الأديب ناظم السعود يحاور باسم فرات (حوار في كتاب)(2-5)

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 494
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    الأديب ناظم السعود يحاور باسم فرات (حوار في كتاب)(2-5)

    مُساهمة  Admin في الجمعة أكتوبر 29, 2010 12:57 am

    6- لو جئنا إلى حاضنات تجربتك الشعرية ودعاماتها الرئيسة هل يمكن أن نضع البيئة المحلية بما فيها من مناخات روحية وقداسات دينية في المقدمة؟ وهل مثلت تلك البيئة وشمًا سالبًا أو خادشًا للتجربة وهي لما تزل في مرحلة التشكّل؟

    * بكل تأكيد للبيئة المحلية أثرها الواضح في نصوصي، وفي تشكل وعيي، ولكني مؤمن أن على الشاعر أن يلتحم بالإنساني، وهذا الوشم لم يكن يومًا سالبًا أو خادشًا للتجربة، لأنه رافد من روافد عديدة، والروافد الأخرى تتكفل بتشذيب أي رافد يتسبب في وشم نهر التجربة سلبًا أو يخدشها.

    7- هناك خطوط من الحزن والفجائع الشخصية والعامة توّشح نصوصك فهل كان لمرابطتك في كربلاء (عاصمة الدموع بلا منازع) أثر في توغل تلك الخطوط لوعيك الشعرى؟
    * حتماً، ولما مرّ ويمرّ به العراق، ومأساة موت والدي وطفولتي التي سخمها اليتم والحرمان، نحن أبناء فجيعة تتناسل، وأسىً يقود إلى آخر، ظلمنا أنفسنا وظلمنا الجميع، بلادنا مليئة بكنوز التاريخ والمجد والنفط والمقابر الجماعية وحقول الألغام والنحيب، بلد الملايين، مليون شاعر ومليون شهيد ومليون أرملة ومليون يتيم وعشرين مليون نخلة مقطوعة.
    لا يمكن نكران أثر كربلاء كمدينة ولدت فيها وعشت ستًّا وعشرين سنة، فهي إن ذكرت تعني الأسى والفجيعة، لم ترتبط مدينة بالأسى والفجيعة كما ارتبطت كربلاء، رغم أن مدنًا كهيروشيما مثلاً عانت معاناة قل نظيرها في العالم، ولكن تاريخية مأساة كربلاء وما أسقطه عليها العقل الجمعي من دموعه وخيباته ومظلوميته وأحلامه المسفوحة منحها بعدًا آخر، عمقَ وجذرَ اسمها المرتبط بهزيمة البطل – الحلم، كل هذا توغل عميقًا في نصوصي دون إرادة مني.

    8- إذا كنت لا تحسب نفسك على أي جيل شعري (بالترادف الزمني) فمن المؤكد أن هناك اتجاهًا فنيًّا يمكن أن تقرن به وتدرس من خلاله، فعن أي اتجاه يمكن تحديده ومقارنتك ضمنه؟ وهل كان سعيك أو طموحك الذاتي لتأسيس اتجاه خاص ينسب إليك ويسم اسمك به؟.

    * لم أفكر بكل هذا، وإنما همي أمس واليوم وغداً، أن أكتب نصًّا طالما حلمت به، هذا النص لم أكتبه بعد، وأعرف أنني ربما أقضى عمري كله ولن أكتبه، ولكني كالمدمن لا هم لي سواه، بل لا حيلة لي إلاّ هو.
    لست معنيًّا بالأجيال والاتجاهات الفنية، وأرفض أن أوضع في قالب ما، أو مقارنتي بأي جيل أو اتجاه أو شاعر، مع فائق الاحترام للجميع، ولكني باسم فرات وكفى، يسرني أن يدرس نصوصي على تواضعها مَن يأتي للنص بدون خلفية اجتماعية، أو نمطية ما، فالدارس يقتل النص حين يدرسه بنمطية ما، النمطية اغتيال للنص وانتحار للناقد.
    أعتقد إن غالبية الشعراء طموحهم هو تأسيس اتجاه خاص بهم، وهذا ليس بالأمر الهَيّن، بل ربما هو أصعب الأمور، فإيجاد الصوت المميز هو بداية الكتابة الصحيحة، ولكن أن تؤسس اتجاهًا خاصًّا تسمه باسمك، فهذا يعني أنك شاعر كبير، وكلمة شاعر بحدّ ذاتها صعبة المنال فكيف بشاعر كبير.
    الشعر خلاصي وملاذي ومشروعي الأبهى، منذ ثلاثين عامًا أو أكثر وأنا معتكف في حضرته، مؤمن أن الإخلاص للشعر يمنحك الكثير، فبقدر إخلاصك للشعر يخلص لكَ الشعر.

    الشعر بحدّ ذاته هو الوطن

    9- من الملاحظ أنك تعاني من ظاهرة الفقدان في سيرتك الحياتية: فقدان الطفولة.. فقدان الأب.. فقدان الوطن فهل يمكن القول إنك في سيرتك الشعرية تحاول إرساء بناءات افتراضية أو عوالم جمالية للتعويض عن تلك الفقدانات؟

    * لديّ شعور فادح بالفقد، والشعر عزائي الوحيد، فالشعر هو الجمال الذي يوقف القبح، ويقلل الخسائر ويعيد التوازن للذات، وأفضل طريقة لإرساء بناءات افتراضية أو عوالم جمالية للتعويض عن تلك الفقدانات، هو الاعتكاف على المشروع الشعري والإخلاص له، وعدم التطلع للتعويض، وكأنما اعتكافنا وإخلاصنا لمشروعنا الشعري يجب أن يكون له مقابل، جميع الخسارات والتضحيات تتضاءل أمام الشعر، لأن الشعر بحدّ ذاته هو الوطن وهو العالم النقي تماماً، وعليه فالشعر ليس سلعة ليخدم أحداً، سواءٌ أكانت هذا الأحد أم غير السياسة.

