د .نوافل يونس الحمداني: إعجام الوافي بين الإشكالية والإنجاز قراءة في(بلوغ النهر )

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 494
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    د .نوافل يونس الحمداني: إعجام الوافي بين الإشكالية والإنجاز قراءة في(بلوغ النهر )

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 10, 2012 11:29 am


    ملخص:
    كان ( بلوغ النهر) محاولة فاعلة في خلق روابط تواصلية تقوم على المجاورة الثقافية المبتناة على أساس واع من المبادلة الفكرية عبر تشكلات بنائية نرصد منها وعيا ذاتيا في الاحاطة بعرف شعبي وخوض فيوضاته التراثية، كما أن تجسير المسافة بين قطبين مكانيين اقتضى استطلاعا لآفاق الغريب في المكان بوصفه فرادة خلاقة تتجاوز قيم بؤرة الاتساق بين المكان وتداولية أنماطه،تجسد ذلك بانسيابية شعرية،وتصورات حالمة وواعية للبيئة المضيّفة بشخوصها وعوالمها ، بلغ بها الشاعر مواطن انسانيته التي تسامى فيها عن جراحه الخاصة ليرتقي باحساسه للتعبير عن البشر عامة ليكون همه ووطنه جزءا من هم العالم الاكبر،كان ذلك من خلال انغماره في نهر معرفة الآخر ومعايشته بتفصيلاته اعتقادا وفلسفة ورؤى،انسرب ماؤه إلى ذاكرة العرف العربي في بلوغ عذب .

    خطاب الإقناع :
    يمكن عد الرسالة اللغوية تقانة أدائية توصل المتكلم بالمتلقي على نحو يحتمل أو يحتاج إلى كثير من وسائل الانسجام لتحقق فرادتها في أداء موضوعاتها الخطابية ، ولعل من مهمات التواصل الأُول عند المبدع انحيازه إلى ذاكرة التلقي في سيرورة وعي مكاني يرشح انغماسه في بؤرة ذاتية تؤقلم آلية التعبير في الايصال والتواصل .

    ولأن الشعر فن التوصيل،أو آلية من آلياته،فالقراءة الأولى لديوان ( بلوغ النهر ) تؤكد ميل الذات العارفة بمعطيات الصناعة الشعرية إلى ابتدار فكر معرفي وتقاني يسعى إلى اشهار قيم فكرية أو اعلان بؤر مكانية لا تستجلب مرتكزات القراءة الايجابية والفاعلة لدى المتلقي بسبب من جدة الرسالة على وعيه العرفي ، وتعثره في التفاعل معها ، لأن في تبئير دلالات المكان تلونا اشكاليا يحيل على منطلقات تداولية مهمة منها التقبل والاندماج في وعي مجتمع القصيدة انتاجا واقبالا .
    ويعطينا الانخراط بدالات المكان في هذا الديوان تصورا عن ولع معرفي بمجهول بيئة مغايرة،أو محاولة التحول المكاني لفضاء جديد في استظهار حيثياته أو التأصيل لسردية أداء الامكنة في بيئة عربية / عراقية ، تبعد كثيرا عن افتعال مواصفات الفضاء الآخر, فغرابة المكان وقيمه الصادمة بحاجة إلى إضاءة واعية وتوصيف ثقافي ، يجعل عملية التواصل بين المتراسلَين ممكنة ، ومن دون هذا الكشف والاستبانة يتحول الأمر إلى اغلاق يصادر رؤية المتلقي ، ولاسيما أن تزاحم الافكار والرؤى وقولبة الاطار العام للتعبير بلغة شعرية اكتنزت بمجازات وتمثلات مواربة وتوصيفات مكانية غرائبية غير موصوفة تسهم في تعقيد الرؤية مما يعجم على المتلقي درايته على نحو يجعله يستوفز المكان ويستغربه .
    ونستشف من نصوص باسم فرات ما تحمله من سمات شعبية ،أو محلية تترجم المكان وأحداثه برموزه،وتمثل طقوسا تراثية في أغلبها تنحو منحى اسطوريا ، و قد اتخذ الشاعر من واقع لمسه وعايشه منطلقا للتعبير عن رؤى واساطير مؤطرة بحدود المحلية غير أنه حملها دلالات خاصة تعززها ثيمات تنفتح على آفاق اللامحدود . ولنا أن نمثل بـ( الساموراي )إذـ يقول :

