فائز البرازي: باسم فرات ، شاعر الألم والمعتقد والغربة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 488
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    فائز البرازي: باسم فرات ، شاعر الألم والمعتقد والغربة

    مُساهمة  Admin في السبت أكتوبر 23, 2010 12:20 am

    ( أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر ، ونثر كأنه نظم )

    أبو حيان التوحيدي

    الفن عمومآ والشعر خصوصآ ، وعندما يستطيع أن يشدك ويحتضنك لترى صور الألم والمعتقد والغربة والمعاناة الإنسانية واضحة أمامك وكأنك تعيشها وتشارك أحداثها من خلال كلمات الصدق والإحساس وعمق التعبير ، عندها تستحق تلك الكلمات ، التقدير والحب والتعاطف الإنساني .
    باسم فرات / 1/3/1967 كربلاء : شاعر من بلادي العراق .. شاعر يتناسخ مع أسلافه منذ جلجامش وأنكيدو عبر أكاد وآشور وآرام ، منذ النار الأولى إلى " أشوئي " زرادشت إلى إبراهيم محطم الأصنام إلى حمورابي إلى السريان إلى الإسلام .
    في داخله يحمل كل هذه الإنتماءات ، وبإبتسامة ألم ينظر إلى تجار الثقافات والأديان والإثنيات ، مستغربآ أن يضيع العراق من داخلنا ، لنحل مكانه الجهل والتعصب والدماء والدمار والدولار .
    شاعر الغربة .. الغربة في بلده العراق الغربة في الأردن الغربة في نيوزيلندا الغربة في هيروشيما التي إعتقد أنها أقرب في جغرافيا المعاناة إلى معاناته الخاصة والعامة .
    قال عنه الشاعر / سعدي يوسف / : ( لقد وجد باسم فرات طريقه المتفرد في المشهد العراقي الرائع في المنفى ) . ناشرآ بعض إنتاجه في ديوان ( أشد الهديل ) نشر دار ألواح بمدريد . وديوان ( خريف المآذن ) نشر دار الأزمنة ، وديوانه ( هنا وهناك ) بالإنكليزية . قال عنه القاص / عبد الستار ناصر / : ( يكتب القصائد على ضوء الذكريات المعتقة في صندوق الرأس ، ليس من شاعر أصيل إلا وأكلته الذكريات في ساعة من زمن الغربة والمنافي ، فكيف إذا كان الوطن على بعد ثلاثين ألفآ من الأوجاع والأميال والمحيطات حيث لا أحد ينطق العربية إلا في أحلام اليقظة) . والسيدة / نجاة عبد الله / كانت وغيرها ممن تسابقوا على إيقاد " قنديل الفرات " في سلاسته وهدوئه ، وفي تأججه وغضبته . إلا أنها قد ظلمت نفسها والفرات عندما عنونت مقالها : [ أما آن لهذا الشاعر أن يستريح ] فيا سيدتي هل يمكن للحياة أن تستريح ؟ . وأكاد أرى في مواكب دفن الشعراء ، هامات قرب اللحد ترثي معتقدها وتفتخر بنفسها . وهل يستريح الشاعر سيدتي ومتى ؟ . قالت فيه وبالوطن – من شعره - :
    ( أنا وبغداد
    نجلس معآ على شاطئ نعرفه
    نحتسي خرابنا
    بغداد
    ليل يجفف عتمته بضيائي ) .
    وهل تستريح بغداد سيدتي بما هي عليه الآن ؟ .. وهل تستريح بغداد سيدتي ، حتى إن غرد الطير والفرح في ربوعها ، أم تشدو أكثر بنصرها وفخرها وفرحها ؟ .
    فرات الشاعر ، يعبر عن ألم الغربة في مقارنة شعرية .. بين العراق ، ومنفاه الثاني نيوزيلندا . في ( هنا حماقات هناك ، هناك تبختر هنا ) :
    شوارعك النحيفة كخصور النسوة
    مزدحمة بأشجار تجيد الرقص
    حدائقك تعيدني إلى الجنان المعلقة
    تستلقي على ذاكرتي
    تتعرى بطريقة تثير إشمئزاز
    حبيبتي التي إستوطنها المسيح
    أنهارك لاتشبه الفرات
    أراها تتعرق أمام تبغدد دجلة
    جبالك تحملني إلى آشور ةالآلهة الأربعة
    ..........
    أنا الهارب إلى نزقي من نرجسية الحروب
    الموقن أن لا صبح بضغينة
    وأن الذبول يرتعش أمام الأصيل .
