د.علي متعب جاسم: وعي الذات وشخصنة النص.. قراءة في "بلوغ النهر"

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    د.علي متعب جاسم: وعي الذات وشخصنة النص.. قراءة في "بلوغ النهر"

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 10, 2012 11:17 am


    الشعر هو(التأكيد الخالد لروح الأنسان" جيمس جويس)


    كنت أتامل هذه المجموعة الشعرية مليّا واتنقل بين نصوصها فأجد شيئا ما يحكم سيطرته على وعيي بنصوصها تلك,فاللغة فيها منسابة بعفوية والصور تعكس مشاهدات معبأة بأحاسيس ومشاعر والبناء مسيطر عليها من لدن الشاعر بقدرة واضحة ...مثل هذه الأشياء كانت تكون تصورًا عندي وأنا أمضي في كل يوم أجد فيه مساحة للقراءة ... حتى تكونت منبثقة فكرة تغطي مساحة القراءة تلك فارتضيتها وصفا وقراءة لهذه المجموعة .. وتاكدت لي بعد أن اطلعت على شهادة الشاعر في مجموعته تلك .
    الفكرة التي ارتضيتها وقررت الكتابة فيها مستجليا عالم الشعر هي "القصيدة الشخصية "تلك القصيدة التي تبدو وكانها عالم ينفرد مجتزءا نفسه من عالم الشاعر الداخلي ...ليعود مصورا خلجاته وانفعالاته ونبض احاسيسه وتطلعاته وافكاره وكل ما ينبض فيه عالمه الداخلي .
    القصيدة الشخصية اذن تعي ذات مبدعها وتنتجها ملفوظا لسانيا ,ولذلك فالوعي هنا شرط اساس من شروطها. فلكي تكون القصيدة شخصية لابد من انها تنتج ضمن وعي الكاتب لذاته وعيا دقيقا فتتماثل من حيث البناء الفني وتجربة الشكل وعكس المشهد وتحسس المفردة وسياق الجمل وتركيبها اسلوبيا كل ذلك وفق اداراك شخصاني لايكاد ينفصل عن الذات المبدعة .فهي كما يصف غوته علاقته بالشعرحين قال"لقد حاولت ان اجسد كل ما كان يشغلني او يفرحني او يحزنني في صورة ..في قصيدة وبهذه الطريقة كنت اصفي الحساب مع نفسي ..لقد حاولت ان اتخلص مما كان يعذبني بالأغنية ..."1 . ما عناه غوتة ان الشعر الغنائي تفريغ لشحنات الشاعر النفسية ،وما نريده من هذا المثال إن القصيدة تعد ذاتا شخصية والعكس صحيح أيضا .
    ازاء هذا المفهوم يتوجب علينا اذن ان نفرق بين مجموعة من المفاهيم التي تقترب او تكاد من القصيدة الشخصية من مثل القصيدة "الذاتية و قصيدة الشخصية و القصيدة الغنائية وقبل كل ذلك المفهوم القار للذات وللشخصية ليتسنى لنا طرح نماذج من المجموعة ومعالجتها نقديا . مع ملاحظتنا أن القصيدة الشخصية ليست نمطا ليس له مثال في الأدب العربي أو العالمي ،فعلى صعيد الأدب العربي لاتكاد تخلو تجربة شاعر منها الا ان تكريس التجربة لها وتبنيها خيارا في الكتابة كما وجدنا عند باسم فرات لم يكن متيسرا ،فضلا عن شرط الوعي الكتابي .
