محمد صابر عبيد: الراوي الذاتيّ الشعريّ ..كثافة السرد السيرذاتيّ المصوَّر

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 489
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    محمد صابر عبيد: الراوي الذاتيّ الشعريّ ..كثافة السرد السيرذاتيّ المصوَّر

    مُساهمة  Admin في الإثنين يناير 14, 2013 2:38 pm


    تشتغل قصيدة ((الفجرُ في يدي)) للشاعر باسم فرات منذ عتبة عنوانها على استدعاء الطبيعة (الفجر) استدعاءً لمسيّاً حسيّاً (يدي)، يعكس حساسية العلاقة الأصيلة بين الجسد والطبيعة، والجملة الإسميّة التي تؤلف عتبة العنونة تبدو ناقصة على صعيد الإشباع الدلاليّ المتوقّع في دائرة القراءة، إذ لا يمكن للقراءة أن تذهب بعيداً في تفاصيل التأويل من دون الاستعانة بالمتن النصّي الذي من شأنه الإجابة على جزء مهم من أسئلة العنوان.
    العبارة العنوانية تتكرّر في مطلع الاستهلال الشعريّ لتمنح القراءة مفتاحاً من المفاتيح المحتملة من أجل استكشاف حقيقتها العلامية الممكنة:

    الفجرُ في يدي
    وعلى كَتفيّ شمسٌ تَتَثاءَبُ
    طرقٌ وحيدةٌ إلاّ من مُتسوّليها

    الفضاء الحسّي يتضاعف في الجملة المعطوفة على جملة العنوان ((وعلى كَتفيّ شمسٌ تَتَثاءَبُ))، إذ يلتحم دال (الفجر) مع دال (شمس)، ودال (يدي) مع دال (كتفي)، في صياغة تضفي على وحدتَي الجسد (يدي/كتفيّ) العلويتين طابعاً زمنياً مخدّراً لا يخلو من حساسية إيروتيكية بدلالة الفعل المضارع (تَتَثاءَبُ)، وينعكس هذا الفضاء على المكان الواصل (طرق) بصفته الدالّة بعمق على الخلوّ واليباس (وحيدة)، مقترناً بالمستثنى (متسوليها) وهو لا يسعه إشغال المكان وملئه وتأثيثه، لأنّ هذا المستثنى يمثّل وجوداً طارئاً مرهوناً بوجود الآخر الذي يجعل من وجود المستثنى في المحيط المكاني قابلاً للحياة، فهو من دون ذلك ليس سوى وجود ديكوري يذكّر بوجود ما يمكن أن يشغل المكان وهو غائب الآن، وليس بوسعه القيام بأية وظيفة أخرى.
    إنّ الراوي الشعريّ الذاتيّ يعرض الفضاء عرضاً مشهدياً تتمظهر فيه العلامات بأنساق مختلفة، النسق الأول هو النسق الذي يزاوج بين الجسد والطبيعة، والنسق الثاني يتمثّل باستظهار الحسّ الإيروتيكيّ من بطون الدلالات كلها تقريباً، والنسق الثالث هو نسق الوحشة المكانية والوحدة الذاتية التي تجعل المكان متاحاً للعبث واللعب بالفراغ.
    ينفتح الراوي الذاتيّ الشعريّ بعد استثماره لهذا الفضاء في ديمومته التصويرية على فضاء آخر أوسع من ((طرق وحيدة))، ليضاعف من طبقة التصوير وكثافته ويمرّر حكاياته التي أعدّها لهذا الغرض تعبيراً عن تنوعات الحضور الجسدي في صياغاتها الإيروتيكية المتباينة، على صعيد المظهر العلامي الذي يحيل على الفاعلية من جهة، وعلى صعيد أثر ذلك على الجسد حين يسعى إلى قول كلمته وإعلان خطابه وتصوير تجربته من جهة أخرى:

    أَلِجُ الغُربةَ ومِفتاحي حكاياتٌ ادّخرُها لشيخوختي
    ادّخرُ فِراشاتٍ وطيورًا مُلوّنةً، شلالاتٍ تنوءُ بغراميّاتٍ عابرة
    وأخرى تنجبُ أطفالاً
    يزدرون الفقرَ ويُوزّعونَ الشوارعَ على المارةِ
    وفي الإشاراتِ الضوئيةِ يجنون قَيْحَ آبائهِم