    10 - أنت تقول إن (آبائي هم جميع الشعراء الكبار) ولكنني وجدت زملاء كثيرين لك كالشاعر خزعل الماجدي (في حواري المنشور معه) ينفون فكرة الأب أصلاً ولا يجدون لهذا الأب الشعري من وجود أو ضرورة، فكيف تبرهن على صواب موقفك وكيف تستدل على مغالطات مواقفهم؟.

    * لهم رأيهم الذي أجلّه ولي رأيي، والمسألة من وجهة نظري لا تحتاج إلى أن أبرهن على صواب رأيي وموقفي، وأستدل على مغالطات مواقفهم، فلا قيمة للأحادية في أي جانب من جوانب الحياة، عكس التنوع الذي هو ثراء للمجتمع والثقافة والوطن والأمة، لا أجد إحراجًا من التصريح: أنني تعلمت من جميع الشعراء، وأنا تلميذ لكل الشعراء الحقيقيين، مهما كان سنهم، بل إنني خلقت لكي أتعلم، ومازلت أتذكر قبل خمس وعشرين عاماً، ذاك الصديق الذي أخبرني مستهزئاً، أن البياتي يتعلم من تلاميذه، بينما هذا من صالح البياتي، لأن الإبداع مثلما لا عرق ولا دين ولا قومية ولا وطن له، فكذلك لا عمر له، فإن كان البياتي المشرف على الستين من عمره حينذاك يتعلم ممن هم أصغر منه سنًّا، فهذه شهادة فخر للبياتي.
    حين قلت مراراً: إنني ناطق بالعربية في عروقي تجري دماء جميع الأقوام التي سكنت بلدي ومرت به، كنت أصر على إيماني بالتنوع، وعدم إنكاري دور الفئات الأخرى في تشكيل وتأسيس الثقافة العراقية، وبالمحصلة تشكيل وتأسيس وعينا، ومن هذا المنطلق لا يمكن أن أنكر دور الشعراء الذين تعلمت منهم وشكلوا وعيي وتأسستُ على قراءاتي لمنجزهم الخلاق، قدماء أو محدثين، عربًا أو غير عرب، أحياء أو أمواتاً.

    11- ما ذكرته في حوار سابق من أن على الشاعر أن يجدد في قاموسه ويطوره مع توالي تجاربه الشعرية يعيد إلى ذاكرتي ما قاله لي الشاعر الراحل يوسف الصائغ (في حوار منشور) من أن على الشعراء تغيير لغاتهم عقب كل محنة تصيب الوطن (ومنها الحروب التي كانت تتناسل زمن الحوار) ألا تجد تشابها بين المقولتين على اختلاف القائلين ودوافعهما؟ ثم هل تجد حقيقة (أو في المدونات الشعرية وليس في التصريحات) أن الشعراء ينهكمون فعلا في تغيير لغاتهم أو قواميسهم إثر تزاحم التجارب أو تكالب المحن الشخصية والوطنية؟

    * عنيت بالشعراء، أولئك الكبار، أو ممن جعلوا الشعرَ غاية الغايات، وكرسوا له حياتهم وهم يؤمنون أن الشعر يحتاج إلى عدة حيوات على حد تعبير الراحل سركون بولص، وهذا ليس بالأمر الهيّن، فكم من شاعرٍ حقق حضورًا بلغته المدهشة والجديدة وأسلوبه المميز، ولكنه راح يستنسخ مجموعته الأولى أو الثانية، حتى تجاوزت مجاميعه العشر أو أحيانًا العشرين ولكن في جوهرها مجموعة واحدة، لغة وأسلوباً. والتجديد لا يتم دفعة واحدة حتماً، وإلاّ كان سرقة واضحة، فكيف يتأتى لشاعر نشر مجموعة أو أكثر، بأسلوب ما وخصوصية ما، مهما كانت هذه الخصوصية متواضعة، وفجأة يطلع علينا بلغة مختلفة وقاموس لم نألفه عنده. التجديد هو إضافة على السابق، وفتح عوالم جديدة في اللغة والأسلوب والتقنية، ولكن يبقى التجديد كغيره من المصطلحات مطاطيًّا، فمثلما فهمنا للحداثة والخصوصية ووظيفة الشعر والقصيدة وقصيدة النثر و....إلخ يختلف من شخص إلى آخر، وهي نسبية في كل الحالات فإن التجديد يختلف من شخص إلى آخر أيضًا.
    شخصيًّا، أعتقد أن "خريف المآذن"، نوعًا ما تختلف عن المجموعة الأولى "أشدّ الهديل"، وأنا ثانيةً" تختلف عن "خريف المآذن"، ونصوص مرحلة هيروشيما وما بعدها تختلف عما سبقها.

