د. عبد الناصر عيسوي: بعد بلوغ النهر.. باسم فرات.. وبكاء الرحَّالة في البلاد النائية

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 488
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    د. عبد الناصر عيسوي: بعد بلوغ النهر.. باسم فرات.. وبكاء الرحَّالة في البلاد النائية

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء أبريل 03, 2012 9:19 am


    حين يكون عنوان الديوان الذي بين أيدينا "بلوغ النهر" فدلالة العنوان مفتوحة على اتجاهات متعددة: فهل هو الوصول إلى النهر؟ وأي نهر هذا الذي تم الوصول إليه؟ وهل هو وصول الشاعر أو غيره؟ وهل هو الوصول إلى الشاطئ أو إلى المنبع أو إلى المصب؟ وما القيمة الخبرية لهذا الحدث؟ أم أن النهر بلغ أشُدَّه؟ أم أن الشاعر قد بلغ آماله؟ إلى آخر الدلالات التي تظل محتملة، حتى يخرج القارئ من صفحات الديوان، مكتشفًا أن نصوصه الشعرية ممتلئة بالدلالات المفتوحة، لأنها تخاطب عالما غير محدود.
    هذا هو الديوان الخامس للشاعر العراقي المغترب باسم فرات، الذي ألجأته ظروف العراق إلى الترحال في بلاد الله، فخرج من العراق عام 1993، إلى الأردن، ثم طلب اللجوء السياسي في عام 1996، فاتجه إلى نيوزلندا، ثم اليابان، ثم جمهورية لاوس، وتايلند، وفيتنام، وكمبوديا، حتى تغير اتجاهه فاستقر مؤخرا في أمريكا الجنوبية، وبالتحديد في الإكوادور. وقد صدرت له بعض الدواوين الشعرية: أشد الهديل (مدريد)- خريف المآذن (عمان- الأردن)- أنا ثانيةً (زيورخ- بغداد)- إلى لغة الضوء (القاهرة)- بلوغ النهر (القاهرة) وهو هذا الديوان الذي صدر حديثا ونحن بصدد الحديث عنه الآن. وقد صدرت بعض دواوين الشاعر مترجمة إلى الإنجليزية والإسبانية.
    يضم ديوان "بلوغ النهر" ثلاثة وثلاثين نصًّا شعريًّا، ويشكل تجربة فريدة، حيث كتبها الشاعر في ستة من البلاد النائية، التي تغرَّب فيها، والْتَحم بها، وتحاور معها، وحنَّ إليها كما حنَّ من قبل إلى وطنه العراق. لقد الْتحم الشاعر بالبشر، بطقوسهم وطموحاتهم ولغاتهم ومعيشتهم، كما الْتحم بأنهارهم وجبالهم ومدنهم، فكان الديوان مدونته في هذه الرحلة النادرة إلى أقاصي الأرض، وكانت قصائد الديوان تقطر الْتحامًا بإنسان هذا العصر. يقول الشاعر، في قصيدته (مطر في قبضتك):
    "فوقَ حكمةِ بوذا رأيتُكِ تجلسين
    وكان شَعرُكِ ينسَدِلُ مع تَراتيلِ الرهبانِ
    وهَمسُكِ أيقوناتٌ مُحاطةٌ برائحةِ البخورِ
    وضعتِ ابتسامتَكِ في فَم ِالرائي الحكيمِ
    فصارتْ قِنديلاً يُضيءُ غيابَ الفِراشات
    أنفاسُكِ التي طالما قادتني إلى القَصيدةِ
    رأيتُها مُرهَفَةً وهي تَنـزعُ عنها الموسيقى
    وَتُوَزّعُ زُهورًا على الْمُصلينَ
    في شالِكِ الذي غَفَا مُتَبَختِرًا في السيّارة
    تَمَدّدَ البحرُ مُعانقًا سَماواتِ كَتفيكِ.
    كنتِ معي
    تَتَجَوّلينَ على مساحَةِ قَلبٍ وقَصيدةٍ،
    أَبِحْتِ لِنفسِكِ ما لم تُبحْهُ اللغةُ للشاعرِ
    رأيتُكِ، تُقَطّرينَ الفراتَ في مُخَيّلَةِ ميكونَ
    وتحت ظلالِكِ يتمدّدُ الليطانيّ".

