أنور عبد العزيز: الشاعر الجوّال ... وبلوغ النهر

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    أنور عبد العزيز: الشاعر الجوّال ... وبلوغ النهر

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 10, 2012 11:51 am


    أية سياحة، وأيّ شاعر جوّال ومع حلم بلوغ النهر وكل الأنهار النقيّة الصافية الباردة.. (بلوغ النهر)، ديوان لشاعر الرحلة والسفر والتيه، ومع حيرة القلق الوجودي وعدم الثبات للشاعر ومدنه وناسه ... صادر عن (الحضارة للنشر) بالقاهرة في أو من أربع ومائة صفحة من القطع المتوسط في طبعته الأولى لسنة 2012.
    هي سياحة حياتية فرضها القهر على الشاعر، لم تكن ترفاً ولا بطراً، بل كانت قدراً عاناه الشاعر في البداية، ثم صار شيئاً فشيئاً ويوماً فيوماً وسنة بعد سنة حالة أليفة قبلها الشاعر، ثم استطابها واستأنس بها، وهو يتحسس متعة بل متعاً جديدة مادية وروحية شكّلتها تلاوين مدن وأراضٍ وبشر واقعية، ولم تكن قبلها غير ارتسامات مخيّلة مطبوعة من صور صحيفة أومجلّة، أو من لقطات مشاهد ضوئية في فضائية أو من مسموعات ما يتناقله الآخرون من أخبارها وطبائع أرضها وبشرها ... هي الدهشة والذهول فيما يشاهده من أجناس غريبة للبشر، تختلف عما ألفه في ناس وطنه، ثم هي دهشة أكبر وهو يحاول أن يجد تفسيرات ولو منطقية وليست عقلية لعادات وتقاليد وسحر وطقوس وأسرار دنيا وعيش وحياة تحتار بغرائبياتها ولامعقوليتها، أقصى درجات ادراكه ومخيلته كإنسان وتتجاوز أكثر عندما يتعامل معها كشاعر لذا كان حريصاً أن يؤرّخ – بالاضافة لتواريخ القصائد – أسماء المدن وقد تركت هذه المدينة أو تلك تأثيرها ومناخها الطبيعي والانساني على مجمل قصائده ... تنويعات تسر القارئ وتبهر توقه للتعامل والتأثر بحميمية قصائده التي يشم فيها رائحة الناس والأرض وكل مكان من تلك البلدان البعيدة عن متخيلات القرّاء وبخاصّة قرّاء وطنه، فمع أن خارطة الدنيا والعالم قد تقاربت ومع حكاية أن كل الأرض كلها وبشعوبها صارت قرية واحدة، بل محلّة بعد أن ألغت ثورة الاتصالات والفضائيات والانترنت كل بعد مكاني وزماني، فأن رنين بعض الأسماء يبدو لمسامع عديد من القرّاء غريباً ... فبعد السياحة الحياتية – والأهمّ الشعرية – لباسم فرات ... السياحة التي تجاوزت الأردن وفِيَنْجان (لاوس) ونهرها ميكون وفيتنام (مع مقبرة الامبراطور خاي دينه) وشمال تايلند وبونغ سلي (لاوس) ولمدن يابانية أخرى إضافة لهيروشيما هي : ناغاساكي ، كيوتو ، كوبه ونارا ، ولوانغ رابان (بلاوس أيضاً) وبنوم بنه (عاصمة كمبوديا) وتشنغ راي (بتايلند) ... ثم تتغير الحال والأسماء لدول وعوالم غربية في مدينة (ولنغتن) عاصمة نيوزلندة ... ان سياحة متنوعة مثل هذه لا بد أن تثري ثقافة الشاعر، إذ هو يواجه شعوباً هي سليل حضارات آسيوية عريقة وبكل موروثاتها وأديانها وعقائدها وطرائق تفكيرها العقلاني والسحري، وكذا بأساليب عيشها ووجودها، إذ تتناثر في قصائد الشاعر وديوانه مصطلحات قد تبدو غريبة أو مجهولة لمن لم يقرأ أو يعايش بعض تلك الشعوب ... منها (ناغا) وهي أفعى اسطورية تصور بخمسة رؤوس وأحياناً سبعة تحمي وتظلّل بوذا، شنتوي (معتنق للديانة الشنتوية هي الديانة اليابانية)، أحيقار (حكيم عراقي)، شيفا (أحد الثالوث الهندوسي ويضم الثالوث : براهما وفيشنو وشيفا واعتبر في مذهب براهما ممثلاً للدمار والكوارث وقد أنقذ مخلوقات الأرض بشربه السمّ الذي تدفّق من ملك الأفاعي، وله شكل بشري بثلاث عيون وأربع أذرع يتزيّن بالأفاعي ويحيط رقبته بعقد من الجماجم)، الآخا : وتلفظ الآكا أو هو حرف بين الخاء والكاف إحدى الأثنيات التي تشرق بها جنوب شرق آسيا، سبادي (التحيّة باللغة اللاّوية وتعني مرحباً والثانية تعني أهلاً وسهلاً، المونغ : إحدى الأثنيات الكثيرة التي تزدهي بها لاوس وتايلند وفيتنام وميانمار وسواها من مدن ومناطق جنوب شرق آسيا، الغاضرية إحدى أسماء كربلاء مدينة الشاعر، أمير الدارما، وهي أحد اسماء بوذا وتعني : الحقيقة المطلقة، الشاي الأخضر : يحتسيه اليابانيون بكثرة ساخناً أو مثلّجاً، الساكَ : الخمر الشعبي في اليابان ويكتب أحياناً ساكه وساكي، ماتسوو باشو واسمه الاصلي ماتسوومانافوسا 1644-1694 م وهو