    12- اتصالا بسؤال اللغة يرى الشاعر القتيل رعد مطشر حين درس شعرك أنك (تستعيض باللغة والكشف والأحلام والرؤى عن تلك الخسارات..) ترى كيف يستجيب منطقك الشعري لتخريجة كهذه نطقها كائن شعري ظل شفافًا حتى أرداه قوله قتلاً فاجعاً؟ وهل تلك الاستعاضة التي أشرها رعد جاءت ترجمة لمطالبتك الشعراء بتجديد قواميسهم؟

    * أومن أن على الشخص الذي يتعامل مع اللغة أن يجعل منها وطنًا له، لا شك بأني عراقي، وتربيت في كنف عائلة وبيئة ومدينة أرضعتني حب العراق ولم أفطم منه بعد، ولكن كل كاتب يحتاج إلى وطن آخر، وطن مثالي، خيالي، شفاف، ملاذ له، وطن يركن إليه حين تتوالى انكساراته، واللغة هي الوطن الذي على مَن يتعامل مع الكتابة أن يتخذه، ولأني أطمح أن أكون أهلاً لحملِ كلمة شاعر، وربما نتيجة لعزلتي الطويلة، وبعدي عن المجتمعات الناطقة بالعربية، مما عمّقَ لديَّ شعورًا بأن اللغة هي وطني وملاذي وبها أستعيض عن الخسارات.

    للمنافي ضريبتها

    13- أراك تغذ راحلتك صوب (جنوب الجنوب) في اختلاف صريح عما سلكه أسلافك الشعراء ورفقتك المجايلين الذين أداروا دفة الرحيل صوب الشمال، هل أنا مُحقّ لو عزوت هذا المسلك القصي بأنك تحاول القبض على شموس الشرق بعد أن غاضت أو أطفئت أو غربت عن وطن النشأة؟

    * لم أختر هذه الرحلة، فالمنافي ليست نزهة، إن لها ضريبتها أيضاً، وإن شاءت ظروفي أن تكون رحلتي في أقصى جنوب الجنوب، فكثيرًا ما تمنيتُ أن تكون محطتي أوربا، إذ كلما حاصرتني الوحدة وأرعبتني العزلة في مكان يختلف في كل شيء عن مكان النشأة، وجدتني أغبط أصحابي ومعارفي أنهم في أوربا، لأن الأخيرة -ونتيجة كثرة المهتمين بالشأن الأدبي والفني فيها من العراقيين والناطقين بالعربية- تخفف وطأة المنفى القاسية، ولكن بعد فترة من الزمن رحت أقنع نفسي أنني محظوظ، فمدن مثل لندن وباريس وأمستردام ومالمو وبرلين وسواها من أماكن استقبال المهاجرين مليئة بآلاف العراقيين والناطقين بالعربية ممن يسكنوها، ولكن حتمًا تبقى لنيوزلندا خصوصيتها التي تختلف عن أوربا، أنها آخر بلد في العالم، ليس جنوبها سوى القطب الجنوبي، بلد بكرٌ نكاد نجهله قياسا بدول أوربا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا بل وحتى أُستراليا، بلد لم أقرأ لشعراء وأدباء من ثقافتنا أنهم عاشوا فيه ولهم ذكريات، ومنذ ذاك وأنا في وئام مع المدن التي أعيش فيها، لا يعني هذا أن هذه المدن عوضتني وطني أو وجدت فيها طفولة الشمس التي سُرقتْ منا، ولكنها احتضنتني ومنحتني أشياء إن لم أكن افتقدتها في بلدي، فعلى الأقل أنني ربحتها، فالاحتكاك بثقافات مختلفة يثري المُخيلة.

    14- من يقرأ قصائدك (التي أغفتها الحروب ثم أيقظتها الغربة) يفاجأ بشحنات الفقد والمراثي واسترجاع مخيلة الوجع كأنك تستقدم جحيمك الأول بما يكلله من فواجع وحتوف ومصائر آفلة إلى فضاءات منعتقة من الدنس ويحفها البياض، ألا ترى أنك ما خرجت فعلاً للآن من عاصمة الدموع كربلاء؟ وأن حاضرك مصادر من قبل ماض مهيمن أراه لابدًا في جوف ذاكرة رثائية؟

    * كلامك صحيح مئة بالمئة، فما ذكرته ينطبق على فترة العراق والأردن والفترة الأولى من نيوزلندا، ولكن بعد ذلك تغيرت الصورة، وبدأت تأخذ لغتي الشعرية ومواضيعي منحى آخر يختلف قليلاً أو كثيرًا، ولكني لم أنشر هذه النصوص مجتمعة بين دفتي كتاب لكي تكون شاهدًا على التغيّر الذي حصل في خطابي الشعري، وخروجي من عاصمة الدموع إلى آفاق جديدة، يُعَبّر عن حاضري، بل إن تسميات مثل: الساموراي، قلعة هيروشيما، جبل تَرَناكي، شيء ما عنك.. شيء ما عني، وهو نص العاصمة النيوزلندية ولنغتن، تقريظ باشو، هيروشيما ومُدُن أخرى، متحف السلام في هيروشيما، البراق يصل إلى هيروشيما، تلاميذ هُندوري (وهو سوق مُسَقّف وسط هيروشيما، كان قبل إلقاء القنبلة الذريّة، الشارع الرئيسي في هيروشيما)، بينما بوذا وهو يبتسم، المستقبل وهو يقفل راجعاً، (وهو نص عن أكبر باخرة عسكرية صنعها اليابانيون واكتشفوا بعد إتمامها أنهم بحاجة للطائرات، فتم إرسالها لجزيرة نائية وفي الطريق قصفها سلاح الجو الأمريكي وقتل كل مَن كان فيها)، وسواها من النصوص والتي تُشير بوضوح تامٍ ومن خلال عناوين غالبيتها إلى انعتاق من الماضي، بل وتَمَثّلٌ للحاضر وللمكان الجديد والحياة الجديدة التي أعيشها، هذه نصوص أكاد أزعم أنها مختلفة لغة وصياغة وموضوعًا عن مجاميعي السابقة.