    ...........
    عيسى بلاطة / من جامعة Mc Gill في مونتريال يقول في مجلة الأدب العالمي عن ديوانه : أنه أول كتاب شعري مترجم للإنجليزية في نيوزيلندة . وأن الشعور الغالب في القصائد هو مزيج من الحزن والحنين والحب .
    وفي هيروشيما / اليابان منفى الشاعر الثالث ، يكتب باسم فرات : ( بغداد ) ..
    العقارب
    تنهش ساعة القشلة
    بغداد ..
    هل سيفتح سليمان القانوني
    إصطبلآ لخيوله ؟
    أم
    أن الجنرال مود
    سوف يوزع بيانآ جديدآ !!
    داعيآ السكان للتمتع بالحرية والإستسلام معآ
    أتساءل ...
    وأنا أرى هولاكو
    يحلم بتشييد جسرين على دجلة
    واحد من القرطاس
    وآخر من اللحى
    بغداد
    على فخذيك
    أوهام جلجامش
    غوايات عشتار
    قوانين حمورابي
    وسذاجة دموزي
    هوايات آشوربانيبال
    بجمع الكتب وحرق المدن وتعليق الرؤوس
    قسوة نبوخذ نصر
    إباء النعمان
    حكمة عليّ
    إنخذال الحسن
    دم الحسين
    سيف الحجاج
    وصرامة المنصور
    تبغدد زبيدة
    كأس أبي نؤاس
    أنوار المعتزلة
    رافضية الشيعة
    نزق الحنابلة
    وتلاوة الخوارج
    شطحات مجانين ذوّبوا العشق
    فغالوا ...
    قرمطية الزنج
    زنجية القرامطة
    باب البهاء
    وبهائية الباب
    خيبات الجنوبيين
    وإنتصار شماليين
    جسر للمحبة وللموت أيضآ
    مستودع الطغاة
    منجم الطيبة
    يمر الفاتحون سريعآ ببابك
    وفي رحمك يتآكل الغزاة
    بينما شفتاك
    مباحة للشعراء
    لياليك الألف
    نشيد
    يتبختر في التاريخ والجغرافية
    ويتمدد
    على
    جسد
    الديانات .
    ..............
    وفي حواره المطول مع / عبد الرزاق الربيعي / يقول باسم فرات : ( الإختلاط بشعوب وثقافات مختلفة ، يوسع مدارك الخيال ، بل هو تخصيب للمخيلة ) ... ( مثقفنا : يعرف الكثير عن الأدب والفن والفلسفة والثورة الفرنسية والبلشفية والأمريكية ، ولا يعرف شيئآ عن تاريخ بلده الأكثر تعقيدآ ) .. ( ان غالبية شيعة العراق جذورهم سنية لثلاثة أو أربعة قرون خلت ، وأن التزاوج المختلط مذهبيآ ولغويآ ودينيآ بين العراقيين يكاد يكون من الكثرة بحيث إذا أسست حزبآ قوام الإنتساب له الزواج المختلط وثمراته حتى الجد السابع ، فإنه سوف يكتسح مقاعد مجلس النواب بنسبة تفوق 80% وبالمناسبة أنا أدعو إلى تأسيس هذا الحزب . كما يجب التفرقة بين الشيعة والرافضة )
    ( ان العقلية واحدة ، وما حدث هو تغيير وجوه ، وكلنا يعرف أن البعض ممن أصبح في السلطة الآن كان يلهث أمام فتات السفاح المخلوع ) .. ( ان من ينزل صور طاغية ويعلق صوره مكانها ويسمح لأتباعه ومؤيديه أن يرفعوا صوره ويرددوا شعارات هي ذاتها كانت تردد في زمن سلفه المخلوع أو المقبور ، مع حذف إسم الأخير ، ووضع إسمه مكانه .. هو ليس أسوأ من سلفه فقط ، بل هو يمنحه من دون أن يعي صك غفران وبراءة ) ..
    ويرى باسم فرات : أن كل مشروع شعري يرتكز على أسس : وأهم الأسس بالنسبة لفرات : الموهبة – سعة الإطلاع المعرفي – التجربة . وعن الوطن ، وماذا يعني له يقول : ( ماذا يعني أن يكون العراق أول من اكتشف الحضارة والكتابة وسن القوانين ، ودستوره الحالي مهلهل فيه ما يفرق أضعاف ما يوحد . أما كان الأجدر ترك المسائل الكبرى والمصيرية إلى فترة زمنية تهدأ فيها النفوس وتبدأ بالإسترخاء وبقطف ثمار التعددية ودولة المواطنية وخيرات البلد ، مع تثقيف الشعب بتاريخه حتى يكون على بينة مما يجري وعلى ماذا يصوت ) ..

