مسلم الطعان: مسرح الماء بين الحلم والعزلة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    مسلم الطعان: مسرح الماء بين الحلم والعزلة

    مُساهمة  Admin في السبت أكتوبر 23, 2010 4:33 am

    قراءة في قصيدة (إلى لغة الضوء أقودُ القناديل)
    للشاعر العراقي باسم فرات
    الاثنين
    30/8/2004م

    الشاعر جوال دائم في العالم..رحلاته سرمدية لا تنقطع حتى بعد توقفه عن الحياة ..إن الشاعر يعيش في نصه.. حيث يبقى شعره المضمّخ بآهاته وأنفاسه يجوب العالم..هذا هو قدر الشاعر في كل زمان ومكان.
    والشاعر العراقي باسم فرات يقود القناديل إلى لغة الضوء في رحلةٍ مائيةٍ ابتدأت بركوبه للهديل ومرثياته المائية في خريف المآذن..فمسرحه المائيّ الشعري يتأسس على عمودين هما الحلم والعزلة .. ومنذ اللحظات الأولى لكتابتهِ القصيدة يدلي الشاعر بصوته الاحتجاجي كما الماء الذي يحتّج على الركود والتصحر والموات..في نصهِ الشعري يتماهى الماء بالإيقاع الحسيّ للتجربة الشعرية..بل يصبح الماء شاعراً والشاعر ماءاً عبر تبادلية إيقاعية مرهفة..فالشاعر ينتمي للماء وجوداً شعرياً كونياً جمعياً وفردياً..فسمّى أباه الذي فارقه فراقاً أبدياً وهو طفل (فرات) كمعادل موضوعي لفقدان ماء الأبّوة.. وها هو يعلن بذلك عن هويته وانتمائهِ المائيين.. في شعره يحمل الفرات في حله وترحاله...وأينما ذهب تحطُّ به أجنحةُ المنافي في وطنٍ مائيّ آخر فيرحلُ من هناك وهو لم يزل في مكانه إلى وطن الماء المبتلى بالركود والجمود والتصحر... إنها رحلته التي يحدو الركب فيها.. ركب القناديل.. راحلاً صوب لغة الضوء الذي يريده خلاصاً لمحنته الوجودية.. فالماء عبر حضوره الدراميّ الشعريّ شريك فاعل ودائم للشاعر في صياغة مسرح القصيدة- الحياة.. ما من قصيدة .. من منجز الشاعر.. يخلو فيها سطر أو مقطع من حضور الماء ظاهراً وباطناً.. تصريحاً وتلميحاً..لذا يمكن القول إنّ الشاعر باسم فرات هو شاعر مائي بامتياز يؤسس لمسرحٍ مائي في قصيدته بكل ما للماء من دلالات وإحالات وصور حركية درامية.. وعند قراءتنا لقصيدته الموسومة "إلى لغة الضوء أقود القناديل" وهي القصيدة الأولى في مجموعته الثانية (خريف المآذن – دار الأزمنة 2002) يبتدي لنا أنَّ هناك رحلة يقودها الشاعر منذ التأسيس الأول لمسرح القصيدة.. فهو يقود القناديل (من العزلة) إلى لغة الضوء(الحلم) ..أي لغة الماء.. ألم يكن الضوء نابعاً من الماء؟ ألم يكن الضوء منتجاً مائياً؟ فالشاعر .. في مسرح نصه.. يرحل بالماء إلى الماء.
    أيُّ حلمٍ يجفّفُ طفولتي/ أيُّ حلمٍ يشّقُ صباحاتي/أنا الأخيرُ
    في قافلةِ العزلة/ صهيلي يتكئُ على صحراءٍ فاضَ حدادها/
    ويهرولُ بينَ الأمطارِ والشظايا../
    هنا يفتتح مسرح القصيدة بتساؤلات يطلقها الشاعر – الراوي وتلك التساؤلات تميط لثام الستارة المسرحية عن أولى الشخوص التي يقدمها لنا النص-القصيدة وهي (الحلم، الطفولة، الصباحات، القافلة، العزلة،الصهيل،الصحراء، الحداد، الأمطار، الشظايا) ..إنَّ شخصية "الحلم" في المشهد الاستهلالي للنص هي شخصية صارمة.. إنه ليس بالحلم الذي اعتدنا النوم أو الاسترخاء على وسائده الحريرية التي حين نضع عليها رأس الخيال ننعم بطراوة شعرية الحرير.. إنه الشخصية المغايرة ، وهنا يقدم لنا الشعر صراعه الدرامي منذ البداية.. فالحلم هنا يقوم بفعلٍ تدميري..إنه فعل تجفيف الطفولة.. إنه حلم قاتل إذاً ...حلم سوداوي مستبد يشق الصباحات ويشق عصا الطاعة بالنسبة للغة الضوء.. ثمة رحيل محتدم و الشاعر-الراوي هو (الأخير في قافلة العزلة) .. ومنذ البداية نرى بأنَّ الصهيل شخصية مجروحة ولذا فهو يتكئ على الصحراء التي فاض حدادها ويهرول بين الأمطار والشظايا..وهكذا فالحلم الذي يفتتح به الشاعر مسرح قصيدته ليس بالحلم المائي الذي نريده أن يؤسس للحياة بكل معانيها .. الحلم هنا قوة هدم عارمة .. الحلم هو الظلام – الأسود – المستبد –القاتل – الشاق عصا الطاعة للصباحات الندية.. وفي ذلك المشهد نلحظ أيضاً هيمنة الفعل المائي فالأفعال ..باختلاف زمنها.. تشكل حضوراً مائياً بالرغم من غياب مفردة الماء.. وهذا اشتغال درامي جلي يجسده الشاعر ببراعة في الأفعال (يجفف،يشق،فاض) والتي لها علاقة ودلالة واضحة بالفعل المائي أو الحركية المائية، أما الكلمات – الشخصيات (الحداد- الأمطار-الشظايا) فهي مفاتيح لتراجيديا مائية تعبر عن الحرب التي سببت شظاياها أمطاراً من الدماء مهدت الدرب إلى الحداد.. والفعل (يهرول) كلمة ذات مدلول حربي تشربتها مسامات العراقيين في ساحات معسكرات التدريب التي تهيئ الزاد البشري لأفواه المعارك والحروب.