    وطننا أما ثكنة عسكرية أو زنزانة أو مقبرة جماعية

    15- السؤال السابق يدفعني لأن أسالك: لم يهاجر الشعراء إلى جغرافيات جديدة وحيوات يفترض أنها تشكل البديل/ الضد ماداموا يعيشون استلابًا مستمرًا وغير قادرين على عبور مآسيهم ومواجعهم بعد أن وَطِئوا عالمهم الجديد؟ وهل توافقني لو شبهت هذه الحالة كمن يحمل على منكبيه عدة خرابه وشظايا ذاكرته ويهرول بها ليضعها في أفق غريب بل متضاد مع الأسوار التي قدم منها؟ ومتى يأتي المُطهر إذن؟

    * أتفق معك حين نضع في ذاكرتنا أن الغالبية العظمى من الشعراء يكتبون وكأنهم يعيشون في العراق، مما جعل الناقد ياسين النصير يكتب عن هذا الأمر، ولكن علينا أن لا نغفل الشعراء الذين استطاعوا هضم الثقافات الأخرى، مما منح الشعرية العربية ثراءً واضحاً، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى، إن ما عاناه الإنسان العراقي في العقود الأخيرة لا يمكن لأي شخص أن يضع معاناته واستلابه وخرابه عند الحدود وينطلق لعالم جديد، الماضي سوف يبقى يُنغص حيوات ضحايا العنف والاستبداد والحروب، وليل السواتر والملاجئ والسجون والرعب، سوف يبقى يُخَيّم على لغة الشعراء، فوطننا إما ثكنة عسكرية أو زنزانة أو مقبرة جماعية، وحين خرجنا بعيدًا عن الحدود ظلت تطاردنا الحروب وعصا الجلاد وصفارات الإنذار والحصار والاستبداد الموغل في تكميم الأفواه، وثمن الرصاصات التي اخترقت حياة الأب أو الأخ أو الابن نتيجة تقرير أو وشاية أو ما إلى ذلك. لكن هذا لا يعني أن نتجاهل كليًّا العوالم الجديدة التي نعيشها بعيدًا عن مؤثرات النشأة الأولى، بل أرى أن الأمكنة الجديدة والثقافات الجديدة إن تلاقحت مع ثقافة المكان الأول فسوف تنتج لنا نصوصًا جميلة تستحق أن نتأملها ونحتفي بها كما في تجربة سركون بولص.
    الشاعر كائن قبل أي شيء، وكل كائن يتذكر، وفي الكثير من الشعر نلمس السيرة الذاتية، والاحتفاء بالأنا من خلال تكريم المكان السابق والعلاقات السابقة، حتى لو أن المكان السابق لم يعد كما تركناه.
    واحدة من مميزات المهاجر، وخصوصًا لدى الذى يهاجر عن غير رغبة مُلحةٍ وحُلمٍ حياتيٍّ لتغيير عالمه ومكانه، أن المكان الأول الذي أمتلأ سلبيات حين كنا في الوطن، يقوم الحنين وعدم التآلف مع المكان الجديد وصعوبة الاندماج بثقافة البلد المُضَيّف بمحو هذه السلبيات وتلميع وتكبير الإيجابيات حتى يتحول الوطن إلى فردوس مفقود نحاول أن نستعيده، وهنا تكمن المأساة الحقيقية للمهاجرين (شعراء أو غير شعراء) وهي شعورهم الفادح بالخسارة، وفي الحقيقة هم خسروا المكانين الأول حيث بلد النشأة والمنزل الأول والطفولة وملاعب الصبا والتشكّل الأول، والوطن الجديد- المنفى ليعيشوا المنفى حتى لو رجعوا لمكان النشأة الأول.

    16- أراك مُلتصقًا حد التماهي بفن الشعر كأفق تعبيري وحيد الخلية: لِمَ لمْ تتحمس كما فعل بعض زملائك الشعراء الذين كتبوا القصة والمسرحية والمقالة الأدبية إضافة للشعر؟ ثم ألا تشعر أنك عشت سيرة حياتية مشحونة بالتقلبات والخذلان والخسارات وتعدد الفواجع وهذه كلها سمات خصبة وواعزة لكتابة رواية أو ملحمة شعرية؟

    * سوف أبقى ملتصقًا حد التماهي بالشعر، لأنه غاية الغايات ولأني كرست حياتي له، وحتى لو كتبت المقالة وسواها، فسوف يبقى الشعر هو الأول، ولا أكتمك ثمة أصدقاء يلحون عليّ بتدوين رحلاتي، وخصوصًا الكاتبة لطفية الدليمي التي لم تكل من التشجيع والتذكير بل والإلحاح بمحبة كما تلح أمّ على ابنها أن يعتني بنفسه وصحته، وبكل تأكيد لا يمكن إغفال الآخرين، ولا أنكر أني كتبت أكثر من مقالة، مثل رحلة البحث عن الكتاب، الإسلام بين الأسطورة والواقع.. العهدة العمرية أنموذجاً، منابع مأساة العراق وإشكالاته.. مراجعة نقدية، العراق.. الجغرافيا المُغَيَّبَة، أدونيس والسيد الرئيس.. إشكالية المثقف والسلطة، علي الجميل والاكتواء بالجحود العراقي وحوارات عابرة للزمان.
    ربما تكشف الأيام القادمة عن جديد لي غير الشعر.

