د.وسن عبد المنعم الزبيدي: باسم الفرات:شاعر الاحتجاج الهارب من سعار الحروب يكتب للمستقبل ويغني للسلام

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 489
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    د.وسن عبد المنعم الزبيدي: باسم الفرات:شاعر الاحتجاج الهارب من سعار الحروب يكتب للمستقبل ويغني للسلام

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 10, 2012 11:24 am

    إن شق سجوف ما في داخل العمل الإبداعي من مزايا التفرد والتميز تتأتى من خلال حركية النص وآليات تحليله لاستنطاق كوامنه وبالنظر الباطني الذي يمكننا من استجلاء بعض المقومات التي انبنت عليها شخصية الشاعر في محاولة منا للجمع بين جذور التجربة الإبداعية من الداخل ومظاهرها الاجتماعية من الخارج .
    هذه المجموعة الشعرية ( بلوغ النهر ) للشاعر باسم الفرات هي ذوبان في أحداق الكلمات يتراوح الشاعر بين معين التناقضات في دوران ذبذبي لدفقات شعورية تحتدم في عمق المعاناة الإنسانية بحساسية فياضة جردت أشكال المحسوسات لدى الشاعر صورا طفق معها ينسج أنساق الأحلام أو صور المقدسات في اللحظة نفسها .
    إن أهم ما يسم هذه المجموعة هو طابع الوعي الحاد عند الشاعر ، فقصائده تشي عن وعي فني متنام لواقع أدبي مزدحم بتناقضاته وآفاقه المتداعية ينسحب إلى حقيقة مهمة تتجلى في الوعي السياسي وقدرات المنتج الكلامية ورؤيته المعرفية بالواقع الإنساني الرازح تحت كابوس المستبد وصولا به إلى وعي وجودي يفصح عن تأملات في منزلة الإنسان ووضع الكائن البشري بين مقتضيات الجسم والروح ( ).
    انعكست هذه الخصائص على شعر المجموعة فجاءت أدبا خالصا بقلق الإنسانية وحيويتها مسفرا عن الذات الفكرية المتوجعة التي لا تطيق الانزواء أمام احتدام الصراعات واستفحالها في المجتمع البشري ، فكان أدب التحدي للأنماط الزائفة بغية إقامة دعائم القيم الحق على وفق أفكار إنسانية جامعة تسعى إلى استنهاض الفعل الكامن في دائرة الكلام ، استطاع الشاعر من خلاله أن يوظف اللغة توظيفا أكثر شفافية وإشراقا بدت في أبسط توصيفاتها ، لغة جامعة لحالات إنسانية شتى فقد ألقى الواقع المعيش ظلاله على لغة الشاعر، الذي بدا شديد الالتصاق بقضايا مجتمعه فخرجت صوره إلى الوجود حية ناطقة بالشعورالإنساني الخلاق ، وهذا التجاوب النفسي بين الأديب والتجربة لا بدّ من أن يسمو به الانفعال المتأزم ، فالانفعال الوجداني الحقيقي ، ومعاناة التجربة يؤديان إلى العمل الأدبي الناجح. ولا شك في أن المبدع يعي تماما القيمة الحقيقية للغة فهي كما ترى الرائدة المبدعة نازك الملائكة بأنها (( كنز الشاعر وجنيته الملهمة في يدها مصدر شاعريته ووحيه )) ( ) ، والشعر على حد تعبير فاليري (( لغة داخل لغة )) ( ) ، والشاعر في خروجه عن المألوف يستولد دلالات جديدة متجددة ، تتعمق وتتسع ولا تنحسر في الدلالة الحرفية،بل التركيز على تخلق الطينة ، اللبنة وصيرورتها وما يطرأ عليها من تغيرات حيوية بعد أن يحقق الانزياح والتنافر بين الدال والمدلول من خلال تراكيب مؤثرة ، فالنص الشعري (( في حالة تشكله يخضع لقوانين اللغة العادية ... يشكل في ذاته لغة جديدة بقدر ما يخلق أشياء يقيم بينها علاقات معينة )) ( ) ،ولاشك في أن فرصة تحقيق الاتساع في الدلالة وإنتاج معان جديدة متحركة تحكمها طبيعة التجربة الشعرية نفسها ، يقول الدكتور عز الدين إسماعيل : (( إن كل أديب له شخصيته المستقلة ، فيتبع ذلك أن تكون له لغته الخاصة ، أو لنقل أسلوبه الخاص )) ( ) .