    يعتمر خوذته
    يمتشق سيفه
    ...يتمنطق بالفولاذ
    إنه بكامل أبهته
    فيه رائحة التاريخ
    وبقايا غباره
    ... خصصوا له ركنا
    في المتحف
    وفي المهرجانات
    تراه يجلس على صخرة
    ... تلتقط له الصور التذكارية
    ... ويركن
    في زاوية شبه مظلمة ( )

    تتشح القصيدة بجو أسطوري يحدها بأطار الاقليمية،أو المحلية إذ يجسد الساموراي في عرف تلك البلاد القوة البطولية المنتصرة التي لا تهزم،وعبر توصيف سردي ساقه الشاعر في رصد تمثاله الرمزي وما عليه من هيئة توضح أبهته وقوته ، قد حمّل نصه ثيمة تنسرب منها رائحة الانعتاق من وهم أسطرة التاريخ ، نحو الحياتية والواقع المعيش الذي يسعى فيه انسان هذا العالم إلى السلام والوداعة لا الحرب و القتال ، وهذا الترسيم يتناغم مع قصيدة الامبراطور في سرديتها التي تحكي أسطورة ثانية ... ، يقول :

    الممالك تحت عرشه تستغيث
    ملك الجهات العشر
    فرسانه زرعوا السواحل جماجم غزاة
    ... تهتز الجبال من لائه
    ... لم يعد مكانا للتبرك
    فهو مأوى جرذان ومبولة سكارى ( )
    يوظف الشاعر ما هو خاص ومؤقلم لتقنين بؤرة نصوصه في رفض الاباطرة وتسلطهم بأن جعل رمزهم مبولة السكارى وازدراءهم , فالانسان أينما كان بحاجة لأن ينعتق من أسر الظلم والقوة المخيفة ، ويعيش في ظل الحرية العدل والأمن .واللغة بوصفها نظاما علاميا نشأ من حاجة الانسان الطبيعية للتواصل مع الآخرين ، فأن العلاقة العلامية اللغوية تقتضي قيمة للترابط العرفي / التداولي بين العلامة والشيء المعبر عنه( ) ، ومن غير هذه القيمة تصبح الكلمة المعزولة عن سياقها الخارجي / لسان ما ، تفتقد إلى معناها ، ويكون شأن المتلقي للعلامات في هذا العرف الخاص / لسان جماعة ما ، شأن المتلقي في العرف العام المتحول ، ويمثل مرشحة القصيدة / العنوان ما نذهب إليه في نصوص الديوان التي تنزع هذا المنزع ، من مثل ( الهنمي في هيروشيما ، طلات تن كان خام ، سبادي ،تقريظ باشو ، تلاميذ هندوري ، ميوسولوتاميا , مدرسة تشاو فوتي بان ، ...) ، إن قراءة المحتوى التوصيفي لبؤرة الاستقطاب الكامنة في عناوين القصائد له قيمته الدلالية في رصد ثيمة النصوص ، ولاسيما أن هذه العنوانات بما تحمله من بيانات معرفية تشكل عبئا إفهاميا يستثقل كاهل المتلقي ، ومحاولة اجتذابه لدائرة المفاعلة ستكون مشوشة أو فوضوية لعدم قدرة الرسالة على التعبير في الانكشاف على وعي قصدي يُظهر التواصل البناء في ذاكرة العرف بوصفه سلطانا واعيا يرشح تداولية نص دون سواه ، فضلا على أنه لا يمكن النظر إلى عنواناته خارج سياقات نصوصه بل في ضوء العلاقة الوثيقة التي تربطهما ويُستجلى منها ثيماتها ، كما يمكن أن تفسر غائية الشاعر في الولوج بولع تصويري إلى تجسيد تفاصيل معينة تفتقدها ذاكرة التلقي لولا إضاءاته الهامشية التي استنارت بها القراءات ورفدتها بما يفك إشكالاتها .
    إذا كان الانسان يمثل بؤرة اتصال مهمة في قوانين التواصل البشري فإن هذا التواصل يحتم"خطابا للإقناع أكثر تداولا وجدلية ، فأزلية استمكانه قائمة على تداعيات الثابت والمتحرك ، ولعل ما يهم هذا الانسان قانونه الخاص في الاستقاء من مرجعياته الفكرية والاجتماعية والتأسيس على الآخر في انفتاحه على بعضه حينئذ تنتج له تقانات تواصل ، تُظهر التواشج فكرة اقتراب حميمية يمكن من خلالها ان يكوّن رؤيته النفسية والاجتماعية في التواصل مع ثيمات تسريد البيئة في عدها منتجا خلاقا يمنهج أداء الشاعر ، و العربي يتجه في أغلب توصيفاته الى العناية بالمكان بوصفه قيمة عليا يتحقق فيها ومن عليها وجود الحدث الشعري ومن ثم إشهاره الانسجام في التواصل مع منطقية الاستجابة لدى القارئ .

