جاسم عاصي: المفارقـــــة فـــي الشعـــــر

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    جاسم عاصي: المفارقـــــة فـــي الشعـــــر

    مُساهمة  Admin في الخميس ديسمبر 15, 2011 11:10 am


    دراسة في قصيدة " إلى لغة الضوء..أقودُ القناديل

    لما كان الشعر هو المرآة التي يمكن للمرء أن يتشوف من خلالها وجوده الحسي ، ووجدانه بمستوياته المسكوت عنها ، أو التي يحضر عليه البوح بها لأسباب ذاتية عديدة ، فأنه أيضا ً يجسّد المفارقة التي يمور حراكها ضمن حراك الذات وهي تواجه الواقع بكل ما يفرزه من ايجابيات وسلبيات . وبهذا لا يمكن اعتبار الشعر داعية لرفع شعار أو تجسيد أيديولوجية ما ، بقدر ما أنه عالم يخوض تجربته ، ويحرك آليته الرؤيوية من خلال مناطق حسية تبتعد عن المباشر من المشاهد ، متمسكة بالعلامات التي من شأنها إجراء الحوار ، والإمساك بأطراف الأشياء ، التي هي من أساسيات تشكله كالحروب وفعل مصادرة الحرية ، وإلغاء الآخر . وما هنالك من علل بدت أزلية في الوجود . من هذا أجد الشاعر ( باسم فرات ) يشتغل على منطقة حساسة ، مارسها شعراء جيله الذين وقعوا تحت مهيمنة الحرب . لذا نجده يُظهر مدى الموقد الذي اكتوى وجوده بناره . فهو يمارس غواية المسكوت عنه ، مبتعدا ً عن المباشر بهذا القدر أو ذاك ، واضعا نصب عينيه المساءلة الفنية للنص ، مستعينا ً بقدرة اللغة على صياغة لغته الشعرية التي اعتمدت كثيرا ً على المفارقة في المشهد أو الظاهرة ، التي تولدها الحرب ، مستعينا ً بقدرته على أن يرى ما يراه هو ، لا أن يتكئ على رؤية الآخر للظاهرة . إنه وهو يمارس مثل هذا الفعل الشعري الرؤيوي ، إنما يصطف دون أن يقصد في منظومة شعرية أنتجتها مهيمنة الواقع المحاط بمجموعة كوابح تصد الوثوب وجهد البحث عن الحرية التي هي سبيل لكل فعالية ترتقي بعالم الذات والآخر . ففي قصيدة ( إلى لغة الضوء أقود القناديل ) من ديوان ( خريف المآذن ) يبدأ بالمفارقة من العتبة الأولى . فهو يُشير إلى فعل تحويل الأصغر إلى الأكبر ، ليمنح هذا الأصغر بلاغة لذاته ، ونعني به ( القناديل ) بينما ( لغة الضوء ) كيان عام يمتلك مساحة موفورة من الوضوح والدائمية والديمومة ، ونقصد هنا الأخذ والعطاء . فالبحر على سبيل المثال يستقبل قطرة الماء إذا ما أضيفت إلى سعته ، لأنها تـُشكـّل وحدة عضوية بمفهوم الإضافة التي تتحول بالتراكم إلى نوعية . وهذا هو أصل الوجود وجدليته . فالشاعر هنا يستعين بالقليل ( القناديل ) ليراكم ضوءها باتجاه المتسع ( لغة الضوء ) وهذه أول المفارقات . التي هي بنظرنا ليست مفارقة سلبية بقدر ما هي حث إلى أن تكون الأجزاء دائما ً تشكـّل الكليات . هذا الخطاب يمكن تحويله دلاليا ً إلى البنية الاجتماعية التي تقود بطبيعة الحال إلى الظاهرة السياسية التي تضعنا أمام ظاهرة الحرب ومكونها ، ليس بدوافع مرضية فحسب ، بقدر ما هي تتبع دوافع الإلغاء وورم الذات السياسية وهي تصادر الآخر من أجل هدف التحقيق . لا أحاول هنا دفع الشعر باتجاه ممارسة فعل النقد المباشر ، إذ لا نعثر على مثل هذه العلامات المباشر في نصوص الشاعر ، بل أننا كمتلقين من حقنا استلام ما يوفره لنا المنتج باتجاه رصد الغايات المخبَئة ، أو قل تلك التي لم يتطرق لها القول في النص . لأننا اعتبرنا الشعر بدءا ً كمرآة يمكننا العثور على ذواتنا من خلاله .
