علي حسين الخباز: الحياتي والمحتوى العام .. بشهادة خريف المآذن

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    علي حسين الخباز: الحياتي والمحتوى العام .. بشهادة خريف المآذن

    مُساهمة  Admin في السبت أكتوبر 23, 2010 4:25 am

    كثيرة هي الاسئلة التي تدور حول حيوية ( الحياتي الخاص) داخل المعنى العام لأي منجز شعري وعن أمكانية تمحور التجارب الذاتية في بناء هذا المسعى ..حيث يرى البعض إن امكانية انبثاق الشعري من معطيات غير أدبية تنسجم مع الثيمة المشتقة من الاستجابات الادبية.. ونحن نرى أن ليس هناك معطى غير أدبي في جميع ثيمات الحياة وأقرب تلك المشتقات هي جزيئات حياة المبدع كدافع مهم من الدوافع النفسية وألأجتماعية ينطلق منها الشاعر إلى فهم العالم... فلو أخذنا على سبيل المثال محتوى ( العباءة) في مجموعة ( خريف المآذن) للشاعرـ باسم فرات ـ لوجدنا أن حيوية اللغة المجازية والتراكيب الصورية والكم الانزياحي كمفاهيم أستطاع من خلالها صهر الذات داخل مواضيع جدية زينها بالطابع الشعوري حين أستخدم مرادفات الامومة ليصيغ لنا هوية مؤسسة بجهد (16) صورة متجددة .. ( سلاماً عباءات الدموع التي هي تاريخنا بلا شك) ص11...فالملاحظ أن التعامل اللغوي الانزياحي استطاع من اضعاف سطوة الذاتية المهلكة وأبعد منهج الاستنساخ الشخصي ليلغي المفهوم التقليدي عن العباءة وحتى عندما تقرب إلى خصوصيتها (أكتب تاريخ جنوبين فوق عباءة أمي)ص16...فحاول تعزيز الهوية بزج المغزى الشعوري داخل المعنى ( بينما الوقت يطرز منفى لعباءات النخيل )ص17وهذا مسعى جاد لتطهير الرمز من السردية الذاتية العقيمة لتصبح عملية مشروعة لتداخل الذوات لكونها تتعامل مع الانا الشعرية تعامل الشاهد الحي الذي يجعل من البوح الشعري ايماءات واضحة نحو موضوعية شاملة ( لم التفت لحقول عباءات غادرتها السواقي فمشطت ليالي نزوة القمر ) ص26...وهذه دلالة من دلالات الوعي الذي يتسع لاحتواء الفهم العام ويؤدي إلى تفاعل العلاقة بين الذاتية والموضوعية وبين أمكانية تسخير المعنى للتفاعل بين الذات ( الفاعل) والموضوع لامن خلال تنشيط العلاقة الثنائية بين الشاعر ومحتواه بل واحتواء القيم النابضة للعام (وعباءات تكنس الغزاة فيطعنها ضابط الامن )ص56....وثمة ترسبات شعورية تستيقظ في ضمير الشاعر لابد أن تكون لها سمات عامة( وللحرب أيضا أناشيدها تلك التي بللت أحضان الامهات )ص57لوجود مصدر شعوري مشترك يربط الخاص بالعام وهذا يعني أن الشاعر (باسم فرات) أستخدم الهوية الشعورية بقوة عندما تمحورحول مفردة الام ليبث من خلالها معاناة جيل ووطن وأمة اشتعلت بجحيم الحروب
    (أمي اشعلت ثلاثة عشر قنديلا تؤثث لانتظاري
    وعندما شاخت النوافذ بترقبها
    أنا أشعلتُ ما تبقى للرحيل ) ص24
    وبهذه اللمحات الشعورية التي تنبثق من هوية واضحة المعالم تحمل كل قيم العالم لتصبح هذه الام أم الجميع واللطيف في الامر انه يحاول أن يبرزها للعالم كما هي بمحفزاتها الطبيعية التكوينية لام عراقية كربلائية تمارس طقوسها اليومية على سليقتها ولا يخدشها بسطوة شاعر (أمي ترمم النجوم التي أختلطت بشعرها وتشرب شايا تذيب فيه أحزانها) ص32
    فقد تبنى الشاعر مفهوم الام كقضية وجدانية لابد للشعر أن يحملها نهجاً ينحاز اليه ليكون الابن الشاعر ابن كل أم وابن كل مدينة وتاريخ ..وخاصة عندما يكون ابن مدينة مثل كربلاء تحتفظ بسلطتها الشعورية التاريخية التي تساعد كثيراً في تسهيل مهمته الانسانية وتحملـّه مسؤولية الاحتواء ( كيف لي ..أن اقول أنثى .. ولا أعني كربلاء ..وأقول مدينة .. ولا تشرئب أمي متشحة بكل الليل بيضاء .. تقطر الناي في فمي ... وتعيدني إلى أول الحكاية) ص54 فقد سعى الشاعر( باسم فر ات ) لأن ينفتح عبر نظام أشاري يعزز المسعى الشعوري بعدما أنفتح على هذا الينبوع الشعوري ب(15) اشتغال جملي