    (بلوغ النهر ).....يوتوبيا شعرية:

    إن المشهد السردي لطومائية المكان( ) في أبجدية باسم فرات مفارق بعض الشئ لأوليات تأطير الموضوع لأن وحدة الأداء الشعري شاملة( )، فالتوصيف النقدي إذا كان قد اعتمد الزمان والمكان معاني يتحرك في ضوئها التاريخ إلا أنه يستبعد التعويل على يوتوبيا مؤسسة لفكرة الجنة عند شذّاذ الفكر ومتصعلكي الثقافة في وقت من الأوقات ولأسباب نفسية وربما مادية دفع الكثيرين من مروجي الصناعة الشعرية إلى استلهام أجواء القص تلك في البحث غير المنظم عن أجواء وأمكنة يمكن أن توفر البديل الموضوعي لفكرة الجنة المفقودة حتى لو كان ذلك على حساب العقل والمنطق في ذاكرة المنهج العقدي الوصاف ، غير أن الشاعر تمكن وبوعي أخاذ ان يتجاوز حافات الاستدلال تلك ليستطلع قيمة أثيرية لاندماج الزمان في تشقيق عالم متوثب يجترح انقلابا صارخا للمكان في ذاكرة مغترب ينظر إلى مرجعياته من جهة ومن جهة أخرى تبقى أنظاره معلقة بعالم يتوق إلى صناعته وإن كان فيه شيء كثير من عالمية مصطنعة وغرائبية لا تستذوقها ذاكرة المتلقي ، و النقد الثقافي العربي بات اليوم يتطلع الى تسييق من نوع خاص ، يتجاوز الثقافة المحايدة ،في بؤرة الزمان ، أي أن مقام الزمان عنده في (بلوغ النهر ) قد ينخرط في التعويض عن عتبة مهمة من عتبات السرد ، تشمل ذاتية المكان في زمن مفتوح يمهد لإقامة نوع من الخطاب حاملا لمؤلفات الزمان والمكان في آن واحد ، ومؤثرا في المتلقي ليكون مستقلا قدر الامكان عن تأثيرات الزمان بوصفه مولدا آنيا يسجل ضمور الحدث او انه يحاول ان يتجاوز قيمة اللامنتمي منه في إشاعة ممارساته التوصيفية وسردياته الطوباوية في تنوير بؤرة مكانية واحدة ، وحيث أنه يعاني انغلاقا شديدا إزاء افتعال الموروث ثقافيا و بوعي يبدو متأرجحا في الإثارة والتنصيص ، مما يجعله ينساق مع احكام هذه الاثارة مكانيا لادراك النص ، والاكثر غرابة من ذلك قدرة الشاعر على تجاوز المحاذي من فكرة الزمان للولوج الى عوالم وثابة لها القدرة على صناعة تمثلات مكانية جامحة تدع المتلقي ينساب حتى يجمع خيوط الحدث على نحو متفرد بعيدا عن تأثيرات المبادلة والمقابلة لأن خيوط المكان الاول وتداعيات المشهد الدرامي في رؤيا النص تجذب بالمبدع الى تقصي صياغات إفرادية مكتنزة تتيح للمتلقي خيارات معجمية كثيرة في الشرح والتحليل ، و المشكل عند باسم فرات يتمظهر في رؤية ذهنية حادة لا تقول الواقع لكنها تستوفز واقعا آخر مغيبا يقتحم مخيال العرف السردي وقد يخربه في مرحلة أخرى لاحقة ، إذ يستدعي تحولات بؤرة الدلالة في عتبة المكان بما يشكل مشهدا يستثير موقفا اتصاليا غير مرغوب فيه يحول حركة النص( ) ، و بعده تداعيا من نوع خاص يرشحه الفكر البدائي على انه من اولى مهماته انخراط النص في رؤية مشهدية تنحو بالمؤلف جانبا لذلك وجدنا في دالات المكان عنده مشهديات تصوير صادرة عن تذبذب فكري يؤطر نظام التشكيل في شعره ، ويستهدف اول ما يستهدف انشاء منظومة من الدوافع النفسية لها القدرة على إثارة وعي المتكلم ومن ثم توصيف قدراته في التناسق مع أجواء المستثار من الحركة ومن ثم تجاوز ايقونات بيئية محدودة لاقامة بيئات تتمدد وتتصاقب مع الاولى رؤية وحدثا ، وفي الوقت نفسه توحد في الدلالة السردية قيمة الاهتمام بالمكان او دوره المشهدي في صياغة واقعة الحدث بوصفها تمظهرا أو ربما انبهارا يؤطر انقلابية الصورة في التقابل المكاني عند باسم فرات فهي تتوزع بحسب تقسيمات يجترحها النظام السيميائي لرؤية المكان وتقاناته بما يوسع بيئة السرد وتداعياته التاريخية و السيمولوجية ، و يكون حضورها في الغالب ممحورا على التاريخ والجغرافية فهما مؤلفان لحبكة خطابية( ) بارزة تؤقلم الحدث بحسب تطورات الرؤية وتجاذب المرجعيات في نفسه ، يقول في البراق يصل الى هيروشيما :
    يقف البراق
    دون نبي يمتطيه
    حاملا احلاما
    فقدت صلاحيتها
    يجري النهر تحته( )

