تزاوج المسلمين الجدد من عرب وسريان وغيرهم حدث بتلقائية، لأن الدين لا يميز بالعرق والحسب، ولأنها سُنة الحياة أن يحدث التصاهر والتزاوج بين الناس بغض النظر عن أصولهم العرقية، فصار العراق كأكبر بلد جاذب للبشر، متنوعاً حتى ترى في العائلة الواحدة الأسمر والاشقر والأحمر، بينما يصرّ القوميون باختلاف مشاربهم على النقاء العرقي، مثلما يرفض اتباع الديانات الإعتراف بأن دينهم نتيجة لالتقاء وتعاشق المعتقدات الأخرى، وإن كل بيئة تفرض على سكانها ثقافتها وميراثها، ولهذا نحن بحاجة ماسة أن ندعو الى التفاخر بتنوع أصولنا لغوية ودينية ومذهبية ومناطقية، وأن في سلوكنا العقائدي تشابكاً ثقافياً.
    ماجرى في العاصمة بغداد، يؤكد ما لايقبل الشكّ أن العقل الإستحواذي الإنتقامي الإلغائي البدوي هو السائد، نعم إنه صراع البداوة (سهلية وجبلية) ضد المدنية العراقية، فاذا كانت شاشات الفضائيات نقلت لنا دخول الغوغاء الى قلب بغداد يعلنون إنتصارهم وإنتقامهم من تبغدد عاصمتنا، متزامناً مع دخول الجيش الأمريكي الذي بلا شك يتحمل المسؤولية كاملة عمّا جرى، فهو في جوهره ردة فعل على تهميش فئة بدوية أخرى لهم على إمتداد أربعين عاماً وشهرين من حكم القوميين العرب، كانت تتبختر على جسد العراق معلنة وبكل صلافة إنه ملكها وهي صاحبة الفضل على العراقيين لأنها ألبستهم أحذية وملابس داخلية، مسقطة فقرها وعوزها المادي والأخلاقي على الشعب، أما محافظة نينوى فبالرغم من تنوعها ولكن مركزها عربي سُني – مسيحي، وثقافتها كذلك، وبدل أن يثبت وارثو النظام السابق انهم يحملون عقلية مَدنية مناقضة لعقلية مَن سبقهم، نراهم استحوذوا على المحافظة، كما استحوذت الأحزاب الطائفية في البصرة على نفطها ومينائها ملغية بقية الطيف البصري من المشهد بأكمله، والفرق أن الطائفة التي تنتمي لها هذه الاحزاب تشكل غالبية ولها ثقلها الثقافي والتاريخي المميز في البصرة بينما على النقيض تماماً مَن استحوذ على الموصل"بيث عربايا" حسب أدبيات اللغة الآرامية، هو أقلية لا تملك جذوراً في المدينة العربية وارثة تراث الحضر العربية والآرامية ومالئة متاحف لندن وباريس وغيرهما بآثارها الآشورية.
    الإشاعة والشفاهية من أسوء نتاجات أنساقنا الثقافية، وهما عمقا التخلف والظلم والإساءة للآخر، فتمّ تسقيط فئات واسعة من المجتمع العراقي بسببهما، فهذه فئة غبية لدرجة التندر لكي لا تشارك بالحكم الذي استأثرت به فئة دون سواها، وهذه فئة ولاءاتها خارجية وليست عراقية، فتم تهميش ثلاثة أرباع العراقيين، لأن فئةً ولاؤها لإيران وأخرى لتركيا وثالثة بسبب مسيحيتها أصبحت موالية للغرب المسيحي، ورابعة نعتت بالجيب العميل، ولم توضع الدراسات والبحوث لمعرفة هذه الفئات ومشاكلها وتاريخها وإيجاد الخطط لدمجها بالحكم، وفي المقابل راح التعصب الذي سيطر على شريحة واسعة من العراقيين، ان تمادى بحبه وولائه لبعض الشرائح المهمشة، على حساب الوطن وبقية شرائحه، فراح يساند الحركة السياسية لهذه الفئة بدون وازع وطني وأخلاقي، يضع خطوطاً حمراً تشمل: ان وحدة التراب الوطني مقدسة كما هي في كل بلدان الأرض، خصوصاً حين تكون المناطق مشتركة ومختلطة، والفئة التي تمّ التعاطف معها لا تملك تاريخاً فاعلاً ومميزاً وعريقاً فيها، بل أن بعض الفئات المهمشة تملك ما لا تملك تلك الفئة المتعاطَف معها من قبل بعض العراقيين المحسوبين على تيار يدعي التقدمية والديمقراطية، وبدل البحث عن الخلل بكلّ تجلياته المربكة تنادى الجميع تقريباً، لأعلان البيان رقم واحد، وإن اختلفت طريقة إعلان هذا البيان، ولكن جوهره وخلفيته الثقافية واحدة، إن كان على ظهر دبابة عراقية أو أمريكية أو كان القطار أمريكياً أو ايرانياً أو مصرياً أو روسياً (سوفيتياً) أو تركياً، أو شاحذاً من جميع مخابرات الدول المعادية للعراق لكي يسمح لأوهامه وشوفينيته أن تتمدد على أكبر قدر من الجسد النديّ للبلاد.