    17- ذكرت مرة أنك أنجزت مجموعة من (نصوص الحبّ) وأنك ستضمها إلى قصائد سابقة لتكوّن في مجملها (كتاب حب) قد يصدر هذا العام، برأيك هل ينسجم هذا التوجه مع ما عرف عنك من تدوين متتال للمأساة العراقية وجر المراثي السومرية إلى حومة التعبير الشاهد والفاضح لما جرى؟ ثم هل يصح للشاعر المبتلى أن يتّشح بقصائد الحب وشؤون العاطفة والجسد في زمن وصلت فيه الدماء إلى الشوارع كما قال بابلو نيرودا؟!

    * الحب هو الحياة، وهو نقيض الموت، أن تغني للحب يعني أن تغني للحياة وتنتصر لها، تدوين المأساة العراقية شعريًّا، لا يعني البتة أن تكفهرّ وجوهنا وقلوبنا وحروفنا، ثم أنني لا أجد غضاضة في الاشتغال على مناطق شعرية أخرى لا تلامس الوجع العراقي ولا تتمثله تماماً، فلست شاعر المقاومة أو شاعر القبيلة، كما أن الدماء في الشوارع منذ اللحظة التي تمّ فيها سحل شخصيات عراقية في بغداد والموصل وكركوك، وما نزف الأبرياء في السجون وفي الأهوار والجبال، وحتى هذه اللحظة بل وربما سوف تبقى إلى أجل غير مسمى، مازالت العقلية هي نفسها، لا تؤمن حقيقة بالوطن وأن تنوعه ثراء له.

    18- يرى الكاتب عدنان حسين أحمد، ضمن دراسته لديوانك الأول (أشدُّ الهديل) أن تجربتك تتكئ على ذاكرةٍ فرديةٍ مشحونةٍ بطابع "أنوي" وتعكس الهم الفردي الذي ينطلق من رؤية فلسفية مع حساسية خاصة بالجمال، وردود أفعال إزاء الجمال الفيزيقي للمرأة، حصرًا لا تمثيلاً.. كيف تجد هذه المقاربة النقدية؟ وهل كانت فعلا الأنوية والهموم الفردية مهيمنة رئيسية على مناخ ديوانك الأول؟

    * الكاتب عدنان حسين أحمد، أول مَن كتب عني دراسة طويلة تزيد على عدة صفحات. وما قاله يمثل وجهة نظر أحترمها، ولكني لا أتفق معها تماما.
    الشعر فعل ذاتي محض، والهم الأنوي حق طبيعي لا غبار عليه، فقيمة الشعر تتأتى من فنيته أولاً وأخيراً، وبروز الأنوية والهم الفردي هو نتيجة صراع تراجيدي محتدم في اللاوعي بين الذات وبين الواقع، بين الداخل وبين الخارج، بين الفقد والإمساك بلحظة هاربة لن تعود، مما يخلق شعورًا بالخسارة الفادحة، ومحاولة خلق التوازن من خلال إبراز الذات ومنح الأنا مساحة كبيرة على سطح الخطاب الشعرى.

    لا وصاية على الإبداع

    19- لا أرغب أن أصدق أن شاعرًا عراقيًّا خرج من أتون الظلمات وأدوات السحق يلجأ– ما إن يشم هواء الحرية- إلى الالتحام بعالم "الجمال الفيزيقي للمرأة، حصرًا لا تمثيلاً" ما الذي تبقى إذن من قدسية رسالة الشعر وتنويرية الشاعر بعد الانحياز للحسية والهم الفردي وتناس ملفت للجمعي ومكابدات المتروك؟!

    * لم يكن هناك أي تناس ملفت للجمعي ومكابدات المتروك، ولم تكن هناك خيانة للشعر، وفي داخل مجموعة أشدّ الهديل ما يوحي بأن كاتب النصوص مهموم بالهم الجمعي، أقول هذا وفي ذات الوقت أومن أن الشاعر غير ملزم بما يراه الناقد، أو ما يراه ويريده المجتمع، لا وصاية على الإبداع، ولا قواعد أخلاقية فيها مازال الإبداع لا يدعو للتفرقة العنصرية والطائفية ولا يتناقض مع حقوق الإنسان هذه الوثيقة التي تعدّ بحق فخر البشرية.
    بالنسبة إلى نصوص أشدّ الهديل، فقد كتبت في غالبيتها خلال الأعوام 1992 – 1996، علمًا أن نصوصًا مثل 1/3/1967 وعبرت الحدود مصادفة، ودلني أيها السواد، كتبت في عام 1995، وعواء ابن آوى كتبت في عام 1992 وأقول أنثى ولا أعني كربلاء، وعناق لا يقطعه سوى القصف (1996) الجنوبيّ (بداية 1994) وغيرها من النصوص إن كانت منشورة في أشَدّ الهديل، أو في خريف المآذن، كتبت كما تلاحظ باستثناء عواء ابن آوى (1992) في فترة تواجدي في عَمّان، ما بين 1994-1996 وبعضها كان ضمن المجموعة الأولى، وأعود إلى قراءة الناقد عدنان حسين أحمد، فأقول هي قراءة ضمن قراءات، مَن يريد أن يعتمدها فقط ويلغي بقية القراءات أو حتى فهمه الشخصي للنصوص فله ذلك، ومن يريد أن يعتبرها قراءة تأويلية ضمن قراءات متعددة فله أيضاً.