    ولعل الناظر لبنية التسييق في نص هذا المقطع يحيل من النظرة الأولى على اندماج وجداني ان صح التعبير بين ما هو قائم وبين منزو في ما تبقى من ذاكرة المسكوت عنه في فكرة نبي مختلف حضوره ، أنه فردي وقور في ذات نفسه لكنه انزوى في ذاكرة المكان براقا لا نبي يمتطيه ، وقد شكل في وعي الشاعر ترسيمة لصناعة دلالية تذهب للانغراز في عمق انكشافه الديني والعقدي، ولأنه دالة سردية صنعها وأكسبها قيمة شعرية للانفلات بها من عقل الجماعة إلى توثيق اكتشافه لهذه الأيقونة التي تظهر جدية حالات الكشف الصوفي الذي كان يتلبسها ، فالتوثيق المشهدي لصناعة الحدث يتسق كثيرا مع معرفية صناعة المكان او البحث المستمر عن جنة أو حلم لولاها لما كان بإمكان الشاعر تلمس ملامح الشعرية في تجربته ، وليس غريبا الادعاء بأن باسم فرات في (بلوغ النهر) قد قارب كثيرا بوعيه الشعري بين البراق المرجع والبراق أيقونة اكتشاف في تشكل قصائده المعرفية فهو يمثل تقانة من نوع خاص يثير السحر في اجواء المشهد بفعل تنقلاته العجائبيه ، وبما يعطي لثيمة السرد قيمة دلالية مخالفة فهو لايتسق كثيرا مع صاحب البراق ، و على الرغم من وجود البراق في بيئته المختلقة تشخيصا إلا أنه لم يجد لحد الآن من يمتطيه :
    بينما البراق منتظر من يواريه التراب بعيدا
    نسي ان يحلم بنبي يمتطيه ( )

    ولعل الافادة من تواشح الرؤيا بين البراق وبين المدخول الديني الذي يترسم فيه كان حافزا على استثارة مديات من الجابهة الفكرية بين طرفي النقيض من المعادلة فقد تمكن من ان يجند طاقات هائلة من المزاوجة البصرية ، بين حدود الادراك البصري وبين امكانات التخيل وقد ذلك ظهر جليا في متوالية لغوية اقامت جسرا من العلائق النفسية بين الوعي العقدي وبين الوعي الذي يصحب اكتشاف البؤرة المحاذية ، ويمكن عد ربط قصة البراق المعروفة في معتقده الديني وما استثاره تمثال الفرس المجنح في هيروشيما ، ما يجسد حاجة العالم لروح نبي تبعث الهدوء والسلام في النفوس بعد أن ساد القتل والدمار ، فانشغال الانسان بما يحدث في العالم من مجاعات وأوبئة جعلته ينأى عن روحه الحقيقية التي تسمو بوداعة الانبياء ورهافتهم ، ويتسلل إلى نفسه الخوف بما يجعله عنيفا مثقلا بالهموم ، وهذا يحملنا على القول : أن الشاعر ارتقى بآلامه الخاصة / محنة بلده ، إلى تحسس ماتعانيه الشعوب ، والتعبير عنها تعبيرا انسانيا بعيدا عن العرق والدين ، وهذا ما يجسد شفافيته وصفاءه الانساني ، ولا سيما أنه اتخذ من الكلمة بوصفها مثيرا جماليا يحمل معنى ويبطن دلالة ، وسيلة الارتقاء من شعبية الرؤية إلى عالمية الفكر .
    ان رؤيا المبادلة في المضاهاة بين اركان المتوالية ترشح رسوخا شبه طاغ في غياهب المتبقي عنده ،في منزلة يتخذها المتقون رمزا فكريا فاعلا في الموازنة الدلالية ، حيث رسمها الشاعر حالة صوفية يدور عليها أو تقوم على منوالها أغلب تداعيات الرحلة في أسفاره تلقاء رغبته ، يقول :
    يجري النهر تحته.