    في استهلال النص ، نلحظ شيء من تلك المفارقة ، حيث يستعين الشاعر بركيزتين أساسيتين في الوجود وهما ( الحلم والطفولة ) ذلك لأنهما مشبعان بالبراءة فالحلم إذا كان يعني غير المتحقق في الوجود ، فأنه يواصل امتلاك الشفافية والعذرية ، بمعنى يبقى حلما ً غير متحققة حيثياته ، وبذلك يفتح لنا أفاقا ً واسعة تـُفيد القراءة ، والطفولة تقابل الحلم الذي لم يكتمل بعد ، أي أن الطفولة عالم مشدود لبراءة الأحلام ، وتشوفات الذات الصغرى إلى كل ما يضع الوجود ضمن شفافية واضحة وبريئة . لذا وجد الشاعر أن ثمة من يفارق بين الاثنين بدلالة ( يجفف ) . وهذا يسري على جملة الاستهلال الثانية :
    { أي حلم يجفف طفولتي
    أي حلم يشق صباحاتي }
    ولعلنا نتوقف على مفردتين هنا أجريتا فعليّ الإلغاء وهم ( يجفف ، يشق ) . فإذا كانت الأولى تـُلغي الوجود قطعا ً فالثانية تبعثر أجزاءه . وفي هذا نتلمس دلالة الكلمتين باعتبارات سياسية واجتماعية أيضا ً ، أو لنقل من باب المصادرة ، أن الشاعر كصوت للذات وللمجموع يواجه مصدات يخلقها الآخر من أجل أن يُلغي وجوده ، لذا كان الكشف عن هذا في الاستهلال قد تعامل مع الظاهرة المستديمة عبر الأزمنة من منطلق الشعر كفن فوفق في ذلك . وإزاء هذا تجد الذات جرّاء المصادرة والانمحاء هذا في عزلة ، حيث يُشير إلى مجموع المعزولين في الوجود { أنا الأخير في قافلة العزلة } وهو افتراض لا يرتكن إلاّ إلى ذات اللحظة المتحكمة في القول الشعري ، لأن القافلة من بعده حملت الأسماء والتواريخ كما هو معلوم . ولعلها أي المصادرة كما نعتناها بالمستديمة ما شاء لها من فعل في حقل الأزمنة .
    ومن المفارقات التي احتواها شعر ( فرات ) في هذه القصيدة في كونه يعمد على جمع المفردات المفارِقة مثل ( صهيل ، صحراء ، حداد ) وهذا الثالوث قد يتناغم مع بنيات كل طرف مع الطرف الآخر كالصهيل والصحراء ، حيث نجد ثمة توائم بينهما في ما يخص المطلق ، فالصهيل فعل يتوجه للمطلق وهو الخلاء وهو المطلق أيضا ً ، لكن المفارقة هنا أن تـُشبه الشيء لذاته ، أو توائم بين شبيهين . وهنا لا ضير في ورود المطلقين ، فالصهيل هنا يتكئ على الصحراء ، لكن الصحراء هنا قد فاض ( حدادها ) وهنا موطن المفارقة . فالمطلق موسوم بالجمال لأنه اتساع الحرية والانعتاق والحداد شكل من أشكال البكاء . وباكتمال العبارة الشعرية نتوقف على مكمن المفارقة ؛ فالصهيل هنا يتكئ على صحراء وهذا مقبول منطقيا ً وبنيويا ً لارتباط المفردتين بدلالة متقاربة ، لكن ما يُبدد هذه الألفة ، هو الحداد . فالشاعر هنا أراد وكما نقرأ أنه يوسم المصادرة ويصل بها كفعل حتى إلى الصحراء التي توجه إليها صوت الشاعر :
    { صهيلي يتكئ على صحراء فاض حدادها
    ويهرول بين الأمطار وبين الشظايا }
    ولعل البيت الثاني من المقطع الشعري ، يمنحنا رؤية للمفارقة أكثر ، وذلك باجتماع الضدين تماما ً في بيت واحد . فالأمطار عطاء وخير ونمو ، لأنه يرتبط بعرس الأرض وهي تستقبل قطراته وزخاته . لكن الشظايا فعل الموت . وهذه المفارقة الحادّة تومئ إلى الإلغاء من باب آخر ، وهو استدامة لمن لا يمنح الحياة السوية للإنسان ، ويعمد إلى منحه الموت . وهذه المفارقة تضعنا أمام صورة أكثر حدّه وقوة من قبل اللاغي للوجود ، فهو يهرول بين الحياة والموت ، بدلالة الهرولة بين الأمطار والشظايا.
    وتتواصل القصيدة في استدراج الحس الشعري ، مستنبتة ما يُستجد من أثر لهذه الظاهرة المتحكمة بالوجود ، حتى تصل به أن يوحد صوته في صرخة واحدة لا تدعو إلى مقولة ( يا بلادي استرجعيني ) بقدر ما يغلفها كنهاية لمشهد تراجيدي ، يتمسك بالمنفى المرتقب . والقصيدة تحث الذاكرة الشعرية للانثيال وعرض ما مضى ، الماضي المليء بالمفارقات التي خلقتها الحرب والعسكرة ، كاشفا عن قبح الحياة ، مقابل جمالها المنطفئ . وهذه هي المفارقة الكبرى ، أن يكون الحال ضمن طيات القبح والتشويه الذي يروم إحداثه الإنسان الآخر ، إزاء إنسان يحث خطاه لصناعة الحياة . فترد ( يطلق النار على الريح / ويفتك بأوراقه الصدى ) مقابل ( كيف لي أن أبل نسياني ، بهزيع التمائم / والرازقي يسيل أسى ).