    20- ما يلفت قارئ شعرك تلك الغلبة الواضحة في اختيار ضمير الأنا أو ضمير المتكلم (الضمير الأول) وتعويلك عليه للتوصيل أكثر بكثير من الضمائر الأخرى: ضمير المخاطب (أنت/ الثاني) وضمير الغائب (هو/ الثالث) فإذا كانت الدلالة نقديًّا في اللجوء إلى الضمير الأول تفصح عن سبب من أسباب ثلاثة: إما هناك (لحظة الكتابة) معاناة من فقدان عزيز، وإما الانسحاق من عزلة ضاغطة، وإما محاولة الأنا الشاعرة من توكيد أنويتها وسط الحشد الجمعي.. فإلى من تعلّل اختيارك أو حتى انحيازك (في ظل وجود براهين نصّية) إلى ضمير المتكلم بشكل يكاد يمحو الضميرين الآخرين؟.

    * ربما للعاملين الأولين دورهما في هذه الغلبة أو الانحياز، فأنا أعيش العزلة منذ سنوات طويلة ليس فقط هنا في لاوس، أو في هيروشيما التي كانت تمرّ أحيانًا عليّ بضعة أشهر لا ألتقي فيها بشخص يعرف العربية، بل في نيوزلندا والأردن والعراق، إذ ليس لديّ ذكريات غنية وثرة ومتشعبة في الوسط الأدبي العراقي والعربي، وأحد سلبيات العزلة هو التضخم الأنوي، وقد يبرز عند البعض في نصوصهم وسلوكهم، والبعض الآخر في السلوك أو في النصوص فقط.
    وأعتقد أن لطبيعة تكويني في عائلة تتسابق على التهام الكتب، وفي وسط قارئ، كما لعب الحظ معي لعبته الإيجابية حين لم يكتب عني أي كاتب وأنا دون الثلاثين بسنوات، وظروفي الحياتية الصعبة التي أجبرتني أن أعمل طوال الوقت، إن كنت في العراق أو الأردن أو نيوزلندا، مما جعلني بعيدًا عن الوسط والعلاقات، وحتى النشر كنتُ أتأنّى فيه، كل هذه الأسباب جعلت الأنا الشاعرة لديّ أقلّ خلوًا من أمراض النرجسية والمزاجية السلبية والغرور، بينما لاحظتُ أن الأدباء عمومًا والشعراء خصوصًا ممن ترعرعوا في عائلة لا علاقة لها بالكتاب، تتضخم لديهم الأنا بشكل عجيب، لأنهم بدون وعي منهم يقارنون أنفسهم ببقية أفراد العائلة، فتكون المقارنة لصالحهم مما يعكسوه على الآخرين، وكذلك مَن تتناوله أقلام النقاد والكُتّاب وهو دون الثلاثين بسنوات، وبعضهم يتخذ من شتم النقّاد وسيلة لإرضاء غروره وعدم محاسبة نفسه ليستكين للدعة والكسل، وذلك لأن شعره وهو في العشرينات ومطلع الثلاثينات قد تناولته أقلام عديدة، ولكن النقاد عزفوا عنه رغم إصداره لعدة مجاميع شعرية وتجاوزه للأربعين بسنوات، ولكن حبر النقاد جف أمام إصداراته، وهذا هو الهروب من الحقيقة المرة التي لا ترحم، والقائلة إن الشعر مشروع حياة لا يرحم مَن يتهاون به، ويظنه لعبة وتسلية فراغ، أو يستهين لكتابات عضدته ودعمته باعتباره في مقتبل العمر فيظنها شهادة نهائية فيكرر نفسه.
    وأخيراً، ليس مهمًّا استخدام ضمير المتكلم (الأول) بقدر أهمية توظيفه فنيًّا وهل حققت نجاحًا في ذلك، هل أضفت للنص، هذا ما أؤمن به.

    ما يهمني هو كتابة قصيدة خالصة

    21- بالنسبة إلى ناظم السيد، في حواره معك، فإن ((المنفى الآسيوي)) كان محض صدفة قادتك من المنفى الأول الأوربي الذي لم تجد فيه ضالتك.. كيف تجد هذه التخريجة؟ وعن أية ضالة يتحدث السيد لم تجدها في الأوربي ووجدتها في الأسيوي؟