    يبدو أن النهر هو نهر ميكون (ميكونغ)، الذي هو الشريان الحيوي في لاوس، وقد صار الشاعر الغريب واحدًا من أهل هذا البلد الذي يقطعه هذا النهر، حيث يقول في قصيدته (عن الغريب الذي صار واحدًا منهم):
    هأنذا.. قدمٌ في ميكونَ وأخرى في الأمل
    أتأمل قواربَ صيادينَ
    يدلني صمتُهم على مَرَاسٍ نخرَها الأبَدُ
    نائمةٌ حيواتُهم في غياهب الطحالبِ
    وتحت أقدام الطينِ تغوصُ أحلامهم
    يتجولون في خرائب الموسيقى
    وحُطامُ أصواتهم
    يُنبئ عن حكايات قضمَتْها الجرذان
    النسوةُ المتشحاتُ بالفقر والجمال،
    يُكوِّرن الشاطئ فوق المناقلِ
    لتفوحَ رائحةُ الشهوةِ والخجل بين أقدام السائحين".

    ويقول في نهايتها:
    "أحتمي بالمطر من البلل
    وبالمناداة من ضجيج الهدوء
    أنصتُ للقلوب وهي تتغامَزُ:
    انظروا للغريبِ، لقد صار واحدًا منا".

    فلقد صار الشاعر متداخلا تمامًا في أحوالهم، فإذا أراد أن يحتمي من البلل فإنه يحتمي (بالمطر)، وإذا أراد أن يحتمي من (ضجيج الهدوء) فإنه يحتمي (بالمناداة). فقد صار للهدوء ضجيج، وصار الاحتماء بـ (المناداة- المفاعلة)، فصار شريكا لهم في حيواتهم، متخليا عن كونه سائحًا، وقضى بذلك على حالة الاغتراب المتبادلة (انظروا للغريب).
    والشاعر شاهد على حيوية التاريخ والطقوس واختلاطها بالنهر، والتفات الناس إليه على الرغم من خلوه من الحياة الآنيَّة، ووجود بقايا حيوات فيه، حيث يبلور الشاعر ذلك بقصيدته القصيرة (مقطع عرضي من نهر ميكون):
    "بوذا بعينيه الماسيتين
    لا يكل عن عبور النهر
    أزمانٌ تمرُّ
    وأساطيرُ تنمو
    كجراح الأيام
    طحالبُ تُعَرِّش مع الأنفاسِ
    بينما شِبَاكُ الصيَّادينَ
    تلتقط بقايا ثياب...".

    وبين وطنه القديم ووطنه الجديد يقف الشاعر في حالة جدَليَّة متلبسًا بالحنين، فيقول في قصيدته (وطن جديد):
    يُخبر أصحابه عن وطنه الجديد
    عن المدُن التي استقبلته
    عن شلالاتٍ بعَدَدِ أيام خدمته العسكرية
    عن معابدَ تنطقُ أيقوناتُها بالبخور
    وأشجارٍ شَيَّعت سبعين ملكًا
    ومازالت تلثغ بالربيع
    عن أنهارٍ تهطُلُ منها
    نجومٌ وشموسٌ
    يُخبرُهم عن غاباتٍ
    تقودُ الحكايا للبحارة
    وقواربَ تُطل على البحر
    كنَسْرٍ متأهبٍ لأنثاهُ
    عن نسوةٍ يُقشرن الجمالَ بلثغتهنّ
    وعيدٍ دائم الخضرةِ
    ينهَلُ الأطفالُ منه براءتهم
    يتبختر كلامًا...
    ويَجهَشُ بالبكاءِ
    حين تقبِضُ عليه وحدتُه متلبسًا بالحنين".

    لقد طاف الشاعر بالبلاد القصية، ليتحد بجبالها وأنهارها وناسها الذين يعيشون في أعماق تاريخهم وطقوسهم، ويغتربون مثله ولكن في عقر دارهم وبلادهم، فكتب لهم وله أغاني اغترابهم جميعًا وصار واحدًا منهم، يحن إليهم كما يحن إلى ناسه الأولين، باكيا حيث يتنازعه النهران، وتتنازعه الضفتان، وتتنازعه الأمكنة، فصار يحكي مشاهداته في تلك الرحلة، في مدونته الجديدة "بلوغ النهر"، لعل في بلوغه أملاً في القضاء على اغترابه.
    مجلة الإذاعة والتليفزيون، العدد 4019

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 25, 2018 7:44 pm