    فسعيه المستمر للحصول على الإلفة في خطابه الشعري إزاء الغريب المأمول يرتجيه معادلا روحيا لثيمة المكان في تصور القرآن الكريم : جنات تجري من تحتها الانهار .
    و تلح عليه ذاكرته بتحميلها الكبير الحبيب عن وطنه وأهله ، ولاسيما أنه يتوزع بين عودة منتزعة وسكون قلق في بيئة جديدة صار واحدا منها ويتمثل تعايشه معهم حتى كأنه منهم من خلال تغلغله في خضم حياتهم البسيطة وتعبيراته الواصفة لمعيشتهم بدقائقها وتفاعله ومعاناتهم ، يقول في


    قصيدة ( عن الغريب الذي صار واحدا منهم ) :
    هأنذا .. قدم في ميكون وأخرى في الأمل
    يرقد تاريخ في جعبتي
    أنصت للموج بينما الريح تقفل أبوابها خجلى
    ... الكسبة يبيعون أنين أيامهم بأوراق الموز
    ... أتأمل قوارب الصيادين
    ... أحيي الباعة بابتسامة وهم منشغلون
    ... أحتمي بالمطر من البلل (1)
    فالشاعر في تجواله الفكري المضطرب واحتضاراته الموغلة في المناورة ، ازاء تدافع المرجعية الذاتية يشهد انتاج نص معرفي يستحل حافات مكانية مؤججة بالغرابة يتوج بها بحثه المستمر عن الأنا في تأريخ سياحاته الصوفية بوصفه فردا عجائزيا له القدرة على استمالة قلوب مريديه أينما حل وارتحل ، يقول :
    انصت للقلوب
    وهي تتغامز انظروا للغريب لقد صار واحدا منا ( )
    إن توغله في عوالم الحياة الجديدة أفضت به إلى مشاركته احتفالاتهم وتناغمه وأجواء أفراحهم فهنا نجده قد طرد أحزانه واحتفى فرحا بطقوس تفتح زهرة الكرز :
    في احتفالات الهنمي
    عليك أن تحتفي بالفرح
    وتطرد أحزانك بعيدا...
    تنادم ضحكات الجميع
    وتمنح النسيان فرصة أن يتسلل إليك ...( )

    كما يمكن استيضاح كثير من مداليل السيرة الشعرية على نحو مفصل من خلال اعتماده التراث اصلا في الانطلاق الى بؤرة وعي جديدة ، واتخاذه لغة أقل ما فيها انها أطرت نماذج تشكيله الفني ، مستثمرا ثقافته وفلسفته ورؤاه في تطعيم ذلك :
    النجوم تستنير بضحكاتهم
    تستفيق الذكرى بعد أن تخلت عن الألم ...
    والغريب يُزيح المجهول إلى الماضي
    باحثا في أحلامه عن مرآة
    على مقربة من بقايا قبة خضراء ( )

    وعلى الرغم من تمازج الشاعر ومعطيات المكان المنتقل إليه ، نجد أن حنينه إلى بلده يبثه من خلال ما يتسلل إلى قصائده من تعبيرات تنم على تواصل لم ينقطع ، وأمل بالرجوع لم يخيب ، يقول :
    أمر على قرويين
    أكواخهم تنبت البسمة والدهشة على وجوه العابرين
    ... بينما الغاضرية تستفيق على امتداد حقول القصيدة
    أهدهدها على نغم المونغ
    مستسلما للضباب
    أعبر أقاليم وإثنيات ، أزرع ذكرى
    ... أمزج سهولي وصحاريها بهضباتهم الجبلية ( )
    نتلمس بوضوح كيف تشخص في صورة الفلاحين وقراهم صورة الغاضرية بلدة الشاعر وأهلها ، إذ تستفيق ذكرياته عنها التي ما غمضت وهي في جفن القلب تنبض حضورا لا تلغيه كل أمكنة العالم وشخوصها .
    لقد شاطر متعة التجوال وافتضاض عوالم جديدة عليه ، الغور في أعماق ذاته إذ يربض الوطن بكل ملامحه ، في قصيدة ( هنا حماقات هناك ..هناك تبختر هنا ):
    أُوتروا .. أُوتروا
    منفاي الجميل
    ...حدائقك تعيدني إلى الجنائن المعلقة
    تستلقي على ذاكرتي
    ... أنهارك لا تشبه الفرات
    أراها تتعرق أمام تبغدد دجلة
    ... جبالك تحملني إلى آشور والآلهة الأربعة