    * المنفى الأوربي هنا تعبير مجازيّ، فنيوزلندا تقع في أقصى جنوب الجنوب، إذ هي آخر بلد في العالم، ومنها تنطلق الرحلات للقطب الجنوبي، ولكن نظامها وثقافتها غربية أوربية أنغلوسكسونية، ورغم جمال الطبيعة الملفت حقًّا، فنيوزلندا التي تتمتع بهدوء جارح أحياناً، لها سلبيات العلاقات الاجتماعية الغربية، وسحق آلة العمل لإنسانية الإنسان، وهو ما تعرضت له شخصيًّا في تجربتي العملية فيها، رغم أنها تفخر بمنجزات مَدَنية كثيرة، وربما كنتُ سيىء الحظ. لا يمكن نكران المنافع الكثيرة التي جنيتها في نيوزلندا، ولكني في المنفى الآسيوي حققت طفرة شعرية مهمة في تجربتي، وما يهمني في هذا الكون على المستوى الشخصي هو كتابة قصيدة خالصة، هذا جلّ طموحي. ولكن هذا لا يعني إغفال الركائز والمحفزات التي ساعدتني كثيرًا، وهذه الركائز والمحفزات مصدرها العراق أولاً والأردن ثانيًا ونيوزلندا ثالثاً.
    أنا ابن حضارة نهرية، وهيروشيما ذات الأنهار الستة، والمطلة على البحر، مع فجائعية تلتقي بفجائعية كربلاء، سوى أن الأولى واقعية مئة بالمئة ومأساتها ماثلة للعيان ورقم ضحاياها مهول حقًّا، بينما كربلاء دخلت الضمير الإسلامي بهالة قدسية أسبغ عليها المعدمون والمهمشون الكثير من تاريخ مآسيهم، فنحن لا نملك وثائق مادية على ما حدث، وأقدم النصوص تعود لعقود طويلة بعد الواقعة، عكس مأساة هيروشيما التي تتوفر وثائقها بشكل كامل، كما لابد من التأكيد أنني في هيروشيما تمكنت من التفرغ للشعر ولأول مرة سمحت لي الظروف أن أتابع العالم العربي من خلال الشبكة، كما أن ألفة خاصة شعرت بها مع المدينة ومع الثقافة اليابانية، والعقلية اليابانية التي حولت مأساة هيروشيما وناغازاكي إلى دافع قوي للانطلاق نحو المستقبل، وأعتقد أن الكتابة اليابانية لو كانت تحوى أبجدية لِغَزوا العالم كما فعلوا مع صناعاتهم وبحوثهم، وكم أتمنى أن نتعلم من اليابانيين بجعل مآسينا وماضينا دافعًا لانطلاقتنا نحو المستقبل.

    22- لا أكاد اتفق مع ترسيمة المنفى التي وضعها السيد وغيره حين ذكروا الأوربي أولاً والآسيوى ثانيًا فأنا أرى ترسيمة أخرى كما يلى:
    المنفى العراقى -المنفى الأوربى- المنفى الآسيوى. بل أجد أن الأول (العراقي) هو الأقسى عليك في محمولاته بدنيًّا ونفسيًّا وفكريًّا من باقي المنافي التي خضتها حتى اليوم ماذا ترى أنت والى أى الترسيمتين تميل؟


    * المنفى العراقي هو الأساس، وأتفق معك أنه هو الأقسى بمحمولاته بدنيًّا ونفسيًّا وفكريًّا، فأقسى شعور يعانيه الإنسان هو شعوره بالنفي في وطنه، وما عانيته هو ما عاناه السواد الأعظم من العراقيين، وإن يَبْقَ لكل شخص خصوصيته في تلقي الألم نفسيًّا وفكريًّا، وتحويله إلى إبداع. وإذا كنا عانينا في الوطن كثيرًا كبديهية شعب يعيش تحت ظل طغيان وجبروت بدويّ لا يفقه ما هي حقوق الإنسان وواجبات الحكومة تجاه مواطنيها والتعامل بمنطق الدولة، فكوابيس هذا الطغيان لاحقتنا عقودا ولا تزال، ونغصت علينا نومنا ليلاً وأربكت تعاملنا مع أناس أسوياء نهاراً، الحروب بالنسبة لشعوب أخرى ذكرى قديمة ويقرأون عن الطغاة إما في تاريخهم القديم أو عبر وسائل الإعلام عن بلدان أخرى، بينما نحن أجبرنا على أن يعيش الطغاة ورعبهم في أنفاسنا، فكانت صدمتنا الثقافية مضاعفة، صدمة المنفى والثقافة الجديدة، وصدمة مرضى إرهاب أنظمة شمولية جاءوا للعيش في ضفاف الحرية فوجدوا إشكالية كبرى في التعامل الطبيعي مع كل هذا، مما تطلب منا سنوات حتى بدأنا نستعيد توازننا، والانطلاق إلى رحاب أوسع، وهو ما تلاحظه في نصوصي التي كتبتها بعد أعوام من عيشي في نيوزلندا، وحين أستعيد تلك الأيام أجد أن الاختلاف في نمط الكتابة لديّ بدأ يتغير مع ابتعاد الكوابيس عني والتي أصبحت تزورني كل بضعة أشهر مرة حتى انطفائها تقريبًا بعد حرب عام 2003 مع تَشَرّب للمكان الجديد وثقافته. أما المنفى الآسيوي فهو منفى استرخائي تأملي استكشافي قياسًا بالأردن ونيوزلندا، مع فرصة ذهبية للتفرغ التام للقراءة والمتابعة عبر الفضاء الافتراضي (الشبكة) مما فتح المجال أمامي لتطوير أدواتي الشعرية والتركيز على الشعري فيما أكتب، والانفتاح على مديات أرحب بالكتابة غير مثقلة بالهموم والأسى والكربلائيات وغير منقعة بالدم، وإنما مثقلة بالهم الإبداعي والشعري والتصالح مع المكان والثقافات الجديدة التي أتعايش معها، كتابة تطمح لأن تتفرد ليس بالأسلوب وحده بل بالموضوعات والتقنيات واللغة والجملة الشعرية، كتابة توحي أكثر مما تقول، أنصتُ فيها لعزلتي محتفيًا بالحياة ضد الموت والخراب الذي يطال الإنسان ووطني.