    يرى مورتن برني أن الشخصية "حاصل جمع كل الاستعدادات والغرائز والميول والقوى البيلوجية والموروثة مضافا إليها ما نكتسبه من صفات و استعدادات و ميول "وهي "تمتزج امتزاجا ويفقد كل منها سمته الخاصة ليخرج لنا منها كل واحد يعبر عن نفسه بهذا السلوك او ذاك ."2. ووفقا لهذا المفهوم فان بالامكان الافتراض ان النص بوصفه سلوكا لغويا يمكن فحص مكوناته وربط تمظهراته بمكونات الشخصية اخذين بنظر الاعتبار المؤثرات الخارجية المحفزة للاستذكار او الدافعة لاستنبات افكار جديدة ,وهو ما يعني من زاوية نظر اخرى فعل المؤثر الخارجي على الشخصية وتوازن انفعالاتها وبالتالي قدرتها على بث النص بالشكل الذي انوجد عليه .ومن هنا تكون شخصنة النص هي المسافة التي يتركها الشاعر بين شخصيته وبين نصه فكلما اقتربت المسافة اتضحت الشخصية حتى لتتوحد منتجة نصا هو ذاته المبدع. وعلينا التفريق بين شخصية الشاعر وذاته وسناتي عليه .
    بعد التعريج على مفهوم الذات وهو مفهوم متشعب الدلالة ولم يستقر على تعريف الا انه بالمجمل "تكوين معرفي منظم للمدركات الشعورية والتطورات والتقييمات الخاصة بالذات يبلوره الفرد "ويتكون من أفكاره "الذاتية المحددة الأبعاد من العناصر المختلفة لكينونته الداخلية "3. .وللذات أشكال منها الاجتماعي والأكاديمي والمثالي وغيرها الا ان ما يهمنا الإشارة إليه هو مفهوم الذات المدرك ويعني "ما ينعكس إجرائيا في وصف الفرد لذاته وهو عبارة عن إدراك المرء لنفسه على حقيقتها وواقعها وليس كما يرغبها .."4 .وهو ما رمينا اليه في العنوان بوعي الذات وإدراكها ,"فالشعر دائما هو "الرغبة الملحة في تحقيق الذات "5 وإدراكها كما ترى الزابث درو . وحين نتمكن من رصد ذلك الوعي نحيط الى حد ما ونمسك بتجربة الشاعر الشخصية كما نفترض ,الا ان من المناسب الاشارة الى مفهوم قريب مما طرحنا الا انه يختلف نوعا ودرجة ذاك هو ذات الشاعر والذات الشاعرة اذ يطرح بعض الباحثين هذا المفهوم رامين الى ان ذات الشاعر هي اناه التي تشكله انسانا ضمن بنية سلوكية خاصة صاغتها مؤثرات اجتماعية ونفسية واقتصادية معينة في حين ان الذات الشاعرة "ذات وجودية عرضية حادثة او انية تمثل وضع الشاعر الاني ..في فضاء الشعر "6 .و هذا الافتراض صحيح وواقع, ذاك انه يتجلى مفهوما ضمن مفاهيم الابداع وتشكله الرؤيوي والنفسي , وقد ادرك كثير من الشعراء والنقاد ترى الزابث ان الشاعر ينعزل عن العالم في نصه اذ انه ما ان يندمج في عملية الخلق حتى "يصبح غريبا عن العالم الخارجي ويدخل في عالمه الحقيقي .."7 وتؤكد ذلك مستشهدة بقول للشاعر كيتس يرى فيه "ان جوهرالشخصية الشاعرية ليس له طابع يميزه لانه يتقمص دائما طابعا اخر"كما تسوق كلاما اخر ليينس اذ يقول"شخصيتي ابعد ما تكون عن ذاتيتي .."8 الا ان ما نريد طرحه هو ما يعاكس تقريبا هذا المفهوم اذ نرى في الشخصية الشاعرة ما تحيل الى عالمها الشعري دواخلها بكل بساطة أي بعبارة اخرى شخصنة الشعر وليس ذاتيته .
