أنمار إبراهيم أحمد: الذكريات مباحة للجميع.. الأداء الكنائي في ديوان بلوغ النهر

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 488
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    أنمار إبراهيم أحمد: الذكريات مباحة للجميع.. الأداء الكنائي في ديوان بلوغ النهر

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء أبريل 24, 2012 10:46 am


    لكل شاعر من الشعراء أسلوبُهُ وطريقتهُ الخاصة في بناء النص، وذلك يعتمدُ بشكلٍ أو بآخر على إمكاناتهِ الإبداعية وقدرتهِ في التعامل مع أنظمة اللغة بشكل يفسحُ المجال لموهبته؛ لأن تَعتَليَ سُلّم الإبداع في إنتاج الصورة الشعرية، والشاعر باسم فرات من الشعراء الذين استطاعوا أن يستعملوا تقنيات متعددة وأدوات مختلفة في إنتاج الدلالات الإيحائية، منها الأسلوب الكنائي، وقراءتنا هنا تهدف إلى تسليط الضوء على الصورة الكنائية في شعره من خلال النظر العميق في ديوانه بلوغ النهر محاولين التعرف على كيفية إنتاج الدلالة في النظام الكنائي في هذا الديوان، بعد تأمل الأنظمة العلائقية التي تربط الدوال بمدلولاتها في السياق القولي للنص الكنائي، إذ إنَّ وظيفة الكناية الأساسية هي إثبات وتقرير المعنى الإيحائي بواسطة تدخل العقل بغية استخلاص اللازم من صياغة النص عن طريق تداعي المعاني وتجاورها، فالكناية تتموضع ولاسيما في الدرس البلاغي الحديث في إطار علاقتي التجاور والتداعي، كما أنَّ دراسة البنية الكنائية في نص ما توجبُ عدَم اجتزائها من سياقها الواردة فيه، بل يجب النظر إليها من خلال موقعها وعلاقاتها بغيرها من العلاقات الأخرى ضمن إطار النص الواحد.
    ينهض الأسلوب الكنائي في قصيدة شروق أطول من التاريخ بالاستناد إلى عوالم إبداعية، إذ تتشكل الدلالة فيها عبر الترابط التماسي بين الدوال في السياق النصي الكنائي القائم على التكثيف الدلالي في المستويين السطحي والعميق، إذ يقوم المقول النصي
    كثيرون باعوا صلبانهم بثمنٍ بخس
    بانتاج دلالة كنائية عبر علاقة المجاز المرسل الجزئية التي تتمثل في بيع الدّين والانسلاخ من القيم والأعراف. ويسهم السياق الذي يتموضعُ فيه التعبير الكنائي بتكثيف الدلالة الإيحائية، فنجد الدلالة المعجمية للفظة صلبانهم المتلازمة مع رمز المسيح عليه السلام المدلول المرجعي القريب ، تتحول في سياق النص لدى الشاعر إلى علامة تحيل الذهن على دلالة نهائية في البنية العميقة يمكن رصدها من خلال التراكم المعرفي الذي يحددهُ وعي القارئ.
    ويقوم التركيب الأسلوبي في مقاطع من قصيدة تلاميذ هندوري ، علامة كنائية تشيرُ عبر علاقات التجاور والتداعي إلى دلالات متجاورة.
    هندوري يتمددُ في رحم المدينة
    في ورق الهدايا يبيعُ التاريخ
    يعرضُ الفلسفة على رفوف السؤال
    والذكريات مباحةٌ للجميع
    نداءات الباعة توقظ فيّ عاطفةً لهذا البلد العتيق.
    فالشاعر هنا يعتمد في بناء صورهِ الكنائية على اللاتمركز ، من خلال إقامة فجوة بين الدوّال ومدلولاتها، عن طريق التكثيف الصوري والتداخل العلامي وذلك بتجاور البنى الكنائية مع غيرها بالانتقال عَبر بنيات الترميز والاستعارة إلى المدلول الكنائي العميق. فالسوق هندوري اصبح بواسطة التشبيه القائم على حذف المشبه به الذي يقود إلى تداخل الاستعارة مع الكناية، اصبح جسدًا حيًا يفترشُ قلب المدينة المفجوعة، فكأن الحياة العامرة في هذا السوق تبعثُ على الأمل والإصرار على العيش، كما أنَّ بيع التأريخ في ورق الهدايا يشكلُ مدلولاً رمزيًا يحيلُ على دلالة جديدة تفرزها القصيدة وهي العراقة والامتداد في التأريخ الذي يشكل لدى الشاعر مجازًا مرسلاً ذا تداعيات كنائية. فالحضارة هذهِ لم تؤثر فيها تلك الفاجعة التي نفثت جحيمها قبل 62 عامًا.
    كتلٌ بشرية هائلة تعبرها دون أنَّ تشعر بحجمها
    الذي نفثتهُ قبل 62 عامًا
    فهذا الرقم في القصيدة يقوم بإنتاج دلالة ترمز إلى تاريخ تلك الفجيعة، إذ إنَّ التركيب اللغوي لهذه القصيدة يشكل نسقًا رمزيًا ذا طابع كنائي تتداخل معه الاستعارة، ليشكل دلالات عميقة منها الحرب، الهلاك، الحياة، الأمل، البقاء، الحضارة، الاستمرار، ثم النهوض من جديد. ويبدو أن الشاعر باسم فرات قد نجح في موضع آخر من هذهِ القصيدة في توظيف الفضاء المكاني والزماني للإشارة إلى دلالات معينة، فالمكان هو هندوري ، وتتزاحم الدلالات والإحالات والرموز الكنائية في مقاطع من قصيدة هيروشيما ومدن أخرى ، فتظهر هناك صور معبرة بأساليب رمزية مختلفة
    هي مدنٌ
    تعبرنا ونعبرها
    لتترك وشمها فينا

    وتتكثف الصور الرمزية وتتداخل العلامات الكنائية في مقاطع من قصيدة أضرحة تتناسل ، فالرموز في هذه القصيدة تعطي النظام الكنائي صورة جديدة تعتمد بناء نظام متكامل مما يولد بؤرة جديدة فيه، تكون مصدرًا رئيسًا؛ لإنهاض القصيدة من سباتها إلى إنتاج دلالات لم يألفها الذهن
    الرجل بجبتهِ الزعفرانية منشغل بتقويم
    يخلو من الأيام ويفيض بالجثامين
    حطبٌ ينادي كلُ عابرٍ يحتمي بي
    فالبنى الكنائية تتجاور في مقاطع هذه القصيدة موّلدةً دلالاتٍ مختلفة من خلال الانتقال عبر بنيات الترميز والتواشج مع الأسلوب الاستعاري لتستقر عند المدلول النهائي وهو الخراب والدمار، وهذا ما نجده في مقاطع من قصيدة مدرسة تشاوفوني يات
    بقع الدماء جفت منذ سنين
    وما زال صراخ الضحايا يملأ الُحجرات
    التلاميذ اقتيدوا بعيدًا عن الدرس
    والمعلمون إلى مقبرة جماعية
    رماد الكتب
    يشيرُ لماضٍ ليس بالبعيد
    الأسرة اليتيمة لا تكفُ عن البوح.

    /4/2012 Issue 4173 – Date 14 Azzaman International Newspape
    جريدة الزمان الدولية العدد 4173 التاريخ 14»4»2012
    AZP09
    http://www.azzaman.com/?p=4382

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 25, 2018 8:04 pm