    القصيدة تستجمع أطرافها ونسقها المركزي عبر الانثيال لتبرر المغادرة . ولعل مجموع من الصور يمكن الارتكان إليها لتبرير قولنا أو قراءتنا هذه ، نوردها كما يلي :
    { أرثيك يا جموح لأن جناحيك
    أنشوطتان للنهار
    بينما البحر يهرّب الأصيل إلى ضفة بلا هوية
    ...........................................................
    أنا وبغداد على شاطئ نعرفه
    نحتسي خرابنا
    بغداد.....
    ليل يجفف عتمته بضيائي }
    هذه الانثيالات تضعنا أيضا ً أمام المفارقة التي تومئ إلى الحب المتدفق والخيبة المرّة . لكنه لا يتوانى عن أن يتمادى في حسه هذا استجابة لحالة الغربة والمغادرة القسرية في جلد الذات والأخر ، من أجل أن يكون جائرا ً أمام نفسه وأمام الآخرين ، فهو لا يُشير بإصبع الاتهام إلى أحد ، إنما يحوّل الظاهرة إلى رؤى فلسفية ، فيجمع بين الخاص والعام :
    { أخطائي .. أنا
    أخطائي
    أبي .. خطأ يتناسل
    أمي خطأ ينتظر خطأ من أجل خطأ
    أنا خطأ يعدَّ الخـُطى فيُخطئ }
    هذا الذي نعتناه بجلد الذات ، نعني به الذات العامة ، التي دفعت بأفعالها الخطأ إلى تراكم الخطأ . فالشاعر بخطابه هذا ، إنما يؤكد إشراكنا عبر ( الذات ، الأب ، الأم )كي يضعنا كذوات بمواجهة الخطأ الفادح الذي ارتكبناه بحق الوجود والحياة . فهو هنا يوقعنا بشراك الخطيئة التي تـُمثلها مصادرة الذات المشينة . ولأنه يتعامل مع الظاهرة من خلال الشعر ، فأنه يتلمس المواطن عبر الذات وتحميلها الخطأ ، لأنه ينظر إلى المكون الفردي باعتباره المكمل للكلي . إن تحميل الذات بهذه الصورة ، لا يعني محاسبة الذات وجلدها ، بقدر ما يُشير إلى انتمائها إلى ذات كبرى هي المجتمع . بدليل أنه يفتخر بنسبه إلى ذات بعيدة في التاريخ وهي الذات السومرية ، كأنه يؤصل ما هو موجود في كيان عام :
    { أنا السومري
    المدجج بالأحلام والأسئلة
    متلكئا ً
    أنفض الحنين عن أصابعي
    أرتجف داخل حياتي
    عبثا ً أنزع الخوف عن وسادتي
    أمسّد عذوبة الغابات
    أواري خجل البحر
    أمام رعونة الموج
    أقود القناديل إلى الضياء }
    لقد جسد الشاعر تلكؤ الذات أمام المصائر ، فصاغها شعرا ً ، يوسده الحنين ، وينفرّه الوجع الدائم ، مستشرفا ً لغة لمكان آخر أكثر أمنا ً لذاته ، فهو يؤكد على أن ( شغفي يجر النهر إلى الصحراء / والعطش إلى السماء /ثم ينتحب أمام وحدانية براءته ) وفي كل هذا يُشير إلى مصير الآخر ، فكأن هجرة المكان الذي يُشير إلى خصائصه وسماته في قصائد الديوان ، هي الطريق إلى المعذبين جرّاء العنف الذي سيمارسه الإنسان مع أخيه الإنسان . فهو بهذا لا يتخذ من كل ما عاش وشهد إلا كونه وفق ما يقول :
    { تركتني أحلامي ومضت
    على الشبابيك تركت تلهفي
    والأبواب تركت عليها خيباتي ) .
    فلا الشرفات التي يطل عبرها على العالم ، ولا الأبواب لتي أغلقت على ما فيها من أسرار وذكريات ، ستكون مخلصا ً له ، فقط تكون زاد المسافر في تجواله .

    --------------------------------------------------







      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 5:54 pm