    القصيدة الشخصية تحيل الى تجربة هي في الواقع تجربة حلولية عرفانية احيانا انها مزج بين التجربة الذهنية والنفسية في اطار مؤثراتها الخارجية وبذلك لاينتقل الشاعر الى الاخر ليحيل اليه ولا يسحبه الى الانا ليعيشه مرة اخرى فتكون رومانسية انها تبقى وفق شاغلها المركزي في منطقة محايدة .
    لاشك تساؤل يطرا عن تلك العلاقة بين القصيدة الشخصية والقصيدة الغنائية .اذا كانت القصيدة الغنائية تعني موضعة الواقع بشكل شخصي والشاعر يبقى هو هو لايتغير على راي ارسطو "9 "وبالطبع هذا لايعني ثبات ذات الشاعر في نصوصه كلها على حالها ان هناك "انا جديدة في كل قصيدة من قصائده الجديدة "10 فان القصيدة الشخصية وان كانت بالوصف العام غنائية الا انها ترصد تحولات الشخصية عند الشاعر من خلال نصوصه اذ لايمكن على الاجمال الوثوق بان الشخصية تبقى على حالها باختلاف النصوص الا اذا عبرت تلك النصوص عن تجربة واحدة فاذ ذاك يمكن ان يكون الحافز الخارجي والمؤثرات واحدة او متقاربة ومن جهة اخرى فان القصيدة الغنائية تنطلق من الداخل الى الى الخارج وهي بذلك يصح وصفها بالذاتية .انها ترصد الاخر بعين الانا في حين ان القصيدة الشخصية تستقبل الاخر لتذوبه بالانا .
    اما قصيدة الشخصية فهي نمط يقف ضديا مع الاولى ,اذ انها قصيدة ليست غنائية بل (تنتقي من القصة حكايتها ومن الملحمة اختفاء صوت الأنا ومن الرواية شيئاً من السرد والحبكة ومن الشعر وهي أيضاً (قصيدة تجمع بين الموضوعية والتوتر في آن واحد وتجمع بين حدث متطور بأسلوب حكائي في سرد شعري حاذق مؤكدة تأكيداً بارزاً على الشخصية في القصيدة) ، وهذا يعني إن قصيدة الشخصية ذات صبغة موضوعية، وهذهِ الموضوعية متحققة 11.
    إذا افترضنا ان ما قدمناه هو ملامح يمكن من خلالها رصد القصيدة الشخصية فان من المناسب الإشارة ان القصيدة الشخصية ليست غريبة عن تجارب الشعراء فهي تسربت الى كل شاعر عربي او غربي ,قديم او حديث الا ان من المهم القول ان الوعي بالتجربة يكاد ينافس اهمية التجربة نفسها وقد راينا في هذا الديوان وعيا واضحا للشاعر في تقديم تجربته ,التي اراد من خلالها عرض تصورين شخصيين لعالمين تسرب الاول في محيط الثاني ليبدعه خلقا وليضع القارئ امام مشهدين ينبثقان على مدى النصوص .
    الان على عتبة اخرى اجد تبينها من الصعوبة بمكان اذ تحتاج الى وقفات طويلة متاملة في الشواهد لبيان نظم العلاقات التي تربط النصوص فيما بينها وتربطها بوصفها انبثا قات بشخصية الشاعر نفسه .
    وتجنبا للتيه في عرض هذه التصورات نؤثر تحديد ثلاثة محددات نرى أنها تكشف ما ننوي قوله .
    الأول . المتن والهامش
    الثاني .الأنا والآخر .
    الثالث.الزمن ومعادلة النص .

