شاكر مجيد سيفو:المتخيل المكاني و تشعير الذكرى في (( إلى لغة الضوء))

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    شاكر مجيد سيفو:المتخيل المكاني و تشعير الذكرى في (( إلى لغة الضوء))

    مُساهمة  Admin في الأحد يوليو 15, 2012 11:43 am


    يتمظهر في مشهدية الخطاب الشعري للشاعر باسم فرات في كتابه الشعري ((إلى لغة الضوء)) يَتَمظهر كل التاريخ الشخصي للذات الشاعرة وانكساراتها التي تقع في بودقة التواشج بين الآدبي والفكري، هذه العلاقة التي يتساءل عن ما يشبهها بين الآدب والايدلوجيا، سارتر في تصريحه: "أهي علاقة لزوم لا تتوانى عن التأكد ((شاء المثقف أم آبى)) على الرغم من الخيبات والمراجعات، حيث تتحول أو تنحو في عهد موت الأيدلوجيات إلى علاقات استبدال – حسب قول الناقد د. شربل داغر في قراءته لشعر آدونيس " ما أثارني هنا أن أستعيد هذه المقدمَّة، هذه البنى الشعرية المتواشجة في تمظهراتها الحسية والفكرية لقصائد – إلى لغة الضوء – للشاعر باسم فرات، اذ نلحظ هذا التعيين الجارف لسيل العلاقات الجدلية وشبكة الآنضواءات الكارثية المولَدة للأفكار والصور، تتقاذفها علامات الشعرية الجديدة من نواة فكرية حلمية تمارس تجذيرها في روح الشاعر وعلاقته الروحية والتصوفية بالمكان والطفولة والأحلام حسب فهومات باشلار وترشح منظومة التعينات الفكرية عن لغة احتجاج عالية، في حمىّ علاقة الانسان وتصوراته البنيوية للعالم والزمن والوجود بعيداً عن مشروع عقلنة الشعر، أي في القطب الشعري بالمحلوم به، إلى ما وراء الحلم والأبستيمولوجيا، ويتشكل هنا الماضي والحاضر اللذين يكشفهما الشاعر في سطوة اللغة الشعرية الصافية والعقل الشعري بالعودة إلى الأستقواء بالحلم الشخصي وتداعياته في مواجهة عواصف الزمن والمكان معاً من جهة والمطلق من جهة أخرى والطفولة السابحة في هذه الخارطة الأستعراضية الكونية وارهاصات الذات وتسلط الآخر، العسكر الذين سرقوا الشاعر من سريره: [ تركتُ على خارطة الطفولة/ براءةً ثقبتها عفونةُ العسكر/ ومن البيت سرقتني الثكناتُ/ ورمتني الى المنفى/ أنا واللّه وحيدان ثمّة أبدية تستظلّ بي/ ثمّة نسيان يغادرني/ تاركاً رائحة القصف في ممرات عمري/ وأقول: في الأقاصي البعيدة/ تستغفلني الحربُ، فتكنس أفراحي/ أَمسكُ بالسراب..ص36-37 – جنوب مطلق] ويزداد إلحاح الشاعر في تضخيم صورة المكان وبنيته ومقارنته بالمكان المنفى، المكان الأول تجذير الأحلام والذكريات الخضراء وتواشجات الذكرى وصور الطفولة وتمثلات المرأة وسعادات الأنا معها في استقطاب حكاية الحياة وتوصيفاتها التشكيلية، وتشبيك كل عناصرها لتأليف نص الحياة الشعرية: " وأقول: في أقصى الجنوب جنوب/ المرأةُ بأعوامها الأربعين تجهل تماماً/ أن أبي أكثر القتلى بشاشةً/ بطولاتهُ أورثتنا الجوعَ واحتفاء الآخرينَ/ ومنذ ثلاثين سنة قمرية تحتطبُ أمي انتظارها/ حتى غدتْ انتظاراً....."ص38 وتتأزم أفعال الحياة في مشهد الطفولة وتتوقف عند المعاني الكارثية الراشحة عن حياة الشاعر في هذه الصورة الكارثية: "طفولتي التي سخّمها الفقر والُيتمُ/ ها هي تمدّ لسانها ساخرةً مني/ بعدما سخّمت حياتي الحروب والمنافي..."ص38 يمدّ الشاعر طاقاته التذكرّية في روح الجملة الشعرية والنسق اللغوي الثخين، إذ يؤسس لمشهديته الشعرية غربة الذات داخل الذات تارة وداخل العالم تارة أخرى والتي تعني شوقه الحميم إلى "الفرات" عالمه الأثيري وغوصه الغنوصي في روح المكان وجمالياته، التي يجعلها الأساس التوليدي لكل المعاني الكبيرة التي يرفل بها النص الشعري، المعاني الروحية في دلالاتها الماضوية التاريخية الموصوفة بالمقدس الظاهر دلالة من الوعي الشعري بفقدان الحسي القريب من الروح الشاعرة والتي لا يبحث عنها الشاعر إلاّ في وطنه الأصل في صور المناجاة الحميمية الطافحة بلذة الشعر والحياة رغم بكائياتها التي تضفي عليها الطقوسية والشعائرية المتجذرة في الوعي الشخصي والجمعي معاً: "يا أعتق المدن المقدسة/ جئناك بالدرّ والحنين/ لنرتشف من مائك الطهور/ سلسبيل أغاني الذين لاذوا/ بعفتكِ من نجاسة الحروب/ المتكئين على أرائك المجد وشهوة الخلود..."ص53-54 – خريف المآذن ربيع السواد........