    23- برغم أن المنافي كانت اختيارًا للخلاص من حالة موات وبرغم الاحتضان والنجاحات الشعرية والحياتية إلا أنك تنطوي على انطباع سلبي حولها فأراك تقول:
    (المنافي التي حلمنا بها وخلناها فراديس تنقذنا تماماً، اتضحت غير ذلك).. ترى أي حلم ذاك هيمن عليك وسبقك في وطء المنفى؟ ولماذا خاب أملك في العثور على فراديس هناك؟


    * أعتقد أننا تطرفنا في النظر للمنافي وبلدان اللجوء والهجرة، ولهذا أسباب عديدة، منها ما وصلنا عن رخاء السبعينات في الدول الإسكندنافية والذي ظل يداعب مخيلتنا، وكلما ضاقت الحياة بآفاقها وَسَّعَت المخيلة من أحلامها وآمالها بل وأوهامها، وضغط الحروب والعنف وتكميم الأفواه وتحول الوطن إلى سجن ضيق يعدّون فيها أنفاس الجميع، والإشارات التي أرسلها البعض ممن وصلوا إلى بلدان اللجوء قبلنا، عن الحريات والرفاه والاحتفاء... إلخ، بينما الحقيقة هو أن كل مَن يصل يعامل معاملة عاطل عن العمل ويبدأ تأهيله من الصفر للانخراط في المجتمع الجديد، وفي هذه الأثناء يتعرض لمطبات كثيرة، فتعلم اللغة على كبرٍ ليس بالأمر الهَيّن والأكثر صعوبة استيعاب ثقافة مسترخية لا مكانة فيها لصلة الدم والجيرة والواسطة بل للسيرة العملية (الذاتية) والكفاءة وحسن السيرة والسلوك ومدى إمكانية نجاح الفرد بالعمل الجماعي وإلى ما سوى ذلك من أمور الدولة المدنية والنظام العصري، كما أن المجتمع الجديد ليس ملائكيًّا، فمع تزايد أعداد اللاجئين والمهاجرين، وتزايد مشاكلهم طرديا ونسبة كبيرة منها نتاج معاناتهم السابقة وما تَرتّب على ذلك من أمراض نفسية ألمت بهم، فالمجتمعات المانحة للجوء راحت تنظر بريبة للقادمين الجدد، وبدأ الخوف على ثقافتهم وما حققوه من تقدم مطرد نحو المجتمع المدني وحقوق الإنسان، خصوصًا وأن أعدادًا كبيرة من اللاجئين راح يتشبث بشكل مَرَضي ومتطرف بثقافته رافضًا ثقافة الآخر كليًّا إلاّ ما يتفق مع مصالحه كمساعدات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وما تقدمه منظمات المجتمع المدني من دعم له، رغم أنه مجبر على التعامل معها، كل هذه الأسباب وسواها جعلتني أعي أن لا فراديس هناك، بل هي منافٍ حقيقية فيها من الإيجابيات الكثير، مقابل القبول القسري بمعاناة جديدة من نوع آخر، وهي التي ذكرت بعضها من قبل.

    فردوسي هو المجهول


    24- في حوار أجريته مع القاص حميد المختار (عقب محنته المعروفة أواخر التسعينات) ذكر لي بالنص (الواقع الأليف خير من فراديس مجهولة) لماذا لم تتوصل إلى قناعة شبيهة بما توصل إليه المختار؟ وهل تقاطع المنافي والفراديس يمكن أن يسرّع بتغيير القناعات القديمة؟.

    * وأنّى لي أن أتوصل إلى قناعة شبيهة بما توصل إليه القاص حميد المختار وأنا الذي سحرني الشعر منذ طفولتي مثلما سحرني السفر واكتشاف عوالم جديدة لم أطأها بل ولم يطأها غيري من قبل، فردوسي هو المجهول، ولكن المألوف ليس جحيمي دائماً، فأنا أتآلف مع المكان ولا أحمل ضغينة له، رغم أن بعض الأمكنة كانت قاسية عليّ. كانت ومازالت ذاتها وهي أن أعيش حيوات متعددة وذلك بالسفر والعيش في ثقافات مختلفة وذاكرات ثرية، اكتشاف العوالم المجهولة مُغْرٍ ويستحق التضحية لأنه ضمن منظومة متكاملة تقوم على خدمة الشعر، والشعر يستحق أكثر مما نعتقد.
    عليّ أن أعترف أن المنافي التي حلمنا بها وخلناها فراديس تنقذنا تماماً، واتضحت غير ذلك، لم تكن جحيمًا مطلقاً، بل لولا رومانسيتنا وعدم واقعيتنا وما علق فينا من نمط العلاقات القائمة على الترابط الأسري الحميم، لكانت أفضل بكثير، الإشاعة التي تغلغلت في كل مفاصل حيواتنا هي التي أوهمتنا بفردوسية المنافي، متناسين أن الغريب يبقى غريباً، وأن النخلة التي نمت على ضفاف دجلة والفرات، وأينعت التاريخ والشعر وأطوار الغناء، لا يمكن لها أن تعطي ذات الثمار في صقيع المنافي، ولكن من الممكن أن يكون لثمارها طعم جديد يثري المخيلة ويُعمق التجربة، حين نتصالح مع المكان والثقافة ونهضمهما لإنتاج نصوص مغايرة لها نكهة المكان الجديد ومعشقة بثقافتين ثقافة الوطن الأم والمنفى.


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 22, 2018 4:29 am