    الفعل السرد ـ شعريّ الذي ينتهجه الراوي الشعريّ الذاتيّ يرسم صورة فضائية ذات حضور سيرذاتيّ طاغً (الغربة)، وإذا كانت (الغربة) هي إطار الصورة وأرضيتها وخلفيتها، بما تنطوي عليه من تشظيّات صوريّة محكومة بالتعدّد والتنوّع ، فإنّ جوهرها ما يلبث أن يظهر في طيف الدالّ المهيمن (مفتاحي) المقترن عملياً وإجرائياً بـ (حكاياتٌ)، وهذا المفتاح الحكائيّ هو مفتاح شخصيّ ضامنٌ للجسد والروح (ادّخرُها لشيخوختي)، لذا فهي لا تتوقّف عند حدود الإعلان العام المكتفي بالموجز، بل ينفتح على التفاصيل الحكائية التي تجعل من فعل الادخّار الحكائيّ منجماً للحياة والفرح والدهشة، إذ يكتنز أولاً جمال الطبيعة وحيويتها (ادّخرُ فِراشاتٍ وطيورًا مُلوّنةً)، وجمال الروح الشفقيّة التي تبتهج بالحيوات الصغيرة الناعمة بكلّ ما تنطوي عليه من بهجة (شلالاتٍ تنوءُ بغراميّاتٍ عابرة).
    لكنّ الراوي الشعريّ السيرذاتيّ المصوّر في الجزء الآخر الموازي من دراما التشكيل الصوريّ في اللوحة يجنح إلى زرع المفارقة في قلب الصورة ومحرقها، حين يقدّم حكاياته الأخرى الموازية (وأخرى تنجبُ أطفالاً)، وهذه الحكايات تتجاوز حدود الوصف إلى الفعل السرديّ المنتج في ثلاث صور صغيرة متعلّقة بالحكاية، الأولى (يزدرون الفقرَ) تعبيراً عن رفضهم وتمرّدهم على مصيرهم، والثانية (يُوزّعونَ الشوارعَ على المارةِ) في عملية قلب صوريّ للوظائف المكانية تحصل فيها المفارقة الدالّة على قيمة الفراغ واللاجدوى، وحيث تتراكم بعد ذلك نتائج التشكيل الصوريّ عند نقطة التوقّف (وفي الإشاراتِ الضوئيةِ) لتلقّي الحصيلة الدرامية المفجعة (يجنون قَيْحَ آبائهِم)، ومن ثمّ تلتئم أجزاء التشكيل الصوريّ كلّها على بعضها لتجيب على أسئلة (الغربة) القاسية بالوسيلة الحكائية.
    تتمظهر الطبيعة المختزنة في أعماق الذاكرة بوصفها ملجأً شعريّاً لمقاومة (الغربة)، ودفاعاً وجدانياً وعاطفياً رطباً ضدّ غيبوبة النسيان، وسنداً لاستثارة الصور وتداعيها في لحظات الاستسلام لضغط الحياة وهي تمضي بالأشياء نحو زوال وشيك، إذ يتّجه الراوي الشعريّ نحو إيقاع الطبيعة ليستوحي منها إيقاعه الشخصيّ القادر على التماهي مع كلّ ما من شأنه توفير خلاص ما من نوبة الغربة، إنّه إيقاع تصويريّ مشبع بالحركة والفعل والأسطرة:

    أضَعُ زقزقاتٍ وخريرَ النهرِ وتغريداتٍ حمرًا وصفرًا في ذاكرتي وأخلطُها
    أطمَئنُّ أنَّ حركةَ القَصَبِ صدىً لماضٍ سَطّرَه رعاةٌ
    رسَموا ذِئبًا على الماءِ فأكَلَ خِرافَهم