    كيفَ لي أن أتركَ نسياني / يوّزعُ ذكرياته باتجاه الألم / ولا
    يصرخُ :يا بلاد استرجعيني /البراءةُ عزلاء إلاّ من السواد../

    يلتقي القارئ – المتلقي هنا بشخوص جديدة هي (النسيان، الذكريات، الألم، البلاد، البراءة،العزلاء، السواد).. فشخصية النسيان كانت في الأصل شخصية تذكرّية بيد أنها أصبحت نسياناً حين شرعت بتوزيع الذكريات باتجاه الألم – الشخصية المحورية في مسرح الفاجعة - كيف لهذا النسيان – التذكر أن (لا يصرخ يا بلاد استرجعيني) .. ؟ إنه السواد الذي غطى كل شيء بوشاح الفاجعة! إن التوظيف الدرامي الرائع أو الاشتغال الفلسفي الفذ المجسد بالعبارة الشعرية الدرامية (البراءة عزلاء إلا من السواد) ينطوي على قراءة مائية تحليلية.. فالبراءة بطبيعتها جمال فطري ينبع من السلام ويؤسس للسلام الذي هو مصدر مائي لأنه يمثل السكينة .. فالبراءة – الطفولة – الحلم – الماء لا تنتمي إلا للجمال ولذا فهي عزلاء .. لأنها بفطرتها الأولى لم تتسلح لحرب أو لدمار وإن فعلت فإنها تصبح خبرة متشحة بالسواد والبراءة بطبيعتها عزلاء لأنها لا تملك سلاحاً إلا فطرتها.. ولكن عندما تصبح مسلحة بالسواد فتلك الفاجعة الكبرى.

    وأنا أتلّمسُ دمي / وحيداً في ساحةِ العرضات / يطلقُ النارَ
    على الريح/ ويفتكُ بأوراق الصدى/ لا ظلال لهدوئهِ كي يستقيم../

    إنَّ المتحدث المحوري في مسرح القصيدة الذي يجسد شخصية الشاعر-الراوي تهيمن عليه موضوعة الحرب.. فهو عندما يتلمس دمه.. ماء حياته.. المهيأ وقوداً للحرب..يجد نفسه (وحيداً في ساحة العرضات) يطلقُ النار على الريح.. ولا جدوى لإطلاقه للنار فهو كمن يقاتل الريح وصدى طلقاته يفتك بأوراقه.. والفتك بأوراقه يعني قتل عنوانه المائيّ الذي تجسده تلك الأوراق سواءً كانت أوراق في شجرة وجوده أو أوراق حلمية لشعريةٍ اختطفتها ساحات العرضات وفواجع الحروب ومآسيها.. ثمة خطب ما يقلق هدوئه لأنه لا ظلال له كي يستقيم.. بين مسافةٍ وأخرى يصوغ الشاعر شعرية إيقاعه الحسيّ المترجم للتجربة الإنسانية- الحياتية التي يمّر بها إلى فعلٍ فلسفي تحددّه المنظومة التعالقية للمفردات – الشخصيات أو عبر شبكةٍ من الشخصيات المفرداتية حيث كل مفردة تشكل شخصية منفردة في مسرح القصيدة.

