باسم فرات: سركون بولص والقومية العربية

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    باسم فرات: سركون بولص والقومية العربية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أكتوبر 24, 2012 6:23 am

    نشرت ضمن استطلاع أجراه الصحفي عدنان أبو زيد لجريدة الزمان اللندنية ونُشرَ في الذكرى الخامسة لرحيل سركون بولص
    22 تشرين الأول 2012

    تحدثنا مرارًا عن سركون بولص وفي أمور شتى، لكني اليوم سوف أتحدث عن فهم سركون بولص الذي تعلمت منه شفاهيًّا حب العروبة كهوية ثقافية تكمن عظمتها في مئات الآلاف ممن أبدعوا فيها وأثروها وهم لم ينتموا لأسطورة عدنان وقحطان، أو للعروبة عرقيًّا. وإذا كنت قد تعلمت من المفكر جورج طرابيشي ثراء وعظمة هذه الهوية من خلال موسوعته "نقد نقد العقل العربي" التي يردّ فيها على موسوعة المفكر محمد عابد الجابري "نقد العقل العربي"، فيبقى صاحب هذه الموسوعة عربيًّا، بينما سركون بولص الذي طالما أشاد بالعربية ونحن نتواصل هاتفيًّا، ينتمي لغير هذه الأرومة، بل إنه- مع الشاعرين الكبيرين صلاح فائق وجليل حيدر- من أكثر الشعراء العراقيين قربًا إلى ذائقتي، والثلاثة ينتمون إلى تلك الفئات الجميلة التي طالما رفدت ثقافتنا العربية بمواهب عملاقة، ولكن التطرف القومي العروبي أعمى بصيرة القائمين على البلاد، فكان العنف السلطوي، وكأنه الكرم العربي لمن أحسن وأثرى العروبة ومنجزها الثقافي، هذه العروبة التي أعشق ثراءها بفضل سركون بولص وصلاح فائق وجليل حيدر عراقيًّا، وسواهم المئات إن لم يكن الآلاف في حاضرنا هذا- هم امتداد للجيل المؤسس جيل الحداثة على المستوى العراقي الذي يتصدره مع الزهاوي والرصافي، الكرديين نسبًا، البغداديين ولادة ونشأةً وثقافةً، مئات السريان واليهود والأرمن والتركمان والشبك وسواهم، مثلما الجميع هم امتداد لتلك الكوكبة من عباقرة الحضارة العربية الإسلامية كسيبويه والبخاري والفارابي والقاضي عبد الجبار وابن سينا، وهل يبقى من الحضارة العربية الإسلامية الشيء الكثير لو حذفنا غير المنتمين للعروبة عرقيًا؟
    سركون بولص كان يعشق العربية، فلم أسمع منه- طوال أحاديثنا الهاتفية التي تكررت كثيرًا- مفردة أجنبية واحدة حتى كلمة "أوكي" التي صارت على لسان غالبية أدباء العروبة عرقيًّا، فلم ينطق بها يومًا. لا يعني هذا أنه لم يكن يعتز بانتمائه، بل أحيانًا يتعصب له، ولكنه تعصب مبدع لا يُلغي أو يسيء أو ينتقص من العرب، كما يفهم الاعتزاز الكبير لمن ينتمون إلى هويات فرعية وهامشية، فلا هَمَّ لهم سوى تزوير التاريخ والإساءة للعرب إلى حد أننا لو ذكرنا أن ثمة خمسة ملايين كتاب خُطّت باللغة العربية قديمًا- وهو ما مَكّنَ العربية أن تتصدر جميع لغات العالم بغزارة الإنتاج ووفرة التراث وضخامته- أو استشهدنا بباحثين أثبتوا بالأدلة أن العرب عرفوا الكتابةَ قبل الميلاد وسكنوا الأنهار وسواحل البحار ومنها البحر المتوسط قبل الميلاد بقرون، وكانوا يعيشون في شرق دلتا النيل قبل ما الفتح العربي الإسلامي لمصر بأحد عشر قرنًا، وفي أعالي دجلة والفرات باثني عشر قرنًا، أو تحدثت عن منجز عربي في شمال العراق عمره يزيد على الألفي سنة أو غير ذلك مما هو مدعوم بوثائق وأدلة وبراهين- لرَمونا بالتطرف والعنصرية الشوفينية، رغم خطابهم المبني على أوهام العظمة المُزيّفَة.
    أن تفهم العروبة على أنها هوية شكلتها وأثرتها وزينتها مواهب خلاقة لعشرات القوميات التي تمتد على مساحات شاسعة من آسيا وإفريقية وبعض مناطق أوربا، يعني أنك تنتمي لكل هذه القوميات الجميلة والمدهشة والمبدعة. شكرًا لسركون بولص الذي ترك شعره وصوته أثرًا في روحي كما تركت آراؤه أثرها.

    http://www.azzaman.com/?p=16300
    http://www.azzaman.net/azzaman/ftp/today/p9.pdf

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:54 am