    وأعود إلى رائعته / الديوان [ خريف المآذن ] طبعة أولى دار الأزمنة عمان الأردن 2002 . أقطف زهرة من هنا محاطة بشوكة من هناك ...
    أنا السومري
    المدجج بالأحلام والأسئلة
    متلكئآ
    أنفض الحنين عن أصابعي
    أرتجف داخل حياتي
    عبثآ أنزع الخوف عن وسادتي
    أمسد عذوبة الغابات
    أواري خجل البحر
    أمام رعونة الموج
    أقود القناديل إلى الضياء
    وأرتق صبرها
    ......
    غير عابئ بالخلود
    غير عابئ بالأفول أيضآ
    أخمش الآفاق وأمضي ..
    أنا جنة نفسي وقيامتها
    بتؤدة أشير للرياحين ..
    بتؤدة تنساب الحقول فوق سريري
    تنضح الضفاف عويلها بقربي
    بينما النشيج .. يندلق عبر نوافذ الإنتظار
    .........
    أرسم بغداد
    رسمت جدولآ وقلت : هذا نهر الحسينية
    تلصصت عليه المطارات
    رسمتُ مئذنة ونخلة
    ووحيدآ أوقفوني إلا من مرآة أحملها
    تصفعني الأيام كلما صرختُ :
    أبي يا أبي أو كلما توغلتُ في موتك
    أهلت التراب على أحلامي
    .................
    عناق لايقطعه سوى القصف
    أرمي لسنارتي الحماقات ، فتنهش الأسماك كلماتي
    تغادرني الحروف إلى الورقة
    تقترح عليّ بيتآ وإمرأة وطفلين
    آه
    أتذكر أنني بلا وطن
    وأن الحروب مازالت تلاحقني وتغيّر أشكالها
    والشظايا سعالي المزمن
    بساطيل الحرس مسخت ذكرياتي
    .....................
    أقول أنثى .. ولا أعني كربلاء
    أنا لم أخبئ طفولتي في قميصي
    لكنها سرقتني من الحرب
    فأعددت لها قلبي فراشآ وصحوت
    ناديت آلامي فأطلت من الشباك
    مترعة بهدأة التباريح
    خشية من الجيران
    أشرتُ لها بيدي ففاضت بالدموع
    وخشية على القصيدة أن تكتمل .
    ...................
    خريف المآذن
    ربيع السواد .. دمنا .. !!
    أمامي
    قباب توسدها التبر
    منائر تغفو على راحة السماء
    تداعب أجفانها النجوم والأيام
    أبواب معشقة بالابريز والفضة
    وأكف الحناء المدماة بنشيج الأمهات
    أبواب تقودني إلى البهاء
    أخلع جسدي قبل أن أصل
    أسوار افترشت الحجر الكربلائي
    وتاريخ ينزّ أسى ودمآ
    عمائم كست السهول
    حدادها أشد حلكة
    من شيخوخة الدهر
    وأخرى تصفو مع الحزن والبَرَدِ
    عباءات تكنس الغزاة
    فيطعنها ضابط الأمن
    شوارع تتوالد في الأزقة
    فتنموا التكايا
    بساتين اتكأت على خاصرة المدينة
    وحقول راحت تحلم مداعبة أصابعها
    لحىً خذلتها طيبتها
    أسواق تتناسل
    وتنتبه في آخرة الرايات السود ..
    ثمة مفرزة تفتيش .
    ..............
    1/3/1967
    1/3/1967 سرقت من أبي الخلافة
    وضربت فحولته فتدلى الخراب من فمه
    1980 مشيت خلف جثتي
    كنت هرمآ وطرقاتي يثقبها الحنين
    بين جبلين يتيمين تركوني ومضوا
    لمحت خطاهم تتثاءب ، لم يلتفتوا إلى ندى قميصي
    وهو يفرك عن عينه النعاس
    كانت صرخاتهم تسبقهم
    لماذا قلبي معطف
    وبين شفتيك تستيقظ الحكمة
    ويبتهج القمر
    لماذا لم تدرك القبّرات سر رحيلنا
    ولماذا ضاقت الحقول
    وبدأت أعمارنا تسعل
    ومرايانا تبصق مراياها
    لاتنحني
    هذياني
    نوافذ أوسع من أفق
    وأعلى من غيم مسراتنا
    رايات مخذولين
    العبق المنتشر كدبيبٍ فوق ساقيك
    الحروف في بيتي
    لكن القصيدة تتهيكل
    من أعطى المدينة هذا الفم
    لتبتلع القصائد والحقول
    فلا أجد مسربآ للحرية .
    أغني للوردة
    بينما يحاصرني الحزن
    أنت لاتدركين
    ماذا يعني أن نترك قبلاتنا
    فوق الرخام
    وينزلق الهواء بين ركبتينا
    من يمسك بالصدفة يمسك بكل شيئ
    كان الأفق يرتد
    ويدي تمر فوقه باردة
    أضيق بالبحر
    فتسقط نجمة أخرى اسفل الحلم
    ...............
    يا صديقي ..
    يا فراتي العذب .. أتتذكر توقيعك لي .. ( من فراتك العذب ..) ؟؟ . عذرآ إن لم أوفك حقك .. وعذرآ إن شوهت ترانيمك الشعرية .. فعذري ، معرفتي .. أنها أكبر من أن تشوه ، وهامتك تحميها مني ومن أمثالي ..

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 25, 2018 7:51 pm