    كيفَ لي أن أبلَّ نسياني/ بهزيع التمائم/ والرازقى يسيل أسىً../

    الشعور بالمرارة – مرارة الفجيعة – لم يزل مهيمناً .. إنَّها سلطة العطش التي تطال حتى النسيان – إحدى الشخصيات في مسرح القصيدة – فالراوي – الشاعر لم يزل يعيش المحنة والوجع والمكابدة من الرؤى المريرة للحرب ..الموضوعة المهيمنة في نصوص باسم فرات .. وسلطة العطش تلك تجعل الشاعر يتساءل عن الطريقة التي يبلُّ بها نسيانه.. فهو يبحث عن حلّ يأتي بسبلٍ مائية..أي يبحث عن حلّ مائي.. فالماء يبلّ النسيان ليستعيد الذاكرة.. فنسيان الشاعر شخصية مأزومة تبحث عن ماءٍ يجعلها تورق بنسغ الذكريات .. هل يتسنى للشاعر أن يبّلَ نسيانه الظمأ(بهزيع التمائم).. هنا انزياح نحو تخوم الذاكرة الشعبية - الذاكرة الجمعية – إنّه يذكرنا بالتمائم ولو بالهزيع المتأخر من هذا العمر المصاب بأورام المحن.. كيف يحصل هذا( والرازقي يسيلُ أسىً)؟! وهنا تبزغُ سلطة أخرى لها حضورها المهيمن في المشهدية الدرامية للنص..إحالة ذكية للذاكرة الجمعية التي تكتنز بالصور العراقية لزهر الرازقي الذي تعبق منه رائحة الشخصية المكانية.. كيف تحصل عملية الارتواء للنسيان والرازقي يسيلُ أسىً.. هذا ماء متدفق للمأساة العراقية ما دامت أوراق الرازقي الأثيرة للشخصية العراقية تقدم طوفان مآسيها على مسرح الحياة.. أيُّ طوفان مأساتي يغلّفُ بَلْ يغرق نص الشاعر؟‍‍! وتلك المسافة المأساوية تعيدنا مع الشاعر إلى البداية التي يصوغها بسردية شعرية عالية:

    كانت البداية / جمرتين تزّفان الأفق/ وتصهلان عند الباب/
    بلا أجوبة /كانت البداية/ أن أشذّب حزني/ ينوءُ بخاصرةِ
    الحلم/ وأنا أعدُّ حرائقَ أيّامي/ أعدُّ نتوءاتها في ذاكرتي../

    نصدم بلغة شعرية ساخنة في هذا المشهد الدرامي.. أية بداية تلك التي تبدأ بالجمر الشعري..؟ وأين الجمر من الماء الذي هو شاعر مؤسس للكون؟ فالجمرتان – الشخصيتان الأنثويتان – تزفان الأفق وتصهلان عند الباب..أية تحولات تلك التي نرقبها – نحن جمهور مسرح القصيدة – في مشهدية النص لغوياً ودلالاتياً..؟ الجمرتان فرسان تصهلان في مضمار – مسرح القصيدة... كانت البداية صامتة و(بلا أجوبة ) حيث الشاعر منشغل بتشذيب حزنه الذي (ينوء بخاصرة الحلم) .. ثمة شخصيات تعود للمشهد مرة أخرى.. والشاعر يعد حرائق أيامه حريقاً حريقاً.. يعد تلك الأيام التي أصبحت نتوءات في ذاكرته..أي مشهد درامي هذا الذي تتقاسمه شخصيتان بارزتان في مسرح القصيدة هما النسيان والذاكرة؟!