    ...أستنجد بعشتار التي تغزل دمعها ضفائر دم ( )

    نتلمس انحيازية الشاعر الطبيعية لبلده ، ونهره الخالد الفرات الذي يراه في كل نهر يمره ، و ميله لحضارته الحاضرة في كل ما يرى.

    و تتمظهر في قصائده رؤاه التي أكد فيها تعاشق الحضارات ، وتشابه الوجوه وإن بدا اختلافها ، وتماثل الاصوات رغم عجمتها ، وتوحد الخراب والدمار وإن تباين نوعه:

    هندوري يتمدد في رحم المدينة
    في ورق الهدايا يبيع التاريخ
    ...و الذكريات مباحة للجميع
    ...في الخاصرة تقف روما
    وقد خسرت جيوشها و أضاعت أمجادها
    حتى تحصنت بمطبخها
    ... كبير آلهة هيروشيما اتخذه صباحه السرمدي
    قنديل محبين هو و باب مراد للتائهين
    ... بينما ندى القباب ما زال عالقا في جبيني ( )
    ويتجلى في السطرين الأخيرين صمي نفوس الزائرين ، ولكن المثير في تمثل بؤرة المكان هنا تلك الصناعة البلاغية في إقامة نوع من التشخيص بين ندى القباب في تمثل تشكيلي مشخصن ينحصر في إسناد الفعل الكلامي(2) الى غير ما ينبغي أن يسند اليه لان الندى فعل كلامي يشتهر تراسله بين الورد أو إلى ما توارد منه ، فالقباب في نظامه الانساني العام علامة على استشعار مكامن القدسية وهو ما يسوغ له إقامة هذه العلاقة الروحية في التبادل الوجداني ولعل ما يؤكد اتساق الدلالة في متوالية هذه الرؤية النفسية اعتماده كثيرا من دالات التوثيق اللغوي في الاحتجاج إذ إنه يستوضح مكامن الانبهار ويوزع طاقات التشكل في تناسب دلالي مهم منه ، أي أنه اتخذ (الجبين) سيمياء للولوج في التمسك بقدسية القباب ، وفي سيمياء المشهد ما يحيل على الركوع لانه الفعل الانساني الذي يطبع الجبين بدالته التشريفية دلالة إعجاز وإنجاز .
    ولابد للشاعر ان يحمل معه كثيرا من هموم بلده ، بما يشكل ازدواجا يوثق انفصاله عن وعي الذات حتى لو حاول الانطلاق منه الى عجائبية مفرطة ظهرت في الاستدلال بعوالم ورؤى جديدة جاءت شاخصة في (بلوغ النهر ) إلا أنها كانت تعيق كثيرا من سلاسة التواصل الفكري في احتباكه السردي ، فاغلب شواخصه الغرائبية والاسطورية لم تستطع الغور عميقا في رؤيته الفكرية لذلك بقي دورها سطحيا لانه سرعان ما يغور الى الداخل ببواعث جامحة تشغل النفس وتطربها بتلك الحرية التي كان ينشدها لكنه يعود لينكفئ في استجذابه على مركبات قرآنية ، وإن كانت تتمتع بمرجعية عرفية متداولة إلا أنها تمثل أنموذجا لانتاج مخيلة بصرية تستبطن الواقع مخيالا في الاقتراب السردي ، نحو قوله :
    عجائز أحدثهن عن حروب آبائي
    فيصبون الشاي مثنى وثلاث ( )
    إذ لم تستطع مؤلفات المكان في البؤرة الجديدة ان تكبح جماح انفصاله الواهن في التلذذ برموز ودلالات استيحاش هذه النفس المضطربة ، يقول في القصيدة نفسها:
    رأس القرية ، صاح فعرت ضحكته
    بقايا آثار المواقد
    هلم للدخول في حكاياتنا
    عبرت العتبات وقلبي يلهج
    سبادي
    سبادي

    تداعيات الذاكرة :

