حسن السلمان: التجربة الشعرية وثراء النص في ( بلوغ النهر )

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 495
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    حسن السلمان: التجربة الشعرية وثراء النص في ( بلوغ النهر )

    مُساهمة  Admin في الخميس أغسطس 30, 2012 12:54 pm


    تغتني وتتنوع التجربة الشعرية للشاعر بمدى غنى وتنوع تجربته الحياتية والمعرفية شريطة أن يكون الشاعر ذكيًا وحاذقًا في استثمار تجربته من خلال التركيز على الموضوعات ذات الإهتمام المشترك والمغاير في آن واحد من خلال استدماج الموضوعي بما هو ذاتي بشكل متوازن ومؤثر وعلى درجة من الأهمية. في مجموعته الموسومة بـ ( بلوغ النهر ) يستثمر الشاعر باسم فرات ثقافة الآخر في تمثيلاته الشعرية بحكم إقامته خارج العراق ( اليابان / هيروشيما ) بالإضافة إلى تجواله في بلدان شرق اسيا والتعرف عن قرب على مختلف تقاليدها وثقافاتها ومعالمها الرمزية وصهر كل ذلك في نصوص تكشف الكثير من ملامح واليات تلك الثقافات . ففي اكثر من نص يمكننا التعرف على ثقافة الشعب الياباني وعلى وجه التحديد ثقافة السمو وتخطي الالام والماسي التي ينتهجها بعقلانية وتدبر واجتراح مسارات جديدة للحياة على الرغم من فداحة تلك الماسي والالام خلافا للكثير من الشعوب التي مازالت تدور في فلك الماضي وكانه قدرها المكتوب الذي لامفر منه وبالتالي السقوط في براثن الاجترار والمراوحة الزمنية القاتلة . في نص ( رجل من هيروشيما ) نتعرف على ثقافة السمو والتسامح لدى الشعب الياباني من خلال تجاوزه لكارثة ضرب مدينة هيروشيما بالقنبلة الذرية ابان الحرب العالمية الثانية من قبل الولايات المتحدة الامريكية حيث راح ضحية تلك الضربة 140000 شخص بالإضافة الى تداعياتها المدمرة :
    ( الذي فقد اباه
    في السادس من اب 1945
    وتشوهت امه .
    الذي حمل عوقه
    ستين عاما
    ولايزال .
    قدم وردة لقاتليه
    واحتفى بالحياة ) .
    وضمن سياق ثقافة السمو وتخطي الاحزان ، يلعب النسيان بوصفه طريقة في الحياة دورا كبيرا باتجاه حياة جديرة بان تعاش من خلال ( الفرح ) كما في نص ( الهنمي في هيروشيما ) :
    ( في احتفالات الهنمي
    عليك ان تحتفي بالفرح
    وتطرد احزانك بعيدا
    تحت اشجار الساكورا
    تنادم ضحكات الجميع
    وتمنح النسيان فرصة ان يتسلل اليك ) .
    بيد ان ثقافة السمو والتخطي والنسيان لاتعني تفريط الشعب الياباني لماضيه وتراثه وتقاليده وذلك من خلال احياء تلك الثقافة رمزيا وبصورة كرنفالية حسب ماجاء في نص ( الساموراي ) وهم طبقة المحاربين اليابانيين القدامى :
    ( يعتمر خوذته
    يمتشق سيفه
    يتمنطق بالحديد
    انه بكامل ابهته
    فيه رائحة التاريخ
    وبقايا غباره
    ولأنه لم يجد فرسانا ليقاتلهم
    خصصوا له ركنا
    في المتحف والمهرجانات ) .
    وعلى مدار معظم نصوص المجموعة تطالعنا جملة من التمثيلات الشعرية لثقافة تلك الشعوب من طقوس وشعائر وامكنة واساطير ومعتقدات ورموز وحضارات عبر لغة شعرية ذات طابع ( شاعري ) متماه ٍ مع اجواء ومناخات تلك الامكنة الطافحة بسحر الشرق ، وحكاياته المفعمة بالحكمة والروحانيات على المستوى الفلسفي والديني ، وربطها تمثيليا ً بثقافته الام وماتحمله ذاكرته من احداث ومعارف عبر اكثر من نص كنص ( البراق يصل الى هيروشيما ) ، ونص ( سبادي ) الذي يستحضر فيه احد اسماء مدينته ( كربلاء ) ممثلا باسم ( الغاضرية ) حيث قول :
    ( الم احياءهم واحزانهم في سلال رحيلي
    بينما الغاضرية تستفيق على امتداد حقول القصيدة
    اهدهدها على نغم المونغ
    مستسلما للضباب
    وهو ينفث احزانه خلال انفاسي ).
    إن المتابع الجيد لـمنجز ( باسم فرات ) بشكل عام، ومجموعته ( بلوغ النهر ) بشكل خاص، سيشعر بأن هذا الشاعر قد نأى بنصه الشعري من الوقوع في براثن الذاتية الخانقة والدوران في فلك الاداء، والتعويل كليًا على جماليات الصورة الشعرية المحضة ، وذلك من خلال التوازن بين الأداء الفني وتمثيلاته الدلالية البعيدة عن التعقيد والغموض وبين الخطاب القائم على استلهام مفردات التجربة الحياتية والمعرفية واستثمارها شعريا ً .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 09, 2018 5:48 pm