    السياسي يعلم تماماً أن المثقف العراقي (أديباً، اعلامياً، أستاذاً جامعياً، منظراً سياسياً) لا يقل عنه فقراً وجهلاً بتاريخ العراق، مثلما لا يقل عنه انتهازية في الغالب الأعم، بل يعلم أن هذا المثقف مثله ما زال صريع هذه الأنساق، التي ما زالت البداوتان السهلية والجبلية ترفرفان عالياً في صدارة مشهدها، وعليه فهو لا يخشى هذا المثقف، بل هو استخدمه لضرب وتسقيط المثقف الملتزم، والنافر على التصنيف، المثقف الذي وعى أن السبب ليس الطاغية والدكتاتور ورجل الدين والقائد التاريخي والقيادة التاريخية والمرجعية والبطل القومي... إلخ، بل السبب في الأنساق الثقافية التي أنجبتهم، وجعلتنا نراهم في القمر، وحولناهم الى أصنام تعبد من دون الوطن.
    من خلال بحثي في مرجعيات وسير الأدباء الذين قرأت لهم، لم أجد أديباً واحداً يدعو الى تقسيم بلده بحجة حق تقرير المصير، وأنا أتحدث هنا عن الامريكيين والفرنسيين والالمان والخ، بل دائما كانوا يؤمنون بوحدة التراب وقدسيته التي لا تقل عن قدسية الانسان، لأنهم يَعون أن التقسيم أو إضعاف المركز لا يحقق العدالة الإجتماعية التي يسعون لها، ولا يوقف القبح، والحل هو تنمية الوعي عند الناس، الوعي بحقوقهم التي هي حقوق الوطن نفسه، وإن دولة المؤسسات والمواطنة، هي القادرة على خلق الشفافية والإنتصار للمواطن بالقدر نفسه الذي تنتصر فيه للوطن، فيصبح الإنتصار لأحدهما انتصاراً للآخر، بينما نحن ضحايا الشفاهية والإشاعة، بل عبيدهما، جحدنا الوطن وحقوقه، وبدل التعالى على خطاب الطاغية الذي أوهمته أمراضه وأنانيته من أنه الوطن والوطن هو، وأن خدمته والإنصياع له هما معيار المواطنة، رحنا نجترّ خطاباً ينطلق من ذات الدائرة التخريبية التي لا تنتج إلا ضحايا ونعرات الكراهية بين أبناء الوطن الواحد.
    علماً إن العراق يكاد، مع بضعة بلدان أخرى، يحمل أقدم خارطة أتفق عليها معظم البلدانيين والمؤرخين، ولولا المجازر البشعة التي أرتكبها أتباع مذهب الخليفة وأغواته ممن يؤمنون بذات العقلية التي ميزته والتي أرادت التخلص من الآخر المختلف معهم في الدين والمذهب، لما تغيرت التركيبة السكانية لشمال العراق لصالح جنود الخليفة وحملة سيفه البتار.
    النسق الذي لا يُميز بين مفردتي " أكره "و" لا أحب " (هذه تجربة جرت لي مع مثقفين معروفين في الوسط الثقافي العراقي) رغم ما بينهما من بون شاسع، وينسى الذي لا يفرق بينهما أنه ينهل من ذلك المعين العدواني الذي يصرّ على أن مَن ليس معي فهو ضدي، وبهذا تنغلق الدائرة على نفسها، وتتضح حقيقة العقل السياسي العراقي وأنساقنا الثقافية.
    إن دراسة ونقد وتحليل الأنساق الثقافية التي قادت الوطن والمواطن الى المجهول، وحولت العراق من أكثر بلد جاذب للهجرات الى أكثر بلد طارد لأبنائه، ووضع تعريفات أقرب للدقة لكل الأمور من الحرية الشخصية الى حقوق وواجبات المواطنة ومفهومها وتنمية الروح المرنة عند الناس، فإذا رفضتُ شيئاً فلا يعني ذلك إني أكرهه بالضرورة، وتوضيح خطورة مفردة "الكراهية" علينا، لأنها تقود للإنتقام والتلذذ به، كما إن تحديد بقية المصطلحات السياسية الأخرى ودراسة تأثيراتها السلبية، وإعادة النظر في مناهجنا التدريسية، ومحاربة الشفاهية والإشاعة...الخ، لكي ننهض بهذا الوطن، بعيداً عن الشعارات القومية الرنانة والدينية المخدرة.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين مايو 21, 2018 9:07 am