    ان الايغال في الاقتباس من تداعيات الذاكرة عند باسم فرات قد ولد عنده تهالكا الى اكتشاف مكامن الانبهار في رؤيا المكان السرمدي وربما توغل بعيدا هذه المرة إذ تمثّل زاوية بعيدة من زوايا مدينته العنيفة ليقف في نفسه على دلالة مؤثرة جدا عنده ، وقد جاءت في خضم تفاعل النص بمالا يظهر وعيه المكبوت في الانسجام مع ادلجته الفكرية او بتمظهرات ذلك في صناعته الشعرية .
    ويرتقي الاستشراف عنده حتى يصل إلى أعلى حالات التمثل النفسي في استكناه مرجعيات الافتعال الواعي لمحولات الصياغة العرفية وذلك بالوقوف على مقاربات النص في التسخير لدلالات الطبيعة العراقية بوجهيها الجامد والمتحرك ، ولا فرق في ذلك طالما كان ذلك علامة على توحده مع ثيمات بيئة عراقية توشح تفرده في الانبهار بالبيئة الاولى حتى لو كان على حساب تمظهرات وشواخص البيئة الثانية المغرقة في التنكير فتباعد تنسيقها معرفيا على حساب النص :
    حدائقك تعيدني إلى الجنائن المعلقة
    تستلقي على ذاكرتي ( )
    ليس ببعيد ، تفاعلات تكون الحدث في سرديته الشعرية الدالة أن يعتمد الفعل الكلامي في متوالية الفعل (تستلقي) بما تحمله من دلالات ايجابية تتيح للمتلقي تصور ان هذا الفعل بوصفه حدثا يستولي على ذاكرة الشاعر ، أي
    أن الجنة التي صنعها او انه حاول التمثل بها في بيئة اخرى غريبة لم تنسه الجنائن العراقية وقد يذهب الى اشهار النهر ثيمة مكانية ليس للتواصل مع مشهدية المكان الاول فحسب بل في اتساعه أو في انشطاره أو في توسم الانتقال به الى تمثل ثان وان كان لاحقا فهو متداول لأنه المتيسر فحسب:
    أنهارك لا تشبه الفرات
    أراها تتعرق أمام تبغدد
    دجلة ، فيهطل شعراء ونواقيس ( )
    ولا يغيب عن بالنا، أن الشاعر كان قد استدعى في مجمل توصيفاته مؤلفات عراقية لمعجم تشكيله العجائبي ، ولعل استنفاره في البحث عن عراق جديد كان هو الدافع له في الخلاص من وطن انتبذه فرماه بعيدا يجول في أصقاع لم يعهدها، لذلك لا ريب أن يقود انقلابا حتى يعود في مخيال فكري وصاف ليشتهر عنده وبه على نحو خاص، فهو فتى أوروك الأول :
    حين همّ فتى أوروك
    ان يستحم في شلالات بوين فوليس
    حيث لا أفاعي تسرق جهده الأبدي ( )
    فهو اذن الفتى الجوال يحاول ان يصنع لنفسه مجدا ابديا لانه يخشى ، وربما كان هذا واحدا من أسباب إعلانه المنفى جنة ، فقد كان يخشى ان تسرق مجده الأفاعي ، وربما يذهب بعيدا الى وعي معرفي مخالف يمجد عنده الأنا بشكل طافح يستعجل الخلود أيقونة حياة لا تنتهي إذ يقول :
    أحدثه عن انكيدو
    فينثر التراب على جناحيه ( )
    إن ما يشهد تكونه على مستوى دالات المكان في رؤية باسم فرات الشعرية ينبئ بتكون جيل شعري يمثل المكان الأول مشهدا غرائبيا متفردا يتقمص دالته ، لينتقل بها الى دالات أكثر جدلية توثق عرى انتقالاته أو تشهد ولادة عوالم يرنو إلى بهائها مرتجعا ومدَخلا .

    تلمس الإيقاع :