دُمنا..!!)) يرسخ الشاعر من مشهدية الطفولة في صور تذكارية تحيل الى إعلاناته التوكيدية التي تتمشهد شعريا حيث بات الشاعر يسمّي الأشياء شعريا، لا بل يكتب الشيء شعراً "1/3/1967 سرقت من أبي الخلافة/ وضربتُ فحولته فتدلى الخراب من فمهِ- 1980 مشيتُ خلف جثتي/ كنتُ هرماً وطرقاتي يثقبها الحنين/ ص66 من قصيدته الموسومة 1/3/1967)) إنّ هذا الاعلان أو اليافطة التذكارية التي يصرح بزمنها الشاعر هي خلاصة لا بل كل حياته التي ترزح في تمظهرات نصوصه تحت طبقة من طبقات العذاب الأرضي، ويكمل الشاعر اعلانه الاستعراضي وصولاً الى المطلق، في ندائه له ومناجاته الصريحة المكشوفة: " أنا باسم فرات ....يا الله ...أتعرفني؟!/ المخافر موشومة على جلدي/ وأمي لم تلتفت للشظايا/ حين مشطت صباي/ فاَهالت الشمع والآس فوق صباحي..."ص64، يقع هذا الجمع بين الشخصي الوجودي والغرائبي الحلمي كرؤيا سارترية وكاموية في الرؤيات الحادّة لتفكرات الذات الشاعرة، إذ يرقى بالنص في حمولاته الدلالية والسيميائية إلى مشهدية شعرية ضاجة لا تتوقف عند خطّ شعري أفقي، بل يأخذ الشاعر نصه إلى الأقامة عمودياً بدفئه ووحشته في أنساق الغربة والأغتراب والمكان الطفولي الحلمي –الجنوب- أنّ حلم الشاعر يتغذى بقوة التخييل منه وفيه وعليه في تدبير الشعري عبر منظومة آنزياحات مفتوحة تمد المبثوث الثيمي في النسيج النصي بطقوسية خاصة بفلسفة الكتابة الشعرية للشاعر باسم فرات "بينما أحاول أن أمسك بالنعّاس تخمشُ وجهي شمسٌ تطارد فلولَ الليل/ مثل جيشِ أنهكته الهزائمُ يشرئبُّ الأسى في خطواتي/ فأصيحُ: كم من السنوات أُعدَّت لكلامٍ متشّحٍ بالسواد/ مزهوةٌ ظلالي بي/ أُحدَّثُ عابري/ الكلمات عن سماء أجلستها فوق سريري وأرقصتُ نجومها ...."ص81 – من قصيدته – عانقتُ برجاً خلتهُ مئذنة)) يجمع الشاعر في طيات نصوصه شعرية تتنافذ عبر التشكيل والقص والسينما وتتبدّى مظاهر هذا التنافذ في سيميائية اللغة والصورة واشعاعاتهما الباثة والمؤثرة في منحاها السيكَولوجي والثقافي والنفسي والمتعي والدلالي المتعين في اللاوعي الحاد ومُعامل التخييل، إذ يعمد الشاعر إلى تبئير شعرية بصرية تستند إلى المتخيل المكاني في معطياته الباطنية والظاهراتية وهذا ما تبين في معظم نصوص المجموعة، ومنها هذا النص الجميل: " أرسمُ بغداد..[ ما شئتُ شئتُ/ أسكب الفجرَ في تلمّسِ ليلٍ غارقٍ بعماه/ أكتب تاريخ جنوبيين فوق عباءة أُمي/ وعبثاً أمسحُ أكفان الأيام المنسدلة من شعرها...]ص87 تتيح ثقافة الشاعر الدوران الكلي المحيطي في فلك الثقافة الأدبية العراقية الطقوسية المثيولوجية الراشحة عن عالم المكان المقدس من جهة، وثقافة المنفى والأغتراب وتوصيفات الروح الكارثية من الدمار الذي تركته الحروب، إلى تراكم معرفي فلسفي بالثقافة الكونية بالغليان في مرجل القراءة والأنتصاص على المؤثر الآبستمولوجي الصارم. إنّ الشاعر باسم فرات يتمتع بقوة الإمساك باللحظة الشعرية الحرجة الحادة في رؤيته للعالم، تتيح شعرية نصوصه قوة ومتانة العلاقة الرؤيوية بين صوره الشعرية، بل حتى مجاورتها في بؤر شعرية تعكس التشكيل البانورامي لهرمية الفكرة والمعاني والدلالات والبنى الأيقاعية، إذ لا تخلو معطيات صوره من البنى السوريالية والفنتازية – حسب د. صالح هويدي – في دراسته المثبتة في المقدمة: ((عانقت برجاً خلته كربلاء تركض أنّى آقتنصتها، خريف المآذن ربيع السواد... دمنا، يندلقُ الخرابُ فآتكئ عليه....)) تؤكد المخيلة الشخصية استراتيجية الكتابة الشعرية عند الشاعر بأسم فرات عن مركّب خيميائي شعري يجمع بين فضائين مفتوحين، الذات والعالم، الذكرى والمنفى، المكان البعيد والمكان القريب، إذ يحشد الشاعر جملة علاقات شعرية تتردد وتتمظهر في طبقات نصوصه بقوة الأفعال وتنويعاتها الآثارية والفنية والبصرية: " أُمي آياتُ حنّاء يغالبها العشقُ/ فترملّتْ/ حزنُ محبين في آخرة الليل/ يفرغ الهَمُّ في حضنِها مواويلهَ/ ذكرياتٌ مشت عليها الحروب/ ما يقول النخل للمئذنة (حين يمرّ نهرُ الحسينية مصلوباً فوق ريح الشماليين/ غصن رمان ينكسرُ من فرط أساه ص103 من قصيدته عواء ابن آوى.......".

    مجلة شعر المصرية، العدد 146 صيف 2012

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 6:07 pm