شاعر ياباني ومعلّم شعر (الهايكو) وكان بارعاً في شعر النثر الياباني أوهايبون ويشكّل مع (شيكانوتسومونزا – أيمون) و (اوهارا شائيكاكو) أعمدة الأدب الياباني في الفترة التي عرفت (بقرن أوساكا الذهبي)، سوق هُندوري: سوق مسقف يشبه الأسواق العربية المسقّفة وقد بني على انقاض الشارع الرئيس في هيروشيما بعد الحرب العالمية الثانية، الهَنَمي: احتفال شعبي بتفتح زهرة الكرز حيث يجتمع الناس عوائل وأصدقاء تحت شجرة زهرة الكرز لتناول المأكولات والمشروبات بفرح غامر، الساكورا: زهرة الكرز باليابانية، تانغاروّا: إله البحر والمياه عند الماوريين وهم سكان نيوزلندا الأصليون، أوتِرِوّا: الاسم الماوْري لنيوزلندة، ومعناه الغيمة البيضاء الطويلة، بوين فولس: أكبر الشلالات في نيوزلندة، تاني ماهوتا: إله الغابات والطيور عند الماوْريين، تافيري: إله الرياح عند الماوْريين، رِنْغي نِوي: إله السماء والأعالي عند الماوْريين، البوهوتوكاوا: شجرة نيوزلندية أصيلة ضخمة وزهورها حمر تزهر في شهر كانون الأول وتذوي في كانون الثاني، ولذا تُسمّى بشجرة أعياد الميلاد، الكيوي: طائر نيوزلنده الوطني وهو طائر ليلي لا يحلّق ويطلق الاسم على النيوزلندي كذلك، فوجي: جبل فوجي الشهير باليابان وهو مقدّس عند اليابانيين ...
    أبعد كل هذه الشواخص والشواهد والمدن والآلهة والأساطير وغرائب التقاليد يظلّ الشاعر – وهو المغترب – بمنأى عن تأثيراتها حياتياً وشعرياً؟، أرى أن الشاعر وإن كان مدهوشاً منها في البداية، فانه هضمها ثقافياً واستجاب لتأثيراتها رغم حالة الاغتراب وأسى الغربة والحنين الجارف لأهل وطنه، إذ يلاحظ القارئ والمتلقي أن الشاعر باسم فرات وبسبب تقادم السنين في غربته ومنافيه وتعدد اسماء مدنها وبشرها، فهو صار وباستعداد عقلي وروحي لتقبّل حالاته الجديدة، فلم يعد يشكو، وصار متآلفاً مع حياة جديدة لا بد أن يعايشها بإيجابية، وهذا ما حصل له رغم أن نبض حبّه لوطنه لم يفارقه لحظة واحدة ... الروح الشعرية الممتلئة عنده بتجاربه وإبداعه في وطنه وبين أهله وأصدقائه، صارت سياحات وجولات في مدن جديدة للشعر والخيال، وسحر القول، ومن ناس وبشر أخذ يشعر بقناعة أنه يمكن له وبأبعد الآفاق اإحنسانية، التآلف معهم حياتياً، واكتساب ذخيرة مضافة من تجارب وإبداع شعوب أخرى، إن كان يسمع باسمائها فقط سابقاً، فهي قد صارت عنده ولوجوده حالة يومية معاشة، تغلب عليها الإثارة في كثير من الاحيان، ومع أن كل اندماجه معهم فقد ظلّت ثقافة ماضيه مانحة له ملامح اختلاف، ولأن مثل هذا الاختلاف ومع التلاقي مع الآخر أكسب شعره نضجاً متسارعاً لغةً ومضامين، وأن تآلف الشاعر مع المكان وناسه - أيّ مكان حلّ فيه – ومع التحرر من هوس الحنين وحالاته المرضية التي شلّت أنشطة عديد من المبدعين، فأن شاعرنا ظلّ متمتعاً بحكمة الصبر والتحمّل، ليحفظ عقله نشيطا وليتواصل مع الحياة بروح حيّة لا تعرف النكوص والانهيار، وكما حدث للآخرين ... هي ثلاث وثلاثون قصيدة جاءت كمقطعات وترانيم، بعضها ومضات من سطرين أو أكثر قليلاً، لتنضم لتجنيس (القصيدة القصيرة جداً) – إن صحّ هذا المصطلح – أو بشكل سونيتات، حرص الشاعر على نغمتها مع الاحتفاظ بقوة دلالاتها ومعانيها، وبمثل هذه الكلمات التي سطّرها على الغلاف الأخير للديوان والتي اختصرت سرّ سياحاته مع المدن، بل وأسرار كل ديوانه :
    ((هي مدن ، تعبرنا ونعبرها
    مدن نطوف بها كالمجاذيب
    نعلّق ذكرياتنا فيها )) ...
    صاحب (خريف المآذن) بدا في جولات وسياحات المدن والشعر كواحد من شعراء (الترابادور)، وهم يتجوّلون بأشعارهم الشعبية الشفاهية، يجوبون القرى والمدن والدساكر في السهل والجبل، وليمتعوا السامعين أيضاً بقصائدهم المغنّاة بعزف آلات موسيقاهم البدائية ... وإذا كان باسم فرات قد امتع سامعيه في المدن البعيدة بنغمات وسحر الشعر العربي، فانه استمتع أيضاً بسماع أشعار الآخرين، بلغات وألْسِنَة لم يتردد صدى لها حتى في أحلام ماضيه، ومع ذلك فقد انتشى بذلك السماع لأنه شعر، ولأن روح الشعر هو ربما حالة واحدة في كل الدنيا... من قصار القصائد (قربة):
    أحمل قربتي وأمضي
    الظمأ سرّة الوقت
    الجنود على ضفة النهر
    سأستدرجهم الى الحانة.