    وعلى الرغم من عد قصيدة النثر مجال إبداع باسم فرات ، غير أنه لم يتبن ما تبناه بعض نقادها ومن قبلهم مبدعوها ، في توافر هذا النمط من الكتابة على إيقاع داخلي ، تلمسوا في الجناس والطباق والتكرار بأنواعه ، مجالا تطبيقيا عليه ، ولا يخفى تأثر هؤلاء بالمصطلح الغربي الوافد / الموسيقى الداخلية ، وقد جعله بعض منهم منبعثا من الالفاظ وحروفها المتناغمة والمنسجمة مع الحالات الخاصة بالمبدع ، ومع اهتمام النقاد بهذا المصطلح ومحاولتهم تقنينه في إحلاله بديلا أو موازيا لمصطلح الايقاع الخارجي في قصيدة الشعر العمودي ، إلا أننا نرى هلاميته وفضفاضيته التي لا نلمس تحتها شيئا ، و ما دام أن الايقاع تنقله الحروف وأصواتها والألفاظ ، فهذا يعني أن فكرة وجود إيقاع داخلي ستنتهي ، فهو سائب ومنفلت من التحديد كما يرى الدكتور عبد الستار جواد ( ) ، ويمكن أن يكون : "ميل القصيدة للتكامل تعبيريا عن طريق التشكيلات النغمية المختلفة تلاقيا وافتراقا من البنية اللفظية فيحدث نوعا من الايقاع القادر على تنسيق مشاعرنا وتوجيهها نحو أفق محدد( )، وعطفا على ما ذكرناه فأننا لم نتلمس في نصوص باسم فرات بنية إيقاعية منبعثة من طبيعة النص و الاحساس النغمي ، إذ لم ينشغل باتخاذ الايقاع الذي يشي بحالة نفسية محددة بما يعمق نصوصه دلاليا ، ولعل في قوة الإيحاء عنده وتكثيفه الصوري والبؤري ما أغناه عن العناية به ، فظلت نصوصه سائبة الايقاع لا تنضوي تحت إيقاع داخلي يكسب هذا النمط الايقاعي بؤرته التكميلية في المجال النغمي ، فلا نعثر على ذلك التوازن الجملي ولا التناغم الصوتي في مفرداته ، وقد وفق الشاعر في تكثيف صوره حتى صارت تشكيلاته الشعرية تكثيفا إيحائيا لدلالات حافة لاحدود لبعضها ، وستظل نصوصه شكلا تعبيريا مكتنزا بالدلالات والتجربة الشعرية .
    وربما كان اندفاعه الى التمسك بكثير من ايقاعات المشهد السيابي في التنظير لمسألة مرجعيات الحكاية والانطلاق من امكانية تفاعل اللغة في صناعة أنموذج لخطاب ان كان سيابيا في كثير من انثيالاته الدلالية واحتضار روح المفردة ورسوخ الحزن في إيقاعاته وانشطار الامل لديه وتشظي المعرفة لكن يبدو أنه لا يستطيع الانفلات من بؤرة الحدث الرئيس وهو حدث كان وما زال حدث بلوغ النهر الذي يدور حول انكماشه النفسي ويطرح الانعتاق في وعي سارد مضطرب يتوق الى أجواء جديدة من التفرد والصياغة والاستدلال .

    الخاتمة:
    إن الجنة التي حاول باسم فرات أن يصنعها في( بلوغ النهر) أو أن يتمثلها شعرا في كل سياحاته النفسية،والفكرية،والمعرفية،أو ما ظهر له منها على مستوى منجزه الفكري لم يغنه عن مفردات مكان متفرد استولت على ذاكرته فحولت اتجاه التقمص، والتشخيص عنده إلى دالات عراقية وشحت شعره بطريقة ما ، لم يردها ، أو أنه لم يستطيع الانعتاق منها .


    المصادر والمراجع

    1. الأثر المفتوح ،أمبرتو إيكو ،ترجمة :عبد الرحمن بو علي ،دار الحوار للنشر والتوزيع ،سوريا ،د.ت
    2. بلوغ النهر ،باسم فرات ، الحضارة للنشر، القاهرة ، ط1 2012
    3. التحديات التي تواجه القصيدة الحديثة، بحوث مهرجان المربد التاسع ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، 1988 .
    4. التداوليات علم استعمال اللغة ,د.حافظ اسماعيلي علوي عالم الكتاب الحديث ،ط 1 ،2011
    5. العبارة والإشارة ،د. محمد العبد ،مكتبة الآداب ،القاهرة ،ط1 ،2007
    6. عتبات الكتابة في الرواية العربية ،د.عبد المالك أشهبون ،دار الحوار للنشر والتوزيع، ط2 ،2007
    7. اللسانيات والدلالة ،د.منذر عياشي ،مركز الإنماء الحضاري ،ط1 ،2012
    8. ما وراء اللغة ، بحث في الخلفيات المعرفية ، د. عبد السلام المسدي ، مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله للنشر والتوزيع ، تونس ، 1994 .
    9. نحو أفق محدد اشكالية الحداثة ،ستار عبدالله ،دار رند للطباعة ،2010 .

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 19, 2018 9:09 am