د. محمد المسعودي: متخيل المكان وأبعاده الإنسانية في ديوان "بلوغ النهر"* لباسم فرات

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    د. محمد المسعودي: متخيل المكان وأبعاده الإنسانية في ديوان "بلوغ النهر"* لباسم فرات

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء أبريل 03, 2012 9:45 am

    يتكون ديوان "بلوغ النهر" للشاعر والمبدع العراقي باسم فرات من ثلاث وثلاثين قصيدة شعرية كتبها الشاعر انطلاقا من معايشته لعدد من الأمكنة/ الدول وتمرسه بثقافات شعوبها وعوائدهم اليومية نظرا إلى إقامته، لسنوات طويلة ، في البلاد التي كتب عنها؛ أو من خلال زيارته القصيرة العابرة لبعض هذه الفضاءات. وإن المتأمل في الديوان يكتشف البعد الإنساني العميق في جميع قصائده على الرغم من أن هذا البعد الملتبس بأمكنة اشتغال المتخيل الشعري لا ينسى أو يتناسى البعد الوطني الثاوي طي تشكيل القصيدة. فكيف يتشكل متخيل المكان في "بلوغ النهر" فنيا ودلاليا؟ وما تجليات أبعاده الإنسانية في تشكلاتها الفردية والجماعية؟
    إن قصائد "بلوغ النهر" تتخذ من الأمكنة التي عاش فيها الشاعر منطلقا لتشكيل متخيل قصيدته الشعرية وبناء عوالمه الفنية التي مكنته من التميز في الشعرية العربية الحديثة. ولعل الحضور الغني لرواسب ثقافية إنسانية متنوعة في ثنايا الديوان تكشف عن عمق الارتباط بالهموم الإنسانية ومعاناة الذوات في مواجهة هول الحياة ومأساة الوجود على حسب تعبير أبي القاسم الشابي. وقد كان الشاعر ذكيا في ربطه نصوص ديوانه هذا بأصقاع جغرافية نائية مع تلميحاته إلى وطنه ليتخذ منها أداة لإيصال رؤيته الشعرية إلى الواقع الإنساني المعاصر، وهو واقع مأساوي تشترك فيه جميع البلاد وتتقاسم معاناته البشرية جمعاء في وقتنا الحاضر. وفي نفس الآن تكشف هذه الأمكنة في دلالاتها الرمزية عن الارتباط بالحياة والانتصار للأمل على الرغم من بشاعة ما يجري ويحدث في العالم.
    في قصيدة "الهنمي في هيروشيما" نرى أن حضور المكان اتخذ أبعادا رمزية ودلالات اتصلت بطقوس الفرح والارتباط بالحياة، ونحن نقرأ النص الشعري نسترجع احتفالات اليونان أو الفرس بأعياد باخوس أو النيروز، إذ يصبح اللجوء إلى الطبيعة وملذات المأكل والمشرب وسيلة للتغلب على تراجيديا الإنسان وانكسارات أحلامه. وهكذا تهتم القصيدة بالكشف عن تجليات الفرح ومباهج الحياة، لكن الشاعر يأبى ، وهو يصور طقوس "الهنمي" البهيجة، إلا أن يشير إلى حكاية الطفلة "ساداكو" المأساوية، وأن يجعل من قصتها انتصارا للإصرار على البقاء ومغالبة بشاعة الإنسان التي تدمر المكان والإنسان على السواء. يقول الشاعر:
    "... في حديقة السلام
    لك أن تأوي إلى البهجة مع المبتهجين
    تفترش الطبيعةُ القلوب
    ويغمس الشذا رئتيه في النفوس
    حيث لا حمام يتساقط
    أسراب الرغبات تنهمر مع الأيام باتجاه النهر
    والجلوس على حقول الهايكو
    يزيد الفصول فصلا سادسا
    مع أقداح الساك
    النجوم تستنير بضحكاتهم
    يخب القلق شاردا
    تستفيق الذكرى بعد أن تخلت عن الألم
    الستائر تفتح النوافذ على السؤال
    والغريب يزيح المجهول إلى الماضي
    باحثا في أحلامه عن مرآة
    على مقربة من بقايا قبة خضراء
    وبضعة أمتار عن هُندوري.
    صخرة تخبىء كتاب القيامة
    إنها ليست سورا يسجن ويمحق
    لا رايات سوى البيض
    والزقزقات يشاركننا المائدة
    لا حالمين بجنة
    ساداكو تغزل طائر الحياة
    والوساوس تهز أحلامها بالدموع". (الديوان، ص. 9_ 10)