    الأول .المتن والهامش .
    بات من القريب جدا في المقاربات النقدية استثمار الملغي والمهمش بوصفهما متنا يسعى دائما للكشف عن نسق النص وسياقه وبالتالي تمظهره الأسلوبي ،وقد اشتغلت على ذلك نصوص لها حضورها في المدونة الشعرية العربية واستثمرت ذلك في بنيتها الأسلوبية أو الإخراجية وغيرها "مثلا الكتاب لادونيس وجوائز السنة الكبيسة لرعد عبد القادر وغيرها " مما يعني انتماء"الهامش"هنا الى بنية النص نفسه ويتلقاه القارئ بوصفه كلا مركبا يتداخل شرحا وتفسيرا وتاطيرا للمتن ولكن يبقى انتماؤه الى اللغة الشعرية بما يتضمنه من رموز وايحاءات وما يشكله من اضافة تتعدى حدود المنجز بحثا عن افاق جديدة لتقديم التجربة الشعرية .الا ان الأمر الذي نريد طرحه هنا مختلف الى حد كبير . واولى احوال الاختلاف واهمها اننا نقرا الهامش بوصفه منتجا لنمط من انماط الاداء الشعري وليس له علاقة بالتجريب الشكلي ولذا فهو في نصوص بلوغ النهر يحتفظ بمساحة قد تطول أو تقصر في بنية أسلوبية معرفية لاتمت إلى النص الشعري الا أنها وبالمقابل لايمكن استثناؤها في القراءة ومن هنا تشكل نصا يتوازى مع النص الأصل لأنه يعضده ويكشف عن شفراته ،ونفترض ان الهامش قصد إليه واعيا باثا معرفة شخصية لها علاقة بالرموز والإشارات ذات المرجعيات الاجتماعية والمثولوجية المختلفة التي تسربت الى المتن ,مع اشارتنا المهمة الى ان هذه المجموعة تقدم كشفا شخصيا لجغرافيا المدينة بوجهها الحضاري وعمقها التاريخي وكان نصوص المجموعة كلها تضمر تساؤلات للمخفي والمعلن ,المخفي من التاريخ والظاهر من الحضارة وتحديدا الانسانية بما يقابل _في تساؤلات حملتها معظم النصوص_تمظهرات المدينة العربية /العراقية من عمق تاريخي مخفي وظاهر مديني مشوه ! فهي"مدن تعبرنا ونعبرها"كما يقول وهذه المدن ,غالبا ما تحضر في ثناياها الرموز العراقية القديمة والاسلامية العريقة ذات الطابع الحضاري الروحي والانساني من مثل "البراق، الزقورة،"اشور،اوروك،عشتار،مردوخ." ويمكن ان نعدها لذلك تجربة شخصية تحتاج الى فتح نوافذ للدخول لها .
    نقف عند نص "عن الغريب الذي صار واحدا منهم "12،التجربة التي يقدمها النص كما في عموم المجموعة احتواء المكان وانتاجه برؤية تماهي الانا بالاخر ولذا ووفقا لهذه الرؤية فان الشاعر يضطر الى احضار المعرفي قرينا للشعري من اجل خلق نص برؤية شخصية .فيحضر عند ذلك "ميكون النهر الذي يقطع لاوس من الشمال الى الجنوب تقريبا ..والافعى الاسطورية ناغا وطلات ساو السوق الشعبي وهكذا شخصنة المكان أي انتاجه بالرؤية الشخصية .وقد اعتمد الكثير من نصوصه هذا الاسلوب .الا ان من المناسب الاشارة الى ان الشاعر لم يكتف بالنص الهامش فذهب الى تاكيد ذلك بكتابته شهادة عن هذا الديوان تحدث فيها عن رؤيته في الكتابة ولاسيما لقصائد هذه المجموعة متحدثا عن ظروف ومؤثرات كتابة النصوص فيها الا انه بالمجمل خضعت لرؤية واحدة يلخصها في الصفحة الاولى قائلا "راحت نصوصي تختلف فاصبحت نصوصا اقصر واكثر تكثيفا في الغالب الاعم وصارت ذاتية اكثر ..."ديوان بلوغ النهر قصائد في الاماكن النائي13
    في نص اخر "تقريظ باشو"14 لايمكن الدخول الى تجربة النص الا من خلال معرفة "باشو"الشاعر الياباني معلم شعر الهايكو الاكبر ،والواقع ان النص ينطلق مستغلا افق الشاعر الياباني الفكري والمعرفي ولا يقف عنده ليحضر مقابله ابيقار الحكيم العراقي المعروف وليؤطر تجربة "الشعر الروحية العالمية"مضمنا نصه مقاطع من شعر باشو . ان الهامش الطويل نسبيا هو في واقعه نص ليس محايدا وانما متفاعل مع المتن صانع له الى ما يمكن القول فيه ان المتن يتعطل من دون استقبال الهامش ،ومن ثم اختيار الشاعر ووعيه ،يعني انتاج التجربة الشخصية .

