عدنان عباس سلطان: المعايشة والجذر في مجموعة الشاعر باسم فرات (بلوغ النهر)

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 488
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عدنان عباس سلطان: المعايشة والجذر في مجموعة الشاعر باسم فرات (بلوغ النهر)

    مُساهمة  Admin في الخميس أغسطس 30, 2012 12:51 pm


    كثيرا ما يؤدي الاغتراب إلى نوع من التوحد الذاتي بالنسبة للأديب بحيث إنه لا يستطيع تخطي تجاربه الماضوية الحادثة قبل الاغتراب، فيتحول جل اهتمامه للتفكير بها واستذكارها وقد تتحول عنده إلى عمل أدبي، روائي أو قصصي أو شعري ولذا تكون حصة المحيط الواقعي الذي يشكل الحاضن للاغتراب حصة قليلة بحدود الواقع المعيشي وإشباع مادي وعلاقات لا تمتد أكثر من الحاجات الآنية وحب الاطلاع والمعرفة بالأشياء التي تشكل نوعا من الإبهار. وهذا تقريبًا هو الفعل والشعور السياحي الذي لا يتناغم مع المحيط الجديد بصورة تجربة أو معايشة حقيقية للواقع الجديد وإنما الاكتفاء بهيمنة الشكل الخارجي وتسجيل ذكريات من خلال إيجاد علاقات مؤقتة مع المكان . وبالدرجة نفسها عدم الاقتراب من الخصائص المكانية ومحمولاتها الثقافية ورموزها ومعانيها ودلالاتها الروحية التي تختبئ تحت الجلد الظاهر للمكان.
    بلوغ النهر للشاعر باسم فرات كانت بلوغا تفاعليا شديد الاندماج في البيئات التي تساكن فيها ضميريا وشعوريا وسلوكيا حتى انه نقل ألينا الهمس الخافت الذي تغامز به ناس تلك البيئات الثقافية في إحدى قصائده:
    انظروا للغريب الذي صار واحداً منا..
    فهذه الدرجة من الاندماج بواقع بيئات اجتماعية ووعي تاريخها ورموزها الثقافية إنما يثري النص الشعري بالصدق والحميمية والتفاعل مما يكسب نكهة خاصة للشعر ومما يعطيه من فضاء أوسع هو فضاء العالم المزخرف بالثقافات الإنسانية المنوعة.
    على إن الشاعر يظل على ارتباط بنحو ما لجذره ربما يحاول المقارنة أو التشبيه باعتباره يحمل إرثا وثقافة كانت حاضنة له منذ طفولته ونيفا من شبابه لارتباطه بالطين والنخيل والفرات وكل العلائق المضمرة في الذاكرة لتصحو تحت وقع وصور الواقع الحاضن وكأن كل ذلك الخزين الذي يحمله الشاعر يصب في نهر كبير من الثقافة الإنسانية ليندمج في شعره كشيء متجانس المواضيع والرؤى .وهكذا يظل الارتباط إلى الجذر الذي يحاول دائما أن يدمجه في الثقافة الإنسانية ودون أن ينأى به متفردا بشكل خاص.
    أمرّ على قرويين
    أكواخُهم تُنبت البسمةَ والدهشةَ على وجوه العابرين

    ألُمّ حياءَهم وأحزانَهم في سلالِ رحيلي
    بينما الغاضريةُ تستفيق على امتداد حقول القصيدة
    أهَدهدها على نغم المونغ
    مُستسلمًا للضباب،
    وهو ينفث أحزانه خلال أنفاسي.
    ****
    ها أنت ذا في حضرة باشو
    لا تنسَ أن تصبّ الماءَ على يديك
    وتضربَ بالناقوس ِ
    ثم تخلعَ نعليكَ
    عليه اقصصْ طُفُولتَكَ
    حين يُقدّمُ لكَ الساكَ
    حدّثه عن أسلافِكَ
    يومَ صنعوا من الغرْيَنِ
    تاريخًا صارَ سجنًا لهم
    وشراعًا للآخرين
    ***
    هُندوري*: سوقٌ يفرشُ أحلامَه وَسطَ هيروشيما
    قوسُ قُزحٍ يحجبُهُ عن السماء
    عادةً.. وفي غفلةٍ من المارةِ
    ينفثُ إلهُ النورِ أوسمتَه على الْمُستطرقين
    الأمطارُ تسترخي فوقَهُ حدّ النعاسِ الْمُزمنِ
    كبيرُ آلهةِ هيروشيما اتخذَهُ صباحَهُ السرمديّ
    قنديلُ محبينَ هو وبابُ مرادٍ للتائهين
    عَتَباتُ البيوتِ تتبرّك ُبغبارِهِ
    ***
    كلُّ زاويةٍ في المدينةِ تنسابُ إليهِ
    من عادتي أن ألوذَ به نهارًا
    بينما ندى القِبابِ مازالَ عالقًا في جبيني.
    وإذ يعلق في جيبه ندى القباب هذا السائح الذي يعيش محنة العالم فان جرحه يكون قابلا للاتساع
    كلما أوغل في مأساة الغير وتعايش مع النزيف الإنساني في تلك المدن التي كانت بالنسبة له نائية مجهولة وتمثل لديه ذهنيا طمأنينة يمكنه أن يلتحفها لتصد عنه الأحزان لكنه وجدها حقول من الأسى فيتلبسه حنين طاغ ويجهش بالبكاء :

    مُدنٌ
    قايضتني بطمأنينةٍ
    كلما تَحَسَّسْتُها
    تنفتحُ أمامي حقولُ أسى
    حقولٌ تغرقُ الأنهار فيها
    مضرّجةً بالندم

    مُدنٌ
    تشاركني صباحاتِها الأنيقةَ
    فأستسلمُ
    لطفولةٍ خبأتُها
    منذ أن رمى الحكماءُ حكمتهم
    في دروبِ الخديعةِ

    يُخبرُ أصحابَه عن "وطنِهِ الجديد"
    عن المدنِ التي استقبلته
    عن شلالاتٍ بعَددِ أيامِ خدمَتِهِ العسكريةِ
    عن معابدَ تَنطقُ أيقوناتُها بالبخورِ
    وأشجارٍ شَيَّعَتْ سبعينَ ملكًا
    ومازالتْ تَلثَغُ بالربيعِ

    عن أنهارٍ تَهطُلُ منها
    نجومٌ وشموسٌ
    يُخبرُهم عن غاباتٍ
    تقودُ الحكايا للبحارةِ
    وقواربَ تطلُّ على البحرِ
    كَنسرٍ مُتأهّبٍ لأُنثاهُ
    عن نسوةٍ يُقَشّرنَ الجمالَ بِلثغتِهنّ
    وعيدٍ دائمِ الْخُضرَةِ
    يَنهلُ الأطفالُ منه براءَتَهم
    يَتَبَختَرُ كلامًا...

    ويَجهَشُ بالبكاءِ
    حينَ تَقبضُ عليهِ وحدتُهُ مُتَلَبّسًا بالحنين.
    بلوغ النهر للشاعر باسم فرات إضافة إلى كونه إبداعا رائعا للغة الشعر التي يخاطب بها ضمير العالم إلا إنها تجربة شعرية متفردة وغير مألوفة في المشهد الشعري العراقي كونها هناك وهنا تحمل هم الإنسان أينما وجد وفي أي بقعة من العالم الفسيح من خلال معايشة صادقة انعكست على الشعر بصورة جلية ومنحته جمالا مضافا لما يكتنز من الجمال والروعة.


      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 25, 2018 8:05 pm