أ.د هاني صبري آل يونس: مؤلفات الاغتراب عند( باسم فرات) في (بلوغ النهر)

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 489
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    أ.د هاني صبري آل يونس: مؤلفات الاغتراب عند( باسم فرات) في (بلوغ النهر)

    مُساهمة  Admin في الخميس أغسطس 23, 2012 11:00 am


    تفعيل دالات العصا

    تفجر الدالات :
    إن الشاعر في تجواله الفكري المستمر وتداعياته المضطربة إزاء حالة اللاعودة التي بدأ يستشعرها في تعاطيه مع مرجعيات التواصل مع المكان بوصفه ثيمة معرفية تفترض إمكانات من الانجذاب والانبهار أمام تفجر الدالة الذاتية انفتاحا وانغلاقا. يجر النص إلى شهية معرفية باتت تستحث كثيرا من حافاته الغرائبية. وهو أيضًا مايسجل بحثه المستمر عن استشراف دالات حكائية تكون عنده تقانات الأداء في المساحة التعبيرية التي رشحها لاشتغاله النفسي،ولعل ما بدا واضحا هنا في مخرجات تشكل النص عنده ، أن وعيه المكاني بالمستجد من تداعيات المشهدية يقبع في تمثل صياغي ممهور بالاغتراب بسبب من قصور دلالي أحاط باجتراحاته الفكرية في نظام الأيقونة الأولى أو بسليل عالمه الكبير أو ما يسمى بعالم المخيال عنده .
    الرؤية السردية :
    معنى هذا. إن ممهدات الرؤية السردية عنده أولية جدا تعاني كثيرا من حالات التشظي التي يشهدها عالم التكون الثاني ما نقصده ، تشظيات مخيال الاكتشاف في بؤر التحول والانتقال .
    وليس بغريب علينا تصور ، أن صوغ نظام المحسوس بحاجة إلى قدرة فائقة في تبني صناعة لسانية ومنظومة سردية متطورة ترشح أو تقبل تقانيا ،إسباغ التناص الصوري والتنامي الحدثي للانتقال من أيقونة الذات بوصفها نظاما فاعلا يشخصن الأنا إلى تصور شامل يبئر التأشير لفكرة المخيال الشعري الذي احتفل به (باسم فرات ) في مجموعته (بلوغ النهر ) ولنأخذ مثالا ،قوله :
    كثيرون باعوا صلبانهم بثمن بخس
    جف الحبر في قراطيس رعاة الأغنام
    ولا عصا ، توزع المن والسلوى
    إن مرجعيات تداول المنظومة تقف متحاذة لأوليات تأسيس مفهوم صنعة الوعي الشعري عنده لأن خيوطه الدلالية تتوجه قرآنيا :
    شروه بثمن بخس.......مع الاستدلال في الإفادة من قابلية التنافي اللغوي بين متقابلي المصطلح الإيحائي :وشروه بثمن بخس ....باعوه بثمن بخس .
    تفعيل دالات العصا :
    كانت موضوعة العصا وما زالت تشكل قيمة معرفية في تحييد رؤية المثقف العربي ، بسبب أن اندماج الثقافة العربية بوعي الاضطهاد يشتهر بقوته في تمثل أركان المشهدية الشعرية عند باسم فرات ، فالقارئ يستوحش من إمكانية التوليف الشعري بين بؤرة محايدة وأخرى طاردة تفعل الانجذاب قانون موازنة إزاء ثيمة العصا بوصفها تقانة فكرية أو وجه بشع لفاعلية التواصل الخلاق . فهي سيمياء على تمظهرات نفسية قابعة في بنية المتبقي يستظهر وجودها الإشعار بمدى الرهبة التي يستلزم وجودها في بعض مؤلفات التعبير ولاسيما الغائرة منها في منظومة الغائي أو المتداول أوربما اعتمادها دالة من دالات الترهيب العقيدي ، فهي تقانة معرفية خارجة عن مألوفات الإلفة والتوادد المفروض تواشجها في إحكام التواصل الحدثي وإنتاجات تحققه . فالعصا عند باسم فرات علامة على منشور فكري وانتظام لغوي راسخ يرقى إلى التناص مع تواليات التشكيل في مسرد قصة موسى(عليه السلام) ، فهي في القرآن الكريم أولا : جارحة أدائية متغايرة وإمكانات التشكل في سياقاتها العجائبية متوالدة ومستوفزة على نحو غرائبيي يثير المتلقي بطريقة من الطرق وهي ثانيا : آلة احتراب نفسية تستدعى السحر بإمكاناته الهائلة في الترغيب والترهيب كونه يخترق أفق التوقع عند المتلقي بسهولة لانه يتجاوز ممكنات تواصله الروحي بشكل جذاب ، وربما إفادته من هذا المفهوم جاءت لتسبغ على فردية هذة الدلالة إيحاء من نوع خاص أو أن توسم إفراديتها التعبيرية بصناعة اسلوبية باهرة تسخر هذه الإمكانات كلها كي تمنح دالة العصا قوة قاهرة على الاستلذاذ والاكتشاف :
    ملابسه تذكر بقطيع الحمر الوحشية
    وعصاه التي طالما ابتلعت ثعابين وأعداء
    كثيب نمل غدت
    فهو قد أراد أن يحدد سيرته الشعرية في تشكلات بنائية يعتمد فيها على الراسخ من الأفكار الشعرية بغية إحساس المتلقي أو تلقينه بأن استكشاف مديات الاغتراب إن كان نفسيا في ظاهره إلا أنه اضطر إلى محاكاة السيرورة الشعرية في تعريها إزاء المعروض عليه من وسائل قمع واضطهاد أمكنه وبقوة من إشهار المنفى فارقة نفسية قولبت حياته على نمط الكشف والاكتشاف ، في مجمل ما أنتج من تمثلات دلالية استهلكت مؤلفات الاغتراب عنده .فالعصا من أكثر العلامات الحسية المشهورة في اغترابه النفسي، إن لم يكن قد ذهب إلى إبراز ذلك على مستوى النص إلا أنه كان المفعل الحاكم في أغلب تداعيات الاستنفار النفسي والإخراج الحسي منبوذا إلى أرض لم تكن قدماه قد وطأتها فالحسرة على أرض الآباء والأجداد قيمة إنسانية كبرى دفع إلى الإحساس بها عنوة . استحكم كل ذلك مفهوم العصا في دالات الجبروت والظلم والطغيان الذي سوغ له الإبحار هذه المرة إلى الوجه الآخر الوجه الإيجابي عالم الحلم الجميل في رؤية الدالة المناقضة :
    الجدران تطلق النهر للمدينة ..يتبعه الصبية
    أضرحة تتناسل حكايا وأيقونات
    وعصا الكاهن تحرس صباحاتنا
    إن باسم فرات إذا كان قد وثق بهذه المنظومة كثيرا من التداعيات السياسية والاجتماعية التي مربها إلا أنه كان قد اتخذ ذلك مسوغا فكريا لانشقاقه عن وعي الجماعة على أقل تقدير كي تؤول رؤيته الخاصة لأبعاد الاغتراب إلى سردية عجائبية حولت الواقع العراقي إلى عالم متداع لا يتحكم بنبض بقائه سوى القليل من التوصيفات المعرفية .


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يونيو 23, 2018 11:30 am