    ثانيًا: الأنا ... الآخر:

    الانا في هذه المجموعة اما ذاتا تعي نفسها على ما هي عليه فتكون ساكنة تماهي الاخر فيها واما هي ذات ترى نفسها في الاخر فتعيها من خلاله وبالتالي فان الامر في كلا الحالتين هو تمظهر شخصي للنص . ففي نص وطن جديد15 الذات هي المخبرة عن تحولات جديدة طرات عليها بفعل المؤثر الخارجي "
    يخبر اصحابه عن وطن جديد
    عن المدن التي استقبلته
    عن....
    الانهار
    غابات تقود الحكايا للبحارة
    نسوة يقشرن الجمال
    الى اخره
    الذات واعية هنا لانها تتشكل وفق وعيها بالاخر او من خلاله .
    ولعل نص "كش ملك"16 وضح تعاملا وبيانا لهذه الثيمة .النص يقدم حدثا لنقل فكرة يجمعها الشاعر لتنبثق في نهاية نصه اخذة شكل المفارقة الشعرية اذ تستند على مثير خارجي يمثل الموقف من رجل ربما عابر يستوقف ذات الشاعر فيحث بها رسم موقف او استنبات فكرة .
    حين هممت بعبور الشمال
    نحو شمال يجر خلفه شمالا
    رمقني باحلامه يتشبث بشبابه
    حدثني عن اطفال ينسبون له
    يرتدون اسمه
    ويخلع وجوههم
    عن رحلات الافيون
    وشهداء الطريق
    كان يدخن نخب ذكراهم وهي تسيل على شهيقه
    قرات دموعا يتستر عليها برجولته
    وحين انهمر البوح
    جرحتني معارك وخيانات
    شرطة تتكتم بنصف عرق جبينهم
    وساسة بعد الثراء قالوا لهم كش ملك
    الحدث الخارجي الذي استغرق معظم مساحة النص يكون مدعاة لانشاء نص يوازيه الا ان الفرق بين الاثنين هو في ان الاول يعتمد المشاهدة الخارجية والثاني الحافز الذهني التذكري لانه يرتبط برؤية ذهنية وعاطفية للشاعر .ومع ان هذا النص مكثف ومقتصد جدا الا انه يتيح لمتلقيه تفكيك شفراته اذا ما استعاد ذهنيا واقع العراق بلد الشاعر . وبذلك تتحول ذات الشاعر الى انا جماعية وتغادر منطقتها الى اخرى بفعل المؤثر الخارجي .
    بالمقابل تنوجد نصوص تبقى الذات بها مراقبة للحدث أي بعبارة اخرى تذويب الاخر بالانا .في نص "سبادي17 نقرأ
    أمر على قرويين
    أكواخهم تنبت الدهشة والبسمة
    ألمّ حياءهم وأحزانهم في سلال رحيلي
    بينما الغاضرية تستفيق على امتداد حقول القصيدة
    ......
    النص يعكس مشاهدة رؤيوية بعد أن تؤطرها الرؤية العيانية للمشهد بمعنى ان الصور التي تتعبا في نص الشاعر هي نافذة شخصية على ثقافة جديدة بما فيها من اللغة والعادات والطقوس الى جغرافيا المكان .

    ويبقى : فضاء النص الزمني.
    إذ يصح إلى حد بعيد توصيفنا الشعر أنه رؤية وموقف. وإذا جارينا هذا التوصيف فأننا بالإمكان أن نبحث في " زمن النص " من منطلق الرؤية و الموقف .
    لا نريد ب "الموقف " موقفا من , و انما وفقا لتصورنا ان الموقف يعني الثابت , الذي تصنعه ذاكرة ذهنية تقف من الزمن موقفا موجها سواء كان هذا الموجه نصيا " موجه قرائي " او موجها " ايحائيا " يحث ذاكرة المتلقي على انتاج زمن مواز للتركيب الدلالي الذي ينتجه النص .
    الزمن وفقا لهذا التصور ثابت لانه حتى في حركته يبقى سكونيا ملازما لمواقف اديولوجية خاصة بل و متبناة من لدن الشاعر نفسه , و في الاغلب تتسرب بنية الزمن هنا بشكل لاواع تغلفها احيانا مواقف نفسيه تشحنها انفعالات يومية و ربما طارئة . هذا النمط من الزمن يضع النص في تشكل رؤيوى .
    ويتجه بحثنا عن الزمن من منطلق الرؤية الى ان نجد او محاولة ذلك نمطا من تشكيل بنائي و دلالي للنص رؤيويا . الزمن وفقا لهذا التصور رؤية خالقة للنص مؤطرة لتكونه. ففيما يخص التمظهر الاول للزمن,نرى ان النصوص في الاغلب انتجت وفق منطق يحاول صناعة زمن رؤيوي شخصي باعتماده المزاوجة بين زمنين تاريخي وحاضر اما التاريخ فهو يتمفصل عبر رؤية الذات في بعض النصوص للتاريخ والارث الحضاري العربي مع اقرانه بالتراث والتاريخ العالمي "واقصد هنا تاريخ البلد الذي يمر به ويكتشف حضاراته ومن هنا نصبح ازاء زمنين يتحدان بالرؤية ويفترقان بنمط الحضارة وكذلك تشكلها .
    وبالمقابل تنتج هذه الرؤية تعاملا اخر مع الزمن حين تتحد بالحاضر الذي تتسرب اليه رؤيتان ايضا رؤية بلد الشاعر والاخر البديل وهو ما يفضي بنا الى تصور ايجاد زمن ثابت اعني معبا برؤية من لدن الشاعر نفسه .
    في نص" هنا حماقات هنا18
    حدائقك تعيدني الى الجنائن المعلقة
    تستلقي على ذاكرتي
    تتعرى بطريق تثير اشمئزاز
    حبيبتي التي استوطنها المسيح
    انهارك لاتشبه الفرات
    اراها تتعرق امام تبغدد دجلة
    فيهطل شعراء ونواقيس
    جبالك تحملني الى اشور والاله الاربعة
    احاول ان ازيح عطب التاريخ
    تباغتني وتندس في مخيلتي
    كيف لم تفتحي ذراعيك ابتهاجا
    بعربات اسلافي العظام
    الذين علموا الغرين اللغة
    ولماذا اختبات بعيدا
    حين هم فتى اوروك
    ان يستحم في شلالات بوين فولس
    حيث لاافاعي تسرق مجده الابدي