    ( أمي آيات حناء يغالبها العشق فترملت
    حزن محبين في آخرة الليل ،
    يفرغ الهم في حضنها مواويله) ص47ولابد من بعض الدوافع الشخصية التي ترمم الاشياء رغبة في أحتواء المعنى المفقود ( التعويض الشعوري ) فحالة اليتم ترسم لهذا الشاعر أبوية الام أو بطولتها ( زينت أمي وجه الخليفة ببصاقها )ص48
    ويمثل العمق الحياتي للشاعر بنية عاطفية شعورية مشتركة حيث يرى بعض النقاد بأنها مشتركات عقلية لان الواقع الحياتي شكل واقعاً نصياً أحتوى أستجابة الفاعل لحاجاته وهذا لايعتبر حالة من حالات نقل العالم الواقعي الحرفي بل أستجابة من الاستجابات التي تتغير تبعاً للدوافع النفسية المتغيرة من قصيدة لقصيدة فيولد مثل هذا الشعور حالات غير ثابتة يولد منها أستخدام ثاني للغة وأستخدام ثاني للبنية واستخدامات عديدة للفكرة لان واقع اليتم الذي عاشه ( باسم فرات)تسرب لنا عبر (19) صورة شعرية رسم من خلالها معالم مختلفة لانعكاسات المد النفسي لكل قصيدة فهو يرى الاب تارة ( ابي خطأ تناسل) ص12وتارة يصوغ منه فكرة تتسع لدوافعه النفسية الذاتية عبر لعبة القناع ليضيف إلى عمقه الترميزي سعياً جماليا ( تحمل كتباً من الزعفران وتخفي آخريات من العبق إلى سجن السندي حيث يرقد ابي ) ص48والمعروف تاريخياً أن سجن السندي هو أحد السجون التي أضطهدت الامام موسى بن جعفر عليه السلام وفي موقع آخر يقول ( وأذ يقتل أبي ويحز رأسه يمسح العلقمي دموعي ويتوارى حاملا كفين باسقتين يتوهجان خضرة وندما ) فالمعنى التاريخي يكشف لنا أن نهر العلقمي أحد انهار الطف الكربلائي والكفان هما كفي أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ويركز ( باسم فرات ) على هذا المضمون في اكثر من مقطع ( ويتضرعن ــ للحرـــ أن يمنحهن منديل أبي وما زال معانقاً ساعده كي يوقف نزف الخنجر الاموي )ص38 والمعروف في المروي التاريخي أن المنديل المربوط حول ساعد ( الحر بن يزيد الرياحي ) أحد شهداء واقعة الطف عام 61هـ هو منديل الامام الحسين بن علي عليه السلام ومثل هذا الاشتغال الفني بعدة ذوات يساعد في تاويل وجود المعرفة الموضوعية ويسطير على نفسية المتلقي فلا أعتقد أن ثمة أنسان في العالم لايحب مثل هذه السمات أن تتقرب لابيه ( الشفق دم أبي ) ص49 و(إن ابي أكثر القتلى بشاشة) ص59 وتداخل الذوات يحتكم إلى التشابه الظرفي العام وبما إن الطفولة كادت أن تتشابه حرفياً في المجتمعات الشرقية فهناك أذن واقع نصي يمون على حياة الاخرين وعلى طفولتهم وتستحكم عملية الاشتغال على الطفولة عملية أنتقاء العوالم بما يتبع أيضاً الحالة النفسية الظرفية للشاعرفنجده يسأل أولا ( أي حلم يجفف طفولتي ) ص9 أو ( أقرأ الطفولة أسئلة لاتنتهي ) ص17 فعوالم الطفولة تحمل الكثير من الاحاسيس والانفعالات والذكريات والافكار وتخلق تداعيات حرة تستطيع تمثيل أي طفولة أخرى . ومثل هذه الموضوعة الحياتية لها ما يعززها في الموضوعية العامة وخاصة أذا ما كانت هذه الذاتية تمثل بعض عناوين الموضوعية العامة مثل ( الحرب) فالحرب غاية معيارية تمثل ما يمكن أن نسميه بالفردية العامة أي إن ثنايا الهم في طفولتي لابد أن تكون في ثنايا كل الطفولات بلا استثناء . فالحرب لم تترك طفلا عراقياً لم يرسم في مرسمه طائرات ودبابات ومدافع ( وبحطامك تفرك عن طفولتك الطائرات)ص12ونقرأ ايضاً ( أتتبع اثار طفولة وارتق أمان دهستها المجنزرات ) ص17 والامثلة عند باسم فرات كثيرة فهو يقول ( هناك تركت على خارطة الطفولة .. براءة ثقبتها عفونة العسكر) ص53ولا يعني ارتباط المعنى الذاتي بالمضمون الموضوعي شرطا من شروط القصدية الذاتية لوجود امور شعورية فاعلة تعتمد على الجوهر النفسي الذي تشير بنيته إلى الكثير من معالم البنية الجمعية فعوالم البيت التي كانت من بعض مرتكزات (باسم فرات) تمثل عنده الهوية حين يقول( كانت البداية جمرتان تزفان الافق وتصهلان عند الباب ) ص10ومفردة شبابيك التي استخدمها في خمس جمل ولم يسمّها نوافذ كي يتقرب إلى هوية المنشأ ( على الشبابيك تركت للمعنى احلامنا تنمو على الشرفات)أو لنقرأ ( مرهفة أبواب الدار من الصراخ ) أو نجد عتبة الدار التي كان أهلنا يعتبرونها مصدر فال (وما دون عتبة الدار رجم بالسراب )
    وليس هناك ثمة نقد في العالم ينكر على الشاعر أن يجمع في معناه الشعري بين الفعل الخاص والبنية العامة بل يذهب معظم النقاد إلى عدم امكانية الفصل بينهما لان الهدف الاساس هو تثبيت معنى المبدع على انه مبدأ يعتمد عليه جهد التأويل الجمعي فلو استمعنا إلى باسم فرات وهو يقول ( كل طريق يؤدي إلى سبعين برتقالة ومقام) ص49وحقيقة المقام عند الكربلائيين تعني مسجد صغير كان قد شهد خطوة إمام من أبناء رسول الله(ص) وتكثر هذه المقامات في المنطقة التي نشأ فيها الشاعر باسم فرات فثمة مقام للمهدي صاحب الزمان عجل الله ظهوره المبارك وهناك مقام الامام جعفر الصادق عليه السلام ومقام علي الاكبر وعلي الاصغر ومقام عبد الله الرضيع وهو أصغر ابناء الحسين عليهم السلام حيث ذبح في واقعة الطف وهو طفل رضيع وترد أيضاً مفردة التكايا ( شوارع تتوالد في الازقة فتنمو التكايا بساتين اتكات على خاصرة المدينة ) ص56 حيث تنشأ في كل محلة من محلات كربلاء والتي تسمى ( طرف) متكأ صغير في أحد شوارعها تتكون على شكل رفوف كبيرة تعلق عليها الثريات الزاهية والتكايا دائماً تتشح اما باللون الاخضر المقدس أو باللون الاسود الحزين
    والمهم في هذا الموضوع أن ثمة علامات نقدية كبيرة ترى أن الموضوع الذاتي في مفهوم علم النفس يصل إلى ايجاد بنية مشتركة مرتبطة بالفعل التاريخي الذي يعكس النظير البنيوي في المعنى المدون مادام له في الجوهر سمة بين الذوات وهذا يتقيد بالامكانيات اللغوية لكل مبدع يستطيع من استجضار امكانيات المعنى فباسم فرات حمل في مجموعته ذاكرة المدينة المقدسة وأسماء شوارعها وأزقتها ومقاماتها (كربائيلو : سيدة لاتشيخ ابدا ) ص 51و(يا أعتق المدن المقسة ) ص52 ( طفولتي أدونها في باب القبلة وسنواتي في تل الزينبية ) ص54ونجد في قصائده كل خارطة كربلاء مثل شارع العباس وباب السلالمة وشارع السدرة ومقام كفي العباس عليه السلام ونهرها الحسينية ( رغم أني حاولت أن أخبأ الفر ات لكني عانقته ) ص48 ولا ينسى ابدا روافد الفرات الداخلة إلى مدينته كربلاء ( حين يمر نهر الحسينية فوق ريح الشماليين ) ص47 ونهر الحسينية في التاريخ هو النهر الذي شقه سليمان القانوني وكان اسمه السليمية لكنه عرف في التاريخ تحت اسم الحسينية وأعتقد أن مثل هذه التفسيرية تريد أن توضح فكرة واحدة هي أن فكرة العمل الشعري تقرأ لا على أنها جزء من التاريخ بل هي جزء جمعي يرتكز على الوضوح الذي يقدر أن يعيد بناء نفسه كاملا وأن يعطي من بعض تكامله المعنى المرسوم له عند التضمين ..........


      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 5:54 pm