الشاعر وديع شامخ يحاور باسم فرات (حوار في كتاب تقديم الدكتور حاتم الصكر) (5-6)

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 494
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    الشاعر وديع شامخ يحاور باسم فرات (حوار في كتاب تقديم الدكتور حاتم الصكر) (5-6)

    مُساهمة  Admin في الخميس أكتوبر 28, 2010 11:22 pm

    س43: الرصافي والزهاوي شاعران يمثلان ظاهرتين مهمتين في الحركة الثقافية العراقية التجديدية منذ أوائل القرن العشرين، وإنهما أسسا لثورة حديثة في الأوساط السياسية والإجتماعية والثقافية شعراً ومشروعاً ثقافياً، هل تعتقد انهما كانا فعلا من أصحاب المشاريع التنويرية في الشعر والفكر والثقافة، الزهاوي في منحاه الفلسفي والرصافي في طروحاته اللغوية والفكرية العميقة؟

    بلا شك، خصوصاً لو نظرنا الى الحقبة التي ظهرا فيها، في مجتمع نسبة الأمية فيه جد عالية، صحيح أن الكثير من طروحاتهما وما أنجزاه، تجاوزها الزمن بحيث، لا يمكننا أن نتخذها مثالاً يحتذى به، ولكن أكرر مسألة الزمن الذي طرحا فيه أفكارهما، فمن كان يتجرأ ويدعو للسفور، بل مَن له الجرأة في ذلك الزمن المحافظ جداً، أن ينتقد عقائد الناس وما توارثوه، ويسخر من منكر ونكير ويناقش النبوة. الزهاوي ابن العائلة الدينية التي لها تاريخها، يدعو للتحرر، والاستفادة من منجز الحضارة الغربية، ويثور على القافية، فيكتب الشعر المرسل، وما مطولته "ثورة أهل الجحيم" رغم تأثرها بالمعري وغيره إلا شهادة له، مثلما هي شهادة لرجال الدين في ذلك الزمن، حيث لا يحق للرجل الفتوى إلا بعد دراسة قد تمتد الى أكثر من ربع قرن، عكس أيامنا هذه التي أصبحت الفتاوى أرخص من عفطة عنز، وكان أمين الريحــاني محقاً حين قال عن صاحب هذه المطولة إنه أراد أن "يشعل أنوار العقـل والعـدل والحب الإنسـاني على شواطيء الشك والتهكــم".
    الزهاوي لم يكن أفندياً، تلك الطبقة التي تحدث عن جهلها وغرورها العلامة علي الوردي، بل كان مثقفاً مهموماً بالثقافة والتطور، وإن لم يكن يخلو من تناقضات سكنت الجميع بنسب متفاوتة.