    في النمط الثاني لبنية الزمن,لايكون الزمن معبا برؤية الشاعر الاديولوجية وانما هو ظهور يؤطر النص ,كما في نصه
    أضرحة تتناسل"و" حكايا أيقونات" و"مقطع عرضي من نهر ميكون19
    بوذا بعينيه الماسيتين
    لايكل من عبور النهر
    ازمان تمر واساطير تنمو
    كجراح الايام
    طحالب تعرش مع الانفاس
    بينما
    شباك الصيادين
    تلتقط بقايا الثياب .

    الزمن هنا مهيمنة نصية تنتج فعل الاستمرارية، وتغذي النص بدلالات التوحد فبوذا حاضر مستمر الحضور والافعال كلها تقريبا تنتج امتداد ازمنيا ،والملاحظ ان هذا النمط لاينتج برؤية شخصية كالاول .
    ومنتهى الكلام تساؤلات اترك الاجابة عنها للقارئ .هل استطاعت القصيدة الغنائية تطوير ذاتها وانتاج نفسها على مر العصور وتبدل الاشكال وتداخل الاجناس الفنية عموما لتنتج القصيدة الشخصية على مستوى الرؤية كما انتجت من قبل قصيدة الشعر مقابلا لقصيدة النثر وقصيدة الومضة وغيرها ... وهل يمكن ان تعد تجربة باسم فرات جديرة بالاحتذاء والتطوير ؟ وهل استطعنا رصد ظاهرة تستحق ؟......


    الهوامش والاحالات :
    1. نظرية الادب .تاليف عدد من الباحثين السوفيت .ترجمة الدكتور نصيف جميل التكريتي دار الرشيد بغداد .1980: 407
    2. علم نفس الشخصية .اعداد كامل محمد محمد عويضة .مراجعة ا.د.محمد رجب البيومي .دار الكتب العلمية .دار الكتب العلمية .لبنان .1996. 99
    3. العلاقة بين مفهوم الذات والتكيف الاجتماعي لدى المعوقين جسديا .دمشق دار كيوان .2001. 14
    4. المصدر نفسه
    5. الشعر كيف نفهمه ونتذوقه .الزابيث درو .ترجمة محمد ابراهيم الشوش .بيروت 1961: 15
    6. الذات الشاعرة في شعر الحداثة العربية .د.عبد الواسع الحميري .المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع والنشر .ط1 .لبنان 1999. 14
    7. الشعر كيف نفهمه ونتذوقه .20
    8. المصدر نفسه.21
    9. نظرية الادب.412
    10. المصدرنفسه.518
    11. قصيدة الشخصية في شعر الحرب .علي عباس علوان .م.الاقلام.س23 شباط 1988. 4
    12. بلوغ النهر .باسم فرات . الحضارة للنشر .القاهرة .ط1. 2012 .13
    13. شهادة للشاعر غير منشورة
    14. بلوغ النهر .87
    15. المصدر نفسه .69
    16. المصدرنفسه.101
    17. المصدرنفسه .29
    18. المصدرنفسه.79
    19. المصدر نفسه.65,67

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 17, 2018 8:51 pm