    هكذا تتبدى في هذا النص إشارات عديدة إلى أمكنة متنوعة: الاحتفال بالهنمي (تفتح زهر الكرز) يتم في حديقة السلام الشهيرة بمدينة هيروشيما اليابانية، وفي أجواء هذا الاحتفال تتداعى إلى ذاكرة الشاعر أمكنة جزئية أخرى ترتبط بالمكان الأصل (هيروشيما): حديقة السلام، النهر، الحقول، والنوافذ، هندوري(سوق شعبي). وفي نفس الآن تحضر أماكن ترتبط بالغريب (الذات الشاعرة) وتحيل على أمكنة بعيدة تركها في وطنه وأرضه: قبة خضراء، صخرة، سور، جنة. ويكشف هذا الحضور القائم على التداعي والتقابل/ التضاد عن الاتصال العميق باللحظة ورفض الماضي بما يمثله من آلام وأسى سواء للذات الشاعرة، أو للذوات الأخرى، كما يبين اختلاف القيم الثقافية بين حضارتين: حضارة ترتبط بالطبيعة (الحديقة، النهر، الحقول) وبالآني وبالحياة هنا والآن (هندوري/ طائر الحياة)، وبالحرية (النوافذ)، وحضارة ما زالت ترتبط بالموت (قبة خضراء) والخرافة (صخرة تخبىء كتاب القيامة) وبالسور (السجن الذي يمحق/ يدمر) وبالغيبي (جنة)، وتتأكد دلالة الارتباط بالآني وشجب الماضي المأساوي سواء في أبعاده الذاتية أو الإنسانية في قول الشاعر:
    "تستفيق الذكرى بعد أن تخلت عن الألم
    الستائر تفتح النوافذ على السؤال
    والغريب يزيح المجهول إلى الماضي
    باحثا في أحلامه عن مرآة
    على مقربة من بقايا قبة خضراء
    وبضعة أمتار عن هُندوري".
    يؤكد الشاعر، في هذا المقطع، ارتباطه باللحظة المعيشة، ولحظة مساءلة الآتي والتطلع إليه في شوق، وإزاحة المجهول إلى أغوار الماضي حتى ينسى، خاصة بعد تجاوز الألم ومرارته. وهكذا يحضر مكان الألم، في إشارات الشاعر وتلميحاته، مرتبطا بشجب الألم ورفض تداعياته، والانتصار للفرح ومحبة الحياة والتواصل الإنساني.
    وإذا كان النص السابق يركز على طقس احتفالي لينطلق منه في تشكيل متخيل القصيدة وهو ينتقل بين مكانين: هيروشيما وكربلاء (الثاوية وراء رموز)، وتتصل بإحساسين غالبين على دلالات القصيدة: الألم (الماضي) والأمل (الحاضر والمستقبل)، فإن الشاعر ينتقل إلى فضاء آخر وهو أحد المعابد البوذية ب"لاوس" ليشكل متخيل قصيدته التي تحمل عنوان "بينما يبتسم بوذا":
    "على ابتسامة بوذا هبطتُ،
    من بين شفتيه سللت حكمته الهائمة
    واريت خجلي بخشوعي
    وأغلقت الأبواب على صرختي،
    كلما عانق مطر رائحة الفراشات،
    تسلق الزعفران جدرانا تتطاول
    كانت ابتسامة بوذا
    سهولا تخيط قميص السماء
    تلمستُ نورها لأغرسه في الكلمات
    وللكلمات حملت النهر
    طردت الماضي
    استقبلت صمتي ورحت أحتفي ببهجتي
    وأنا أرى رهبان بوذا ينتشرون
    صلواتهم تهش عزلتي
    وهالة يستنجد بها البرق
    بينما شموع يتمدد فيها المكان"(الديوان، ص. 37_ 38)
    بهذه الشعرية المحتفية بالبهجة والمنتصرة للتعايش الإنساني والامتزاج الثقافي والتواصل الحضاري يوقع الشاعر نغمته، ويشيد قسمات متخيله. وعبر هذه الأبعاد الإنسانية التي تختزنها القصيدة بين ثناياها يأخذ المكان دورا بارزا في تشكيل هذه الأبعاد. وبهذه الكيفية نرى تجليات المكان عديدة في هذا النص الذي يوظف معطياته توظيفا رمزيا: الأبواب، الجدران، السهول، السماء، النهر، المكان (المعبد البوذي).
    وعن طريق هذه الأمكنة التي ارتبطت، في هذا النص الشعري الجميل، بالأمل وبالآتي وباللحظة البهيجة والطقس الروحي الذي يبعث على الاطمئنان والسكون يبني الشاعر أبعاده الإنسانية ويجسد رؤيته لذاته وللعالم من حوله، وهذه الرؤية تؤكد أن هذه الذات تجد ذاتها في ارتباطها بالآخر وبثقافته وعوائده وطقوسه الروحية، ويتأكد هذا الجانب حينما تصبح صلاة الرهبان البوذيين وسيلة لطرد الشعور بالعزلة ونشر السكينة في أغوار الروح، كما كانت ابتسامة بوذا سهولا من نور تجعل كلمات الشاعر ذاتها نوراً يشع حكمة، وماءً يغسل أدران الماضي وأوضاره.