    لي لغةُ النيازك/وشهوةُ أرخبيلاتٍ تضيقُ بهنَّ القصائد/
    لا دليلَ لبوصلتي/غير الأسى/ والفجرُ معبأ في شاهدة الماضي/
    أرثيك يا جموح لأن جناحيكَ/انشوطتان للنهار/بنما البحرُ
    يهرّبُ الأصيل بلا هوية.../

    فالشاعر رغم وقوعه في شبكة المراثي التي لا فكاك منها لكنه يجيد العزف على أوتار إيقاعاته الرثائية لأنه يمتلك ناصية اللغة الضوئية (لي لغة النيازك) فلغة النيازك وشهوة الأرخبيلات والبوصلة التي لا دليل لها سوى الأسى مسافات جغرافية يحشدها الشاعر في فضاء قصيدته.. نقرأ من خلالها ارتحال الشاعر في فضاءات النيازك التي امتلك لغتها وشهوة الأرخبيلات المتفتحة على المسافات المائية حيث الاشتغال المائي جلي عبر الانفتاح الجغرافي للمكان والزمان مجسداً بالأرخبيلات والبوصلة والفجر الذي يشكل المفتاح الدلالي للمستقبل (معبأ في شاهدة الماضي) .. ويمضي الشاعر في إنشاءه الرثائي من على خشبة مسرح قصيدته فهو يرثي الجموح الذي أصبح طائراً بجناحين هما (انشوطتان للنهار) في القوت الذي كان به (البحر يهرب الأصيل بلا هوية) وكلمة الأصيل لها قراءتان هنا الأولى قراءة زمنية مرتبطة بالفجر والماضي والنهار وهي مسافة واضحة للعيان والثانية قراءة مرتبطة بالأصالة التي تتعرض للإجتثاث والإقصاء ..فالبحر الذي هو وجود أو كائن مائي يقوم بفعل إقصائي مزدوج الدلالة..
    إذا قرأنا تلك الصور الإقصائية بتساؤلين: الأول هل يمارس الماء فعلاً اقصائياً؟ إذا فعل ذلك خرج عن فطرته – براءته الأولى باعتباره حاضناً ومكوناً أو منتجاً للحياة لا طارداً أو مقصياً لها وبذلك تتم مصادرة وتهريب الإنسان العراقي (الأصيل إلى ضفة بلا هوية) .. وهنا يدخل الماء عالم الخبرة المعتم المستبد.. والثاني: هل يمارس الماء فعلاً اقصائياً مخلصاً ؟ أي يساهم بعملية الإقصاء لإنقاذ كائناته من براثن الظلام والاستبداد والإجتثاث حتى وإن تطلب الأمر نقل(الأصيل إلى ضفة بلا هوية) .. والشاعر هنا لا يمتلك لغة النيازك فحسب وإنما يمتلك أيضاً عدة الرحالة والمستكشفين لأنه بحار مرتحل في فضاءات الكون.. إنه يحول الفعل الشعري إلى قارة ثامنة إذا ما اتفقنا مع القول الجغرافي الرومانسي (المرأة قارة سابعة) .. ونحن نقول إن القارة السابعة تلك هي قارة أنثوية بما ينطوي عليه الوجود الأنثوي من معانٍ مختلفة بدءاً بالمرأة – الأنثى والمكان – الأنثى والقصيدة – الأنثى.. والقارة الأنثوية تلك التي تجسدها المرأة ككائن بشري جميل ومكان وقصيدة لها حضورها وهيمنتها في نصوص الشاعر حيث يقول:

    الشفق جغرافية دمنا / أنا وبغداد/ نجلس معاً على شاطئٍ
    نعرفه/ نحتسي خرابنا / بغداد../ليل يجفف عتمته بضيائي/
    سلاماً مناديل الوداع التي جففها مطر الانتظار/ سلاماً عباءات
    الدموع التي هي تاريخنا بلا شك../