    إن أولى مراحل انشطار الوعي وتشظي الذات تنبع من خلال تقمص التجربة الذاتية واعية كانت أم غير واعية ، فالنص الشعري يستمد قيمه الجمالية والأسلوبية ورؤاه الفنية من محمولات بؤر عدة يفجرها المكان بوصفه مثيرا فاعلا يكتنز مخزونا هائلا من غرائب الحكايات المتشحة بالفنتازيا والأساطير والخرافات وبالميثولوجيا ،أستطاع الشاعر أن يستثمر الوقائع والشخوص والأمكنة وكل ما تقع عليه عيناه، فالنص الشعري هو انعكاس لكل ما يراه من هيمنة الآخر ، وهنا نلحظ أن تقنيات النص الشعري تكاد تكون متشابهة لاسيما في عرض الشخوص في داخل النص أو في رسم الأحداث أو في التعبير عن الأفكار ، ولعل مرد ذلك إلى أن تلك النصوص بدت أقرب إلى كونها نصوص حياة لا نصوص أفكار أو هي تصوير للواقع بصيغة مباشرة .
    حينما يجري البحث في أمر المجموعة الشعرية فمن بين أهم ما يلتفت إليه هو العنوان (بلوغ النهر )، وبالنظر في ماهيته نجده منتزعا من متنها ومن حيرة الشاعر في سعيه الدائب لبلوغ غاياته وهو يشكل بؤرة تفجير الدلالات، فالعنوان متماسك البنية لا يحتمل إسهابا لغويا لأنه حينئذ يؤول إلى التفكك ، هذا العنوان يحمل نوعا من المراوغة الدلالية لما يثوي وراءه من الرموز والخلجات الغامضة واتجاهات اللاشعور ، ومن شأن هذه العتبة أن تقوم بدور الوشاية التي تمنح المتلقي مفاتيح الاستكشاف لولوج النصوص الشعرية .
    أستطاع الشاعر أن يستثمر تقانة التصوير الفوتوغرافي وتوظيفه في بنائه الشعري ،بما يمكن ان تمنحه الصورة بثقافتها الحديثة وهي تلملم الأجزاء المتناثرة وصولا إلى الإطار العام ، فكأن القصائد هي صور فوتوغرافية تكشف عن الواقع اللامرئي وراء الواقع المرئي .
    لاحقت عدسة الشاعر المرئيات وسرعان ما تحولت تلك الصور عبر الحساسية الفنية معينا خصبا تتفجر من خلاله شحنات الوجدان بجانبيها الإيجابي والسلبي .
    الإيجابي ، بوصفه بؤرة تفجير شحنات الملكات الشعرية الخلاقة ، والبعد السلبي ، لما يضمه من قواعد مأسوية عبرت عنها التجربة الشعورية .
    يسعى الشاعر جاهدا إلى إقامة علاقة متوازنة بين قطبي العلاقة الإبداعية وقد تجلى ذلك واضحا في نصوصه فهو يهتم برسم الشخصيات حتى تبدو مقنعة للمتلقي، نقف عند قصيدة(( متحف السلام في هيروشيما ))
    حين تدخل ... عليك أن تحذر الارتطام بالأنين
    أو أن تحرك دمعة طفلة بارتباكك
    اضغط على الزر وأنصت لحكايات صامتة
    حكايات توغلت القسوة فيها والألم
    خلف الزجاج ثمة حداد زاده الزمن نضارة
    ثمة بقايا رماد الضحايا
    أشباه ساعات تشير إلى الثامنة والربع صباحا
    دمى عليها آثار أصابع احترقت
    قلائد صدئة ، ما بقي من طفولة ابتلعها الجحيم
    في الأقفاص الزجاجية قافلة أحلام تجمدت
    وكثير من حماقات وخيالات رجال أثقلت أكتافهم النياشين
    على الحافات نسي الوقت نهاراته
    وهو ينصت للأراجيح التي تكدست في الغيوم
    روائح المرارات تخنق المرور عبر الطوابق
    هواجسك سوف تستبيح كل شيء
    إنها المحنة تدخل أوكارها البرية
    الضباب يجفّف الساحل من البهجة
    والصخرة التي طالما أثقلت كاهل سيزيف
    ها هنا تجدها وقد تلاشت
    ضجيج المدينة مختزلا بحشرجة معلبة على هيئة بضع كلمات
    الفردوس ، وهم نطلقه لتنويم الفجيعة
    وآب لم يكن لهّابا فقط ، إنها السماء فتحت أفواه جحيمها
    فراغات تنمو كالعدوى ، والكراهية فطر نبت في كل مكان ،
    وبالظلام كل شيء اكتسى
    لكن حياة الراهب ملساء
    تغوي حكمته قاربين بالجنوح إلى السرمدية
    لا ساموراي هنا ...
