د. خضير درويش: المكان والذات بين التأثير والتأثر

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 484
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    د. خضير درويش: المكان والذات بين التأثير والتأثر

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يونيو 19, 2012 10:05 am


    سأرصد في هذه الورقة النقدية التي تتناول الذات والمكان عند الشاعر باسم فرات، ذلك التأثير المتبادل بين المكان وذات الشاعر وهو يرسم صوراً من العلائق الشعرية التي تشكلها ذاته وهي تحلّق بأجنحة الشعر في فضاءات رحبة. يقول الشاعر باسم فرات من قصيدة "إلى لغة الضوء أقود القناديل":
    أنا وبغداد
    نجلس معاً على شاطئٍ نعرفه
    نحتسي خرابَنا
    بغداد
    ليل يُجفّف عتمته بضيائي.
    هنا يحوّل الشاعر المكان إلى خليل أو صديق ليقيم معه علاقة تماثلية تشير إلى حالة متقدمة من حالات الحزن التي يعاني منها ليس هو فقط، وإنما المكان كذلك، إذ يرى الشاعر أنه يماثله في حزنه هذا. لذلك جاءت الجمل الشعرية التي شكلّها الشاعر مؤديةً لهذا الغرض فهو في قوله: أنا وبغداد. تشير الواو العاطفة إلى حالة التماثل التي تجمع بين الطرفين (المكان والشاعر)، أما نوع التماثل فيتحدد بالجملة الشعرية اللاحقة (نجلس معاً). لقد أَنْسَنَ الشاعر المكان فأحالهُ بطريقة التشخيص إلى جليس. إن هذا الفعل المضارع الذي يشير إلى حالة الاجتماع التي سوف تفضي إلى الغاية التي أرادها، إذ تتحقق ذروة التماثل في قوله "نحتسي خرابَنا". لقد شكّلَ الشاعر هنا صورة تجريدية بالإسلوب الإستعاري فأحالَ المجرد (الخراب) المضاف إلى الضمير (نا) لتأكيد التماثل إلى محسوس ليتم التماثل بأعلى درجاته حين يتحول الخراب إلى شراب يُحتسى من الطرفين. وحين يقول: بغداد/ ليل يُجفّفُ عتمته بضيائي. هنا يحوّل الشاعر المكان إلى زمان فتستحيل بغداد ليلاً معتماً يقابله (أنا الشاعر) المتضخمة لتستحيل ضياءً يبدّد عتمة ليل بغداد، وأرى هنا لو أن الشاعر أبدل الفعل المضارع يجفّف ب (يبدّد) لكان أفضل، ذلك أن العتمة على المستوى اللغوي يناسبها التبدّد لا التجفيف.
    وفي قصيدة "يندلق الخراب فأتكئ عليه" يقول:
    أنا قلقٌ ظامئٌ
    توسّدَه الحنين
    تلوذ بي الكوابيس
    يلوذ الخرابُ
    أقايض الحربَ بالمنفى
    وبابل لا تواسيني
    تحاصرني البحارُ
    ودجلة غارقٌ في العطش
    أغمس الفوانيس في راحتي
    لأمنح النجومَ هذا الألق.
    هنا يبلغ حزن الشاعر ذروته عندما يشكّل صورة تجريدية موغلة في التجريد، إذ يستحيل هو إلى قلق ظامئ، ويزداد ذلك عندما يُصبح ملاذاً للكوابيس وللخراب أيضاً. وحين يقول: أقايض الحرب بالمنفى. فهو يستبدل الحرب بالمنفى وكأن الاتفاق حصل بصفقةٍ من المقايضة أفضت إلى هذا الاستبدال بين خيارين كليهما مرّ، وفي هذه اللحظة الشعورية الموغلة في الحزن تتجه مشاعر الشاعر صوب بابل، فيستحضرُها بمجدها العظيم، لترى ما حلّ بوريثِها أملا بمواساتها التي لم يحظ بها. وعلى الرغم من مرارة الغربة وطعم الانكسار يبقى بلده العراق ممثلاً بدجلة ماثلاً أمام ناظريه، حين يقيم حالة من التماثل السلبي القائم على أساس المقارنة بين المكان الموجود فيه وبين حال بلده، إذ يقول: تحاصرني البحار/ ودجلة غارق في العطش. هنا يستعمل الشاعر اللغة ليس بدلالتها الظاهرة وإنما على مستوى الدلالة الرمزية، فهو في الوقت الذي يجد نفسه محاطاً بالماء من كل جهاته، يرى دجلة ليس ظامئاً فحسب وإنما في أشدّ حالات الظمأ. مَثَّلَ ذلك التشكيل التجريدي الذي يتضمن دالاً رمزياً يشير إلى حالة الخواء التي كان يعاني منها بلده بتأثير سني الحرب، في حين يمثّل الدال الرمزي على المستوى الآخر في قوله (تحاصرني البحار) حالة الإمتلاء في المكان الذي هو فيه والذي لم يعانِ ما عاناه بلده.
    لقد بدا جلياً أنّ ذات الشاعر ذاتٌ قلقة غير مستقرة، ذات سريعة التحول، ذلك أنها لا تستكين لحالة الخسارة أو الانكسار الذي يلمّ بها، فهي سرعان ما تتحول إلى ذات قوية لها عنفوانها الذي يمثل تاريخاً بعيداً ولكنه مضئ، ويتأكد هذا في قولهِ: أغمس الفوانيس في راحتي/ لأمنح النجومَ هذا الألق. فهنا تتحول ذات الشاعر إلى مصدر للضوء وهو مصدر مانحٌ تستمد النجوم ألقها منهُ.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد فبراير 25, 2018 2:19 pm