    بين فترة مشهدية وأخرى في فضاءات النص المتناقضة يطلّ علينا الشاعر بنيزك لغوي أخاذ.. إنها فتنة اللغة التي تجمع ما بين الشعري والفلسفي في مسافة واحدة.. أي اشتغال مقارباتي هذا الذي يؤسسه الشاعر في نصه السحري ليلون المكان الجمالي بصبغة الحرب..؟ وهل هناك لون أقسى على الإحساس من لون الدم الذي خضّب الشفق بدم الأرض..؟ إنها لعبة الدراما اللونية التي يحسن الشاعر الإمساك بخيوطها.. فالدراما التي يصوغها الزمن بقسوته وخرابه وعذابه تتحول إلى دراما شعرية يقدمها الشاعر من على مسرح قصيدته.. فا(لشفق جغرافية دمنا) مشهد فلسفي رؤيوي يعبر عن فداحة الدم الذي عانى منه الشاعر مع حبيبته بغداد حيث يجلسان معاً على شاطئ يعرفانه – دجلة – ليحتسيا كؤوس الخراب.. أي وجعٍ شعري يجعلنا نحتسي خمرته نص الشاعر ؟! فبغداد ليل وأي ليل؟! هنا تبرز الذاكرة بكل خزينها المستفز.. بغداد ليل تجفف عتمته لغة الشاعر الضوئية ألم يقد القناديل إلى لغة الضوء؟ وهنا تتضح التبادلية في الفعل المائي فمناديل الوداع يجففها مطر الانتظار.. وهذه مسافة تبادلية مغايرة.. حيث يكون للانتظار طوفانه المطري الذي يجفف ولا يسقي.. وتلك مفارقة جلية يقدمها مسرح القصيدة.. وهناك انتقاله إلى تاريخ جمعي يحمله العراقي في مسامات كيانه.. انتقالة إلى خبز الدمع اليومي الذي اعتاشت عليه مشيمة الشعرية.. إلى (عباءات الدموع التي هي تاريخنا بلا شك) فعباءات الدموع هنَّ الأمهات العراقيات .. الأم العراقية عباءة الدمع .. أية مصائب جراح تنكأها في صدورنا يا باسم؟!

    أنتَ وحدكَ/تملأُ الأنهارَ أغانٍ وذكريات/
    وتعرّي الموجةَ من هذياناتها / تزهو بحطامكَ/ و
    بحطامكَ تفركُ عن طفولتك الطائرات والخنادق/
    لك مواقيتُ في النرجس/ وهو غارق في رؤاه../

    ثمة انتقالة مشهدية يشتغل عليها مسرح القصيدة المائي عبر مقاربة شعرية درامية ما بين واقعية مقيتة تحاصر الشاعر – بطل القصيدة المحوري حتى وهو قابع بين أسوار عزلته (أنت وحدك) ورومانسية منطلقة - عبر رؤى صوفية – تنشد الرومانسية التي تجسدها لغة الشاعر المائية (تملأ الأنهار أغانٍ وذكريات/ و تعري الموجه من هذياناتها) يحلم بالوصول إلى الحقيقة الجمالية عبر مسالك اللغة الإنشادية الغنائية الضوئية الكاشفة والمكتشفة التي تنزع عن الموجة ثوبها الهذياني أي واقع هذا الذي جعل الموجة تكثر من هذياناتها؟ الموجة مصابة بالهذيان فتلبسها وأصبح ثوباً لها وليس من فعل كاشف وقادر على أن يعري تلك الموجة من هذياناتها إلا فعل الشاعر والفعل البطولي واضح لبطل القصيدة الذي يزهو حتى بحطامه (تزهو بحطامك) وبهذا الحطام الذي يبعث على الزهو لأنه بطولي يذهب عن طفولته – براءته .. الطائرات والخنادق.. إن طفولة الشاعر ما زالت رافضة لفعل الحرب المقيت الممثل بالطائرات والخنادق .. للشاعر قدرة عجيبة على جمع المسافات المتناقضة على خشبة مسرح قصيدته ليؤدي كل منها الدور الموكل إليه على أحسن وجه.. فبعد أن تدلي الحرب بدلوها عبر لغة الطائرات والخنادق يفتح الشاعر الباب على مصراعيه للدخول إلى قاموسه الوردي بصوفية متصاعدة( لك مواقيت الآس في النرجس وهو غارق في رؤاه).. الآس والنرجس شخصيتان مائيتان لأنهما تنتميان إلى مسرح الماء.. والغرق سمة مائية يهيمن على إيقاعاتها صوت الموت.. بيد أن الغرق هنا شخصية درامية تلعب دوراً مغايراً لفعل الغرق الأول – الموت..
    فالغرق في الرؤى هو غرق في الفكر من أجل الحياة.. إنه الاشتغال الفلسفي الذي لم يزل الشاعر يبثه في نصوصه الشعرية ببراعة متفردة.