    وفي (حياة) :
    المونغيّة تئن
    يسيل البياض على السرير.

    وفي (رجل من هيروشيما):
    الذي فقد أباه في السادس من آب 1945
    وتشوّهت أمه
    الذي حمل عوقه
    ستين عاماً
    ولا يزال
    قدّم وردة لقاتليه
    وأحتفى بالحياة.

    واذا كان الشاعر قد وصف بعض جماليات الطبيعة وحياة الناس، فهو لم يغفل عن الجانب المظلم القاسي الذي حلّ ببعض البلدان التي زارها، ففي قصيدة مؤثرة بعنوان (مدرسة تشاوفوني يات) تحدّث عن دكتاتورية بشعة للخمير الحمر بكمبوديا وما فعلوه بالناس الوادعين الآمنين:
    بقع الدماء جفّت منذ سنين
    وما زال صراخ الضحايا يملأ الحجرات
    وعلى جوانبها القيود الصدئة
    اخضرّت الحرية
    التلاميذ اقتيدوا بعيدا عن الدرس
    والمعلّمون الى مقبرة جماعية
    رماد الكتب يشير لماض غير بعيد
    الاسرّة اليتيمة لا تكفّ عن البوح
    كذلك الحيطان والشبابيك المحجّبة
    بينما سبورة الصف
    أسمال شبكة منسيّة .

    ومن قصيدة يصف فيها وطنه الجديد :
    يخبر اصحابه عن وطنه الجديد
    عن المدن التي استقبلته
    عن شلالات بعدد ايام خدمته العسكرية
    عن معابد تنطق ايقوناتها بالبخور
    واشجار شيّعت سبعين ملكاً
    وما زالت تلثغ بالربيع .
    وهو ورغم كل انبهاره بمواطنه الجديدة وبما يرى ويسمع، فهو لم ينس أنه ابن (ميسوبوتاميا) :
    هناك حيث زرع اسلافي الحكمة
    وحصدوا الالم
    بنوا للالهة عروشاً
    وزيّنوها بأمانيهم
    عمّدوا الماء بشهوتهم
    والطين جعلوا منه قرطاساً ومأوى
    أسلافي ،
    وقد اتخذوا من غضب النهر تقويماً لأيامهم
    ليعلنوا بدء التاريخ...

    واذا كان السائح – ايّ سائح حتى العادي – يغلبه طبع المقارنة بما يراه ومع مشاهد من بلده، فكيف إذا كان هذا السائح كائناً شعرياً قد ارتسمت كل ملامح وطنه في دمه وروحه، وهذا ما حصل لشاعرنا وهو يتأمّل تمثالاً لفرس مجنّح وسط هيروشيما ومقابل قلعتها ، وقد ذكّره هذا المشهد بالبراق :
    أمام قلعة هيروشيما
    وحيداً ، يقف البراق
    دون نبيّ يمتطيه
    حاملاً أحلاماً
    فقدت صلاحيتها
    يجري النهر تحته
    نزقاً ينبض بالجنون
    كثيرون مرّوا من أمامه
    يرتّقون انشغالاتهم .
    وعن بؤس نهاية الساموراي وتقاليد بطولات الاستشهاد اليابانية:
    يعتمر خوذته
    يمتشق سيفه
    الذي يكاد ينافسه على قوامه
    يتمنطق بالفولاذ
    إله بكامل أبّهته
    فيه رائحة التاريخ
    وبقايا غباره
    ولأنه لم يجد فرساناً
    ليقاتلهم
    خصّصوا له ركناً في المتحف
    وفي المهرجانات ...

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 6:21 pm