    وكل شيء يدل على الندم .( )
    تبدأ بجملة طلب ( حين تدخل ... عليك أن تحذر الارتطام بالأنين ) ، ومن ثم ينتقل بعدها إلى وصف خارجي عام لحركة الشخصية داخل المتحف ، فعندما سرقت البسمة من شفاه الشاعر وارتجت روحه مرتطمة بجدران القسوة طارت في السماء تبحث عن المنافي ، كانت كلمة الاغتراب الدواء الذي استطاع الشاعر أن ينتشل ما تبقى من حضارة الإنسان العراقي ليعيد إنتاجها في المنفى الأوربي مرورا بعمان لكنه لم يستطع أن يتأقلم مع حضارة أوروبا فكانت اليابان الفضاء الذي فتح ذراعيه لاحتضان غربة الشاعر هناك ، وجد نفسه أمام مأساة جديدة كانت آثار الحروب مازالت شاخصة أمامه في المتاحف والدروب لم تبق غير الكلمات التي ستكون الأزميل الذي سينحت الشاعر تمثاله من بقايا الحروب ليكون ذلك عونا له لأن يصنع حياة هي عبارة عن الماضي الذي تركه في بلده ، ولكنه أستطاع في المنفى الأسيوي أن يوحد حضارة الإنسان العراقي مع الإنسان الياباني ، وحدّهم الماضي وآثار الحروب ، فدخل المتحف الذي ما زالت آثار القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما 1945م شاخصة وهناك استطاع أن يكتب قصيدة عن متحف الحرب ليرسم من شظاياه المتبقية تمثالا للسلام والمستقبل .
    تشتد ضغوطات المتناقضات وإيلام المفارقات على إحساس الشاعر وكيانه الوجودي فتتفجر في نفسه تفجرا متأزما ينتهج بها منحى المأساة تفصح عنها كثافة صورية نلحظها في كل كلمة في القصيدة ،الحذر من الارتطام بالأنين ودمعة الطفلة التي يثيرها الارتباك ، كل شيء صامت لكنه مليء بالكلام ، فالقسوة تتكلم وبقايا الرماد يتكلم ، هناك إحساس قائم بأن الفجيعة قائمة على الرغم من مرور السنين ، فتلك المأساة مخبأة في الحماقات والخيالات لرجال أثقلت أكتافهم النياشين ، الزمن يتوقف وهو ينصت للمراجيح ليس هناك سوى أشباح تتراقص في الكلمات أشباح الجلادين وأشباح الضحايا تجمعهما صورة التضاد ، وللتضاد قيمة فاعلة تسهم إلى حد كبير في إثراء الأسلوب ، أستطاع الشاعر أن يوظفه بضرب من الصنعة الشعرية لخدمة غرضه فهو مولد للشعرية كونه (( أحد تجسدات الفجوة)) ( ) ،وفي ضوء ذلك صار هذا اللون البديعي معرضا للمعاني الذهنية والنفسية والعقلية المتنافرة فتحرك في الشعور آثارا عميقة بأسلوبها الموازن المقارن ( ). فكما يختصر الشاعر هذه الصور في الكلمات فإن الكلمات تختصر الصور أيضا ، العذاب مازال مستمرا وصخرة سيزيف ما زالت قائمة ،وبديهي أن يكون النسيج الشعري كتلا من المثاني المتضادة تصاغ عليها المداليل المتوازية المتصادية ، فنجد في ( ضجيج المدينة مختزلا بحشرجة معلبة على هيئة بضع كلمات ) قبالة ( الفردوس وهم نطلقه لتنويم الفجيعة).
    صورتان متناقضتان ، أحدهما لصورة الواقع وأخرى لصورة الشاعر وكأنه يراقب الموقف جاعلا من نفسه حكيما ورائيا بحيث تبدو صورته المرتسمة للوهلة الأولى خارجة عن النواميس والأعراف إلا أنها سرعان ما تقفل راجعة إلى حقائق أزلية تكشف عن الاصطراع الإنساني وعداء الإنسان لأخيه الإنسان .