    وتكتب إليك:/أخطائي/تابوت../ يصرخ خلفي لاهثاً/
    لغة ضيعتها حروفها/ حتى تعرت بلا مأوى/ شعوب تهرأت
    من البوح/ في قفص الأمنيات/ أخطائي.. أنا / أخطائي/
    أبي.. خطأ يتناسل/ أمي خطأ ينتظر خطأ من أجل خطأ/
    أنا خطأ يعد الخطى فيخطئ../

    في هذا المشهد يفتتح الشاعر فعله الدرامي بالقول (وتكتب إليك) حيث يضعنا في تساؤلات عديدة .. من هي التي تكتب غليك؟ ومن هو هذا المخاطب الذي يتلقى الفعل الكتابي؟ هل هي بغداد صاحبة السطوة والهيمنة العاطفية أم مناديل الوداع أم عباءات الدموع – الأمهات؟ هل هي مواقيت الآس في النرجس أم الرؤى أم هي كل ما ذكرناه مجتمعاً بذلك الفعل الأنثوي (تكتب)؟‍!
    النص يكشف الأخطاء التي عبارة عن تابوت – موت يصرخ لاهثاً خلف المتحدث بطل القصيدة – الشاعر – الراوي.. واللغة التي ضيعتها حروفها وأصبحت عارية بلا مأوى هل هي لغة الشاعر الذي أصبح يتحدث عن ملاذ آخر..؟! لغة الشاعر بطبيعتها لغة ضوئية وهي عارية لأنها كاشفة للمستور ومكشوفة في ذات الوقت.. هناك عالم من الأخطاء بل (شعوب تهرأت من البوح في قفص الأمنيات) .. عالم وشعوب متهرأة من الأخطاء تجتمع دفعة واحدة في أخطاء المتحدث الذي – من على خشبة مسرح القصيدة – يسرد سفراً من الأخطاء العائلية .. ثمة حشد من الأخطاء التي تغلف حياة الشخصية المتحدثة الساردة لإرث الأخطاء العائلية (أنا.. أبي .. أمي) لماذا يشتغل الشاعر على هذا الحشد المضني من الأخطاء ؟ هل تلك الشخصيات قادت – من خلال أخطاءها في التناسل الذي هو فعل مائي في حقيقة الأمر والانتظار وإحصاء الخطى – إلى الفاجعة الكبرى .. فاجعة الأخطاء الوجودية؟‍!
    ثمة تكرار كلماتي وتكرار حروفي ينّم عن قصديةٍ لتعرية الواقع على المستويين الفردي والجماعي والشخصي والعام.

    كيفَ لي أن أتركَ نسياني يتشظى / وفي النخلِ أنين ينزّ/
    أنا السومري / المدجج بالأحلام والأسئلة/

    سبق لنا أن التقينا بالنسيان كشخصية بارزة من شخصيات مسرح القصيدة ورأينا إنه يتماهى أحياناً بشخصية أخرى نقيضة وذات فعل درامي مغاير هي التذكر.. فالمتحدث – يطل النص – لا يريد لنسيانه أن يتشظى وكيف يحدث ذلك (وفي النخل أنين ينزّ) .. النخل شخصية مائية مهمة حاضرة في مسرح الماء والأنين الذي ينزّ دلالة فعل مائي .. وينطلق المتحدث من مسافة إلى أخرى ويعود للأنا السومرية التي لا بد من استحضارها كإرث وتاريخ يتغنى به(السومري المدججّ بالأحلام والأسئلة) .. إنَّ النص الذي يشتغل الشاعر – بجهد متميز – على تأسيسه هو نص مسافاتي جامع لشخصيات تاريخية وحاضرة وذات تطلعات نبوءاتية .. فالحلم والسؤال مفتاحان أساسيان في الكشف والاكتشاف.. الكشف بلغة الحلم الضوئي والاكتشاف بأدوات التعرية والاستبطان والتوغل في مسافات المجهول وهذه مهمة الشاعر وإن كانت عصّية ويغلفها غبار التلكؤ والترود حيث يقول:

    متلكئاً / أنفضُ الحنين عن أصابعي/ أرتجفُ داخل حياتي /
    عبثاً أنزعُ الخوفَ عن وسادتي../

    المتحدث الذي يمثله صوت الشاعر هنا أو صوت الشاعر – الراوي هو شخصية انقسامية بسبب فعل التشظي الذي طال حتى النسيان والأنين المائي للنخل.. والشخص المتلكئ هنا ينفض الحنين عن أصابعه ويرتجف داخل حياته وعبثاً ينزع الخوف عن وسادته.. أيُّ خوف هذا الذي يجتاح حتى الوسادات؟!
    إنَّ تلك الشخصية المنقسمة على