    ويتضمن الديوان نصوصا عديدة توظف المكان توظيفا جماليا يشكل متخيل القصيدة وأبعادها الدلالية والرمزية، وتتخذ هذه الفضاءات في تداعياتها وترابطاتها تجليات إنسانية تجسد قيم المحبة والسلام والخير والتعايش والتواصل.. وغيرها من القيم الإنسانية الرفيعة التي طالما تغنى بها الشعر وجسدها بأشكال تعبيرية متنوعة. وإذا كان النصان السابقان اللذين تعاملنا معهما قد وظفا المكان في تجلياته الحاضرة منطلقا لتشكيل المتخيل وبناء دلالة النص، فإن الشاعر يعود في نص جميل إلى استدعاء التاريخ والأسطورة وتوظيفهما لتشكيل متخيله ورؤيته للآني والآتي، وهو نص يرحل عبر الأزمنة ليقول معانيه ويرسل إشاراته، يقول الشاعر في قصيدة "هنا حماقات هناك.. هناك تبختر هنا":
    " أوتروا.. أوتروا
    منفاي الجميل
    شوارعك النحيفة كخصور النسوة
    مزدحمة بأشجار تجيد الرقص
    حدائقك تعيدني إلى الجنائن المعلقة
    تستلقي على ذاكرتي
    تتعرى بطريقة تثير اشمئزاز
    حبيبتي التي استوطنها المسيح
    أنهارك لا تشبه الفرات
    أراها تتعرق أمام تبغدد دجلة
    فيهطل شعراء ونواقيس
    جبالك تحملني إلى آشور والآلهة الأربعة
    أحاول أن أزيح عطب التاريخ
    تباغتني وتندس في مخيلتي
    كيف لم تفتحي ذراعيك ابتهاجاً
    بعربات أسلافي العظام؟
    الذين علموا الغرين اللغة
    ولماذا اختبأت بعيداً؟
    حين هم فتى أوروك
    أن يستحم في شلالات بوين فولس
    حيث لا أفاعي تسرق مجده الأبدي
    عزلتكِ تصفع جمالك
    فينسل الأسى بين الشفاه
    يلوح للمحيطات أن تتقرفص كثيراً
    تنغاروا.. أحصي ضياعي إلى المنتهى
    بينما تاني ماهوتا.. فصول من الشكوى والزقزقة
    أحدثه عن انكيدو
    فينثر الترابَ على جناحيه
    غيومك.. تتشابك، تسرق المسرات عنوة
    في المقاهي تحتسي الشاي أو الجعة
    وتنتفض غاضبة للاشيء
    الرياح تغتصب بردك الخجول
    ــــ تافيري.. ثمل دائما ــــ
    أستنجد بعشتار، التي تغزل دمعها ضفائر ندم..."(الديوان، ص 79ــــــــــ 81 )
    يوظف هذا النص المكان والتاريخ معا كطاقتين تعبيريتين لتشكيل متخيله، وعبر لعبة التداعي واستدعاء الأسطورة تتضح معالم البعد الإنساني في القصيدة. وقد استطاع الشاعر أن يؤالف بين آلهة أساطير موطنه العراق، وبين آلهة أساطير البلد المقيم به (نيوزيلندا) ليجسد معاني غربته وحنينه. كما أن تواشج صور أماكن البلدين تتصل اتصالا وثيقا في بنائها لأبعاد هذه القصيدة الجميلة التي تمجد الأمكنة في جمالها الفريد وقدرتها على مؤاساة الغريب ولئم جراحه. ومن ثم نجد هذا النص حينما يتحدث عن المكان الجديد (أوتروا/ نيوزيلندا) بجزئياته تستدعي الذاكرة الشعرية أماكن هناك في الوطن البعيد: الحدائق تستدعي الجنائن المعلقة، الأنهار تستدعي دجلة والفرات، ورؤية تماثيل آلهة نيوزيلندا تستدعي آلهة آشور الأربعة، وبهذه الكيفية يربط الشاعر بين حاضره وماضيه، وهو يجسد رؤياه إلى الآتي، وهو يؤكد أهمية الارتباط الثقافي/ الحضاري في دلالاته الإنسانية.
    وهكذا تقول قصيدة باسم فرات الكثير مما لم يقل بعد في الشعرية العربية المعاصرة عبر طاقاتها الرمزية وإيحاءاتها الدلالية الخاصة، التي شكلها الشاعر انطلاقا من تجربة رحلته في المكان والزمان. وتتلاقى في هذه الرحلة/ القصيدة جذور ثقافية متنوعة تنبئ عن تجدد في الرؤية وتنوع في الأنساق الثقافية التي تشكل متخيل القصيدة.

    هامش:

    * _ بلوغ النهر، باسم فرات، دار الحضارة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2012.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 5:53 pm