    معروف عبد الغني خريج الدراسة الدينية التقليدية، الذي دعاه شيخه بالرصافي ليكون نداً لمعروف الكرخي، المتصوف البغدادي الشهير، يتحول الى رجل علماني ينتقد الدين والمجتمع، بل هو كتب القصيدة الحديثة الحرة أو قصيدة النثر كما شاعت تسميتها، أو" الشعر الصامت" كما يسميه هو ويدافع عنه، ففي محور الشعر المنثور الذي أعدته مجلة الحرية لرفائيل بطي في الأول من تموز1925 كتب الرصافي (الشعر المنثور العاري من الوزن والقافية هو شعرٌ بالمعنى الأعم للكلمة.أي هو شعرٌ بمعانيه التي تَفعلُ في النفسِ ما يَفعله الإنشاد المُقترن بالنغمِ والإيقاع، وحبذا لو سُمّي الشعر المنثور بالشعر الصامت لعدم إقترانه بالغناء والرقص)، وأما كتابه الفكري "الشخصية المحمدية..أو حل اللغز المقدس" فمهما اختلفنا معه يبقى محاولة جريئة جداً قياساً بفترة تأليفه، وهو جزء من مشروع الرصافي الإبداعي والفكري، التأسيسي والتأصيلي في الثقافة العربية.
    الزهاوي والرصافي، دليل آخر على أن الثقافة العربية هي ثقافة ولغة أهل العراق، فهما ولدا وَنَشَآ بل اشتهرا في العهد العثماني، حين كان لا حول ولا قوة للعرب في العراق وفي غيره، ولكنهما مثل الملايين بل مئات الملايين ممن نشأوا على أرض منطقة الهلال الخصيب، جعلوا العربية ثقافتهم، ولم ينتميا الى عرقهما، بل الى الوطن العراقي والثقافة العربية قاطبة، وبالرغم من عمليات التتريك وما ينتج عنها من منافع مادية ومعنوية يحتاجها الإنسان عموماً، وربما الشاعر خصوصاً، إذا ما تماهى معها، فهما آثرا الثقافة العربية على التركية، فكانا مكسباً لهذه الثقافة.
    لولا تيار عروبي متطرف بآرائه وطروحاته وهو على العموم تيار لا يمتلك شعبية مطلقاً، راح يُعرّب عرقياً كل مَن يكتب بالعربية، حتى لو كان نسبه معلوماً بإنتمائه لأثنية أخرى، مما وَلّدَ ردة فعل تغرف من ذات النسق الثقافي، وذات القاعدة المبنية على إلغاء الآخر بدل محاورته، لما وجدنا التيارات الأخرى تُجرد العروبة من كل شيء حتى جعلتها سُبّة، بينما العروبة ثقافة ليس لها علاقة بالعرق، والنقاء العرقي المزعوم، فلا وجود لناطق بالعربية نقي الحسب والنسب الى إسطورة عدنان وقحطان، وشاعرانا مثل آلاف المبدعين الذين أثروا العربية بإنجازاتهم الخلاقة، بل هما فعلاً لعبا دوراً مهماً في حركة التنوير ومشروع النهضة ليس العراقية فحسب بل العربية، وكم كان طه حسين منصفاً حين قال عن الزهاوي "لم يكن الزهــاوي شاعر العربية فحسب ولا شاعر العراق بل شاعر مصر وغيرها من الأقطار.. لقد كان شاعر العقل.. وكان معري هذا العصر .. ولكنه المعري الذي اتصل بأوروبا وتسلح بالعلم.."

    س44: باسم فرات الذي غادر نيوزيلندا ليكتشف مأساة هيروشيما عن قرب، ويحضر احتفال الذكرى الستين للكارثة، يحاول أن يرى بعيني العراقي عمق المأساة الإنسانية في هيروشيما، ويحيا تجربة قيامة الحياة فيها، لعله يرى حلم قيامة العراق فيما يأتي من زمن، هل رأيت قيامة العراق في هيروشيما أم رأيت الأمل في إنبعاث عراق جديد؟

    غادرت نيوزلندا، بسبب العمل وقساوة الرأسمالية، والإستغلال الذي تعرضت له من قبل شركة التصوير التي كنت أعمل فيها، ولتجربتي هذه حكاية خاصة، لا وقت لها هنا.
    المهم وصلت هيروشيما في الحادي والثلاثين من تموز 2005 متخلياً عن حقوقي التي سوف أجنيها من الشركة فيما لو أصررت على مواصلة دعوتي القضائية، ولكني فضلت حضور احتفالات هيروشيما بالذكرى الستين لإلقاء أول قنبلة نووية، والمدينة التي طالما نقلوا لنا كارثتها المفزعة، وما يعلق بالحديث من إشاعات تتحول الى أساطير، وكانت الاحتفالات رائعة ومنظمة بدقة، ومن المفارقات إن وفد مدينة البصرة كان مدعواً ولكنه لم يحضر بسبب مشاكل التأشيرة.
    هيروشيما وتعني الجزيرة الواسعة أو العريضة، عبارة عن دلتا تتكون من ستة أنهار، حدائقها ومتنزهاتها لا تعد مثلما هي معابدها الشنتوية والبوذية.
    هيروشيما درس كبير للجميع، إنها تعلمنا كيف نحب ونسامح، أو على الأقل لا نحمل حقداً وضغينة، فالناس هنا لا يعرفون الكراهية، لقد حولوا مدينتهم الى عاصمة السلام في العالم، وأكبر تجمع لمناهضي الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل.
    هنا لم أجد روح الإنتقام والحسد للآخر حتى الذين تسببوا بكارثة المدينة، فمن يحول مكان الكارثة الى حدائق غنّاء لا يمكن له أن ينتقم ويكره ويحسد ويبغض.
    هنا فرقوا بين تعلم الدرس وتلقينه للأجيال لكي لا تتكرر مأساة هيروشيما، ليس في اليابان فقط بل في كل العالم، وبين رد الفعل السلبي الإنتقامي الذي يزيد من الضحايا ويجعل المأساة تتناسل، والموت هو الحاضر الوحيد في المشهد.
    حين وصلت هيروشيما، رحت أردد مع نفسي: من كربلاء الى هيروشيما، من مدينة الدموع ومملكة النشيج الى هنا حيث حماقات الانسان وصلت الى ذروة خستها. واكتشفت أن كل ما سمعته عن المدينة لا يرقى الى المعايشة، حتى إني زرت متحف السلام أكثر من مرة، وفي إحدى المرات أطلت البقاء في المتحف، والتقطتُ صوراً، وميزة هذا المتحف أنه يحوي تقنيات تحاول أن تضع الزوار بتماس مع الكارثة، وأنتجت هذه المعايشة قصيدتي "متحف السلام في هيروشيما" مثلما أنتجت تجربتي الهيروشيمية قصائد أخرى حاولت أن أقول من خلالها إن هيروشيما مدينة تنبض بالحياة بأسواقها وأنهارها وحدائقها وقلعتها وأهلها.
    مذ وطأتْ قدمي أرض هيروشيما وأنا أقارن بين الوضع هنا وما آل إليه، والوضع في العراق
    ولأني بطبيعتي متفائل فكلي أمل أن ينهض العراق ويبزغ فجره البهيّ، العراق يعيش الآن مخاضاً سوف يتجاوزه، وبالإمكان أن يكون هذا التجاوز كبيراً بل عظيماً لو تمت الإستفادة من التجربة اليابانية. علينا أن نتعلم الحب والتسامح الى أقصاهما، وأن نفخر بتنوعنا ونحتفي بعراقيتنا أولاً.

    س45: التناغم الذي ينشده باسم مع الأمكنة الغريبة المباغتة، يجعله عرضة لإختبارات متتالية على مستوى القصيدة ومستوى التواصل مع الكون ومفردات المعيشة اليومي، يربك أدواته ويخلخل زوايا خفية في الذاكرة ويطلق تلك الأصداء المأسورة من يتم الطفولة ووحشة الشباب وشجن النضج، لكن لا يستسلم الشعر ولا ينكفيء الشاعر، بل يمضي حثيثاً الى: شجرة الشعر الوارفة..فهي ملاذ التائهين في ظلال الحضارات الغربية، هكذا تقول لطفية الدليمي....الى أين مضت بك شجرة الشعر لإنتاج نص يعادل قامتك الشعرية ويعوضك عن هذا اللاتوازن الإجتماعي السابق والقلق الحاضر؟

    في البدء أود القول إن رغبة السفر ومعانقة المدن، كانت ملازمة لي منذ الطفولة، ولأني كتبت الشعر مبكراً جداً، ففي الرابع الابتدائي ذهبت الى ابن عمتي وقلت له: أريد أن أصبح شاعراً، ومع الشعر بدأت القراءة والرغبة باكتشاف عوالم أخرى إنْ عبر الكتب أو عبر الواقع والمدن، لم أحبذ اقتفاء خطى مَن قرأت لهم، بل كنت أحلم أن أحقق صوتي الخاص بالشعر، ومنهجي الخاص بالقراءة، وسيرة حياة خاصة بي لا تشبه سواي، وأستطيع القول إني كنت محظوظاً لأن خطاي قادتني الى نيوزلندا والى هيروشيما وربما قبل أن يرى هذا الحوار النور، أكون قد وصلت الى فيَنْجان عاصمة جمهورية لاوس، وكلها كما ترى أمكنة غريبة ومباغتة كما ذكرت الأديبة لطفية الدليمي، هذه الأمكنة منحتني مع القراءة والتأمل فرصة إكتشاف مفاهيم بعضها شائع كما يبدو للآخرين ولكن النظر إليها من زاوية أخرى تمنحنا رؤية أكثر إنسانية، حتى إني بدأت أعي أن هذه المدن تعبرنا ونعبرها، لتترك وشمها فينا، وتغرس ذاكرتها في لاوعينا، مدن أدخلها كفاتح شعريّ، مُحَمّل بإندهاشات طفولية، وهو ما نتج عنه قصائد لم أكن لأكتبها لولا هذه النظرة وهذا المفهوم للمكان وللمدن وللشعر.
    كنت سابقاً أؤمن كناطق بالعربية ولدت لعائلة عريقة جداً في العراق، خليط من جميع الأقوام التي سكنت بلدي، ولكن الآن توسع مفهومي ليشمل شعوري بأن لا تقاطع بين عراقيتي وبين انتمائي للانسانية، وإني أنتمي حتى للأقوام التي حدث تبادل تجاري بينها وبين العراق، ففي التبادل التجاري تلاقح ثقافي أيضاً، وشعوب شرق آسيا ترتبط بعلاقات تجارية مع العراق منذ قرون طويلة، ولابد من التذكير إن إحدى الفرضيات بخصوص أصل الماوريين سكان نيوزيلندا الأقدم تقول بالأصل العراقي لهم، وهذا التناغم مع الأمكنة، يخصب المخيلة ويوسع المدارك حتماً.
    بطبيعتي دقيق في عملي، وهذه الدقة متأتية من فهمي لطبيعة الأشياء، فلست من دعاة الكم، بل أنا مع النوع، ودقتي في العمل إن كان في كتابة قصيدة أو تصوير لقطة بل حتى في أموري الخاصة، وكل مَن يعرفني يشهد على هذا، لأن الدقة يجب أن تكون في الكلام وفي العمل وفي الكتابة وفي السلوك، وعليه أجد نفسي فلاحاً يحنو بكل قدسية وتهجد على شجرة الشعر الوارفة، يسقيها بروحه وتأملاته وتجاربه ومجاهداته، إنها متعتي التي تمنحني التوازن للأستمرارية، والاستظلال تحت شجرة الشعر الوارفة، وتبقى قيمة ما أكتب وما حققت منوطة بالآخرين والمستقبل.

    س46: يقول البعض "إن مَن يتابع مسيرة القصيدة العمودية السائدة الآن سيلاحظ انها تمشي الى الانقراض، لا سيما إن ما يقدم وفق هذا النمط فيه من الهدر اللغوي، والتقليد الأعمى للنص التراثي، ما يجعل المنتج على وفق هذا النمط خارج التاريخ، والسؤال الذي يطرح هنا، هل الإشكالية تكمن في النمط العمودي، أم في الشعراء أنفسهم، وآلية تلقيهم الجمالي؟

    الإشكالية في الطرفين، والمشكلة إن الاذن تسترخي حد الكسل لموسيقى بعينها أطربتها لقرون طويلة، وجمل تحولت الى نماذج تُحتذى من قبل الجميع، حتى أصبحت إنشاءً مملاً بالنسبة للقارئ النافر الذي لا تقيده وتسيطر عليه النمذجة، بينما يجد فيها القارئ التقليدي آية البلاغة وذروة المبتغى.
    والإشكالية كما أرى تكمن في فهمنا لمدلول الإعجاب أيضاً، فإن أعجب بشاعر ما لا يعني أن أحوله الى نموذج أستنسخ نمطه الكتابي، وعندما نفرق بين الإعجاب وبين النمذجة، ونزيح عن كاهل ذائقتنا الكسل الذي يسيطر عليها حين سماع أو قراءة الشعر التقليدي، فسوف نخرج بنتائج إيجابية، لدرجة نستطيع أن نرى ونفرق بين الابداع والاتباع، ومما يؤسف له إن الحاصل لدينا هو شيوع هذا المفهوم الذي نوهت عليه أعلاه، ولهذا غالبية الناس لا تفرق بين الهذر والانشاء اللغوي، وبين المنجز الابداعي الخلاق.
    وهذا المفهوم للشعر مازال قائماً لدينا حتى اليوم، وثمة مَن يؤمن بوجود أمير للشعراء، وشاعر العرب الأكبر، وغيرها من التسميات المضحكة حقاً، فالشعر الذي هو أكثر الفنون والآداب تمرداً وفردانية كيف يسمح لشخص ما أن يكون أميراً أو أكبرَ على بقية الشعراء الذين هم لحظة كتابة القصيدة يكونون في ذروة تجليهم ونرجسيتهم.
    نعم إن آلية التلقي الجمالي عند عشاق النظم، ولا أقول الشعر، هي التي قادت الى أن يكون في اللغة العربية هذا الكم الهائل من الكلام الموزون المقفى الذي هو أبعد ما يكون عن أن يلامس روحية الشعر.

    س47: أنا أفترض أن العنوان والإهداء والمتن، في العمل الإبداعي عموماً، والشعري بشكل خاص، يؤديان وظائف دلالية متعددة ومتضامنة، لبلوغ النص أو الرسالة الى المتلقي، يطمع مبدع الرسالة الى أن تكون هذه الثلاثية هي الأقانيم الثلاثة لوحدة النص، في مجموعتك خريف المآذن، العنوان يشير الى الأفول " خريف المآذن " والإهداء يشير الى محاولة التناغم " الى جينيت هل نحن تناغم حضارتين " ثم ترجع الى الأفول ثانية متمماً " والى أمي حتما " وعند الذهاب الى المتن عبر نصوص المجموعة نراك تشتغل على ذاكرة باشطة في استدعاء التفاصيل التي تعقتد أنها في طريقها الى الأفول من الذاكرة إن لم تخلدها شعراً، كيف تنظر الى هذه الثلاثية الدلالية..وهل كنت تعي تماماً دور هذا البوح في صياغة متن شعري يعبر عن أفول واقعي ورغبة وجموح في تناغم لأعادة التوازن، علماً أنك في نصوص المجموعة لم تخرج من هذه الرغبة كما أرى؟

    الوعي واللاوعي متوازيان ومنسجمان، فاللاوعي نتيجة اشتغالات الوعي، يخرج على عدة أشكال، لا مجال للخوض فيها، وما فعلته بكل تأكيد كنت أعيه، إستقراري على العنوان إستغرق مني فترة، لأني أردت أن أبحث عن عنوان يكون دلالياً معبراً عن مضمون المجموعة، التي عبارة عن دورة تبدأ بالطفولة وتنتهي بالبحث عن الحرية.
    أعتقد إني وفّقتُ في العنوان والإهداء ولكن المتن، يبقى للقارئ حق القول، وبكل تأكيد الظروف التي أحاطت بكتابة القصائد يمنحها هذا الجموح، رغم هناك من رأى في العنوان عكس ما رأيت، هي اختلاف زوايا النظر بلا شك.
    كتابة الشعر بحد ذاتها إعادة توازن للروح القلقة واللائبة والمهمومة، الغريبة عن مجتمعها، المنفية داخل مجتمعها بل وجسدها، وخريف المآذن هو تناغمي لأعادة هذا التوازن
    هو المعادل الموضوعي للاستلاب الذي تعرضت له.
    هل صدفة أن نصوص المجموعة كتبت بين الفترة الأخيرة التي سبقت خروجي من العراق وفترة الأردن والمرحلة الأولى من فترة نيوزيلندا، فمن يقرر السفر الطويل ويعي أنه لن يعود للوطن إلا بعد سنوات طويلة قد تأخذ نصف عمره أو كله، سوف يكون القلق رفيقه، والاستلاب آيته، ولاننسى الصدمة الثقافية (تُترجم خطأ بالصدمة الحضارية) فلكل مجتمع ثقافته ونحتاج الى فترة زمنية قد تستغرق سنوات من أعمارنا، لكي نتآلف مع المجتمع الجديد الذي إنتقلنا إليه، وشخصياً انتقلتُ الى الأردن رغماً عني كأغلبية العراقيين لأنه كان البلد الوحيد المتاح لنا، وإنتقالي الى نيوزيلندا كذلك، أحياناً قد تتآلف مع المكان دون ان تعي ذلك، لأسباب منها وضعك النفسي القلق أو الاجتماعي أو ربما بسبب غموض المستقبل، وهو ما حدث معي في الأردن، التي أحببتها ووجدت نفسي أحن لها أحياناً، حتماً لأن العراق كان بعيداً، ولكن هل اقترب العراق؟؟؟، كل هذه الاسباب حولت نصوصي الى بوح قلق وخائف رغماً عنه،
    الخوف من مستقبل مجهول وضغط الأمكنة والحيوات الجديدة على إزاحة المكان الأول بعيداً في أقصى زوايا الذاكرة غير المعرضة لأشعة المحفزات الاسترجاعية، فالمكان وهو أقوى المحفزات الإسترجاعية، والأهل وأصدقاء البدايات، وهنا أعني بداياتي الشعرية، إذ أعتبر فترة الثمانينات أخصب فترة في حياتي من حيث الأصدقاء والقراءات والإندهاش والإندفاع والحماس الشعري والقرائي، وهما المحفز الموازي للمكان، قد تواروا خلف الحدود والمحيطات والصحارى، وأصبحت أعزل بمواجهة مجتمعات جديدة عليّ، مما أجبرني رغماً عني أن أستنجد بالبوح وأن أدع الذاكرة تستنفر قواها وكأنها في النزع الأخير، وفي ذات الوقت كان لنسيم الحرية في المنافي أثره رغم أن خريف المآذن يحوي قصيدة واحدة كتبت في العراق عام 1992 وهي " عواء ابن آوى ".
    العنوان – الإهداء – المتن، أراها مترابطة في المجموعة، لأن نصوصاً فيها البوح واللوعة والألم وحزن المنفي ولوعة الحنين، وفي الوقت ذاته هي إدانة لحروب وحماقات ارتكبها حاملو العقل البدوي الذي يرى أنه خير الأمم كلها، خريف المآذن هو خريف البلاد والمجتمع والأنساق الثقافية، أما الإهداء فهو الاعلان أن لا مشكلة عويصة بين الشرق والغرب، وبين الحضارة العربية الإسلامية الشرق أوسطية التي وجدت نفسي دون إرادة مني ابنها، وحين أقول دون إرادة مني لا لأدينها، فلا وجود لثقافة سلبياتها مطلقة أو إيجابياتها مطلقة، ونحن لا نختار مكان ولادتنا ولغة أهلنا ومعتقدهم ومرجعياتهم الثقافية، علماً إن هذه الحضارة ساهم فيها مسيحيو الشرق ويهوده وصابئته وخصوصاً الهلال الخصيب، مساهمة لافتة للأنظار، حتى حين أسلموا لم تكف إسهاماتهم، بل إن صاحب أكبر مذهب إسلامي هو من أصل مسيحي، وهو الأمام ابو حنيفة النعمان البابلي الجذور، والمهدى إليها ابنة الثقافة الغربية المسيحية الانكلوسكسونية، هنا لقاء وتناغم حدثَ بين حضارتين:
    الحضارة العربية الإسلامية + الحضارة الغربية المسيحية الانكلوسكسونية، وبما أنها شابة فهي مستقبل، مستقبل العلاقات بين الشرق والغرب، التي لا أرى بداً من تحولها الى تناغم، من خلال حوار رافض للتصادم والاستعلاء والتربص.
    الأم هي خريفنا، هي الإنتظار المرّ، الإنتظار على أبواب السجون، المستشفيات، الإنتظار بعودة الإبن والزوج من جبهات القتال الذي لا ينتهي، بل الانتظار حين نعود من عملنا أو نزهتنا لأن السيطرات ودوريات الشرطة السرية في بلادنا عليها أن تأتي بعدد معين، وليس بالمسيئين، ولأن العقل السياسي العراقي حول كل فرد لا يطبل له مُتهَماً حتى يثبت ولاؤه التام للحزب القائد والسيد القائد، الإنتظار لترقب أخبارنا بعد أن توزعتنا المنافي، من أقصى جنوب الجنوب الى (أقسى) شمال الشمال، أو ممن أكلتهم أقفاص الأسر لعقدين وأكثر.
    خريف المآذن بوحٌ عراقيٌّ، في مواجهة العقلية البدوية التي أنجبت لنا عقلاً سياسياً لا يشعر بمسؤولية أنه سليل أولئك القادة العظام الذين سطروا لنا القوانين، فغَيّبَ من يحملُ على عاتقه ثروات البلاد القانونية والمَدنية عموماً كما في جعفر أبو التمن الذي يصفه الباحث حنا بطاطو وهو محقّ تماماً بأنه أنزَهُ رجل وطني، وراح يحتفي بشيوخ قبائل وعقداء جهلة، رهنوا البلاد للمجهول.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 22, 2018 3:45 am