    ( فراغات تنمو كالعدوى ، والكراهية فطر نبت في كل مكان) ،
    فالتدمير البشع أعطى صفة الكراهية ، والصورة التي جاء بها مستعيرا صورة الفطر الذي يتناسل في الأرض من دون أن تكون للإنسان يد فيه بل هو تناسل آلي كذا الكراهية تتناسل في كل مكان ، فالإنسان ما عاد إنسانا بل أداة من أدوات الجحيم .
    ( وبالظلام كل شيء اكتسى ) ، صورة سوداوية فيها كثير من مظاهر التحطيم الذاتي لنفس تمزقت حتى تصدعت ثم انصهرت في بوتقة الألم ، ومن ثم ينتقل إلى نقد لاذع لكل ما هو ديني وروحي .
    ( لكن حياة الراهب ملساء ) ، لأنه لا يملك أي أثر في الحياة ، وهذا يعني أن قوة الكراهية هي التي تسّير الحياة وبذلك يعود إلى الشجن الياباني الساموراي ّينفي وجوده الذي يمثل الحياة الوادعة بل هناك مسخ للحياة انقضاض على كل ما هو إنساني .
    ( كل شيء يدل على الندم) ، كل من شاركوا بهذه الجريمة ندموا لكن ما أثر الندم .إنه متحف الإنسانية المقهورة ومتحف لكراهية الإنسان حيث اجتمعت الصور المتناقضة الحية واللا حياة ، الحياة المعلبة واللا حياة التي نتج عنها هذا الظلام السرمدي ولم يعد للندم سوى هذا الواقع المقفر لا حياة فيه ، ومن هنا تتجلى قدرة الشاعر على هضم الماضي وتدوين المأساة وجعل الكلمات نابضة بكل ما يمكن أن نتخيله من ماض أصبح صورا لكن هذه الصور تنبض بحياة أخرى لأجيال أخرى عليها أن تنبش في الماضي بعيدا عن كل ما يمكن أن يحدث من جراء هذا الطيش لذلك أصبح المتحف متحفا للسلام مع أنه يتحدث عن مآسي الحروب إذن هذه الصورة انبثقت من النقيض من الحرب إلى السلام .
    ينزع الشاعر من وراء تلك الدلالات الناجمة عن احتدام التناقضات نزوعا يخرج من خلاله إلى إقرار حقيقة مهمة تمنح المتلقي أفقا أوسع في إدراك كنهها ، أن الإنسان العراقي إنسان محب للسلام فقد عاش حربين داميتين أخذت أعز ما لديه فهو ينوء بعبء أحداثها تتراءى له صور التأزم النفسي لتكشف حالات التلاشي العاطفي فتتوافد مداليل الغيبة مما يزيده وجعا وإيلاما ، فالأشباح التي توجد في هذا المتحف يرجع صدى استلهام الإنقاذ ، فالحرب هي هي أينما كانت والسلام هو طموح الإنسان وما ينشده يجسد إنسانيته والحرب مستلبة للإنسانية وهكذا توالجت صور تلك التناقضات .
    المصـــــــــــــادر :
    (1) الأدب وفنونه ، د، عز الدين إسماعيل ، دار الفكر العربي ،ط6، 1976م.
    (2) بلوغ النهر ، شعر باسم فرات ، الحضارة للنشر ،ط1، 2012م.
    (3) بنية اللغة الشعرية ، جان كوهين ، ترجمة : محمد الولي ، ومحمد العمري ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ـ المغرب ـ ط1، 1986م.
    (4) سايكولوجية الشعر، نازك الملائكة ، دار الشؤون الثقافية، بغداد ، 1993م.
    (5) في الشعرية ، د. كمال أبو ديب ، مؤسسة الأبحاث العربية ، ش ، م .م ، بيروت ، ط1، 1987م.
    (6) قراءات مع الشابي والمتنبي والجاحظ وابن خلدون ، د. عبد السلام المسدي ، الشركة التونسية للتوزيع ،ط2، تونس 1984م.
    (7) اللغة الشعرية ، دراسة في شعر حميد سعيد ، محمد كنوني ، دار الشؤون الثقافية العمة ، بغداد ، ط1، 1997م.
    (Cool مدارات نقدية في إشكالية النقد والحداثة والإبداع ، فاضل ثامر ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1، 1987م.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة مايو 25, 2018 10:08 pm