    إنّ الحراك السرديّ الذي تنشط في خضمّه الأفعال الأنويّة المضارعة بتناميها الدراميّ الواضح (أضَعُ/أخلطُ/ أطمَئنُّ)، يحيل على الفعل الجمعيّ للفاعل (رعاةٌ) وهو يقدّم صورة مؤسطرة عجائبية (رسَموا ذِئبًا على الماءِ فأكَلَ خِرافَهم)، تجعل من الذئب شكلاً للنسيان، ومن الخراف شكلاً للذكريات، ومن المثيرات الإيقاعية (زقزقاتٍ/خريرَ النهرِ/تغريداتٍ/حركةَ القَصَبِ/صدىً) شكلاً لدفاع غريزيّ عن (ماضٍ) صيّرته الغربة مجهولاً، فلم تعد الذاكرة قادرة على حفظ الألوان والإيقاعات والصور حيث تعرّضت لسطو الزمن وسطوته في طبقات المكان الآخر (الغربة).
    يتحوّل الحراك السرديّ للراوي الشعريّ الذاتيّ من فضاء الطبيعة الحرّ والمفتوح إلى حيّز الورق الكتابيّ، لتكون الكتابة بديلاً وحيداً للحكاية:

    أُدَوِّنُ في دفتري: النايُ حَنينٌ لدفءِ الهور
    طُفولةٌ مَزَّقَ أقدامَها الرحيلُ
    مَواقدُ ترتفعُ أحزانُها مع الغرُوبِ،
    صيادونَ يعودونَ بطرائدَ تنمو المروجُ في أنينِها
    بانتظارِ ضيفٍ يُزيحُ عُزلَةَ السُّفوحِ عن صراخِ الغرقى.

    إنّ جملة (أُدَوِّنُ في دفتري) تنقل الحراك السرديّ إلى منطقة التدوين الكتابيّ بكل ما يترتب عليه من إجراءات وتفاصيل وحيثيات، وهذا المدوّن منذ أوّل صورة كتابية مدوّنة بدا مشتغلاً على عنصر التخييل في نقل الحادثة الشعرية من مستوى التعبير الحكائيّ المباشر إلى مستوى التعبير الشعريّ الرمزيّ (النايُ حَنينٌ لدفءِ الهور)، إذ يتزاوج إيقاع الروح مع هوية الطبيعة، ومن ثمّ تأتي الصورة الثانية لتحكي قصّة الغربة المبكّرة (طُفولةٌ مَزَّقَ أقدامَها الرحيلُ)، وهي تحمل هذه الروح على قسوة الزمن الذي يطال الجسد أيضاً فينهكه ويعيق نموّه الطبيعيّ، وتتلبث الروح في الصورة الثالثة تلبثّاً رمزياً في طيف الحزن الطالع من أعماقها (مَواقدُ ترتفعُ أحزانُها مع الغرُوبِ،)، إذ تشتغل آلة الوصف الشعريّ بأقصى طاقتها وهي تصوّر اشتباك (مواقد/أحزانها/الغروب)، لتنقل طيفاً آخر من أطياف الغربة وهو يعصف بالروح ويدمي الذاكرة، ويختتم الراوي الشعريّ السيرذاتيّ حفل التدوين بحكاية كاملة التفاصيل (صيادونَ يعودونَ بطرائدَ تنمو المروجُ في أنينِها/بانتظارِ ضيفٍ يُزيحُ عُزلَةَ السُّفوحِ عن صراخِ الغرقى.)، يظهر فيها أبطال الحكاية وهم على تناسب تام مع المدوّنات الصورية السابقة (صيادون)، مقترنين بفعلهم السرديّ الممتلئ بالمعنى والمادة (يعودونَ بطرائدَ)، لتنفتح الصورة السردية على فضاء الانزياح الشعريّ الحكائيّ (تنمو المروجُ في أنينِها) حيث تمتزج صورة الطبيعة الضافية بإيقاع الطرائد المنتهكة، ومن ثمّ تخرج من باطن الصورة صورة أخرى ملحقة بها تصوّر شخصية محتملة تدخل فضاء السرد الشعريّ (بانتظارِ ضيفٍ)، يسهم في إحداث مسار جديد في سياق الحكاية الطبيعي (يُزيحُ عُزلَةَ السُّفوحِ عن صراخِ الغرقى)، من أجل يحقق نوعاً من التوازي السيميائيّ بين منطق الطبيعة (المروج/عزلة السفوح)، وبين إيقاع الضحايا (أنينها/صراخ الغرقى)، على النحو الذي يكون فيه المعنى الشعريّ الكامن في عتبة العنوان ((الفجر في يدي)) دالاً على الضياع وليس على الاستحواذ.

    الأثنين 13 كانون الثاني 2013
    جريدة الاتحاد البغدادية
    http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=132177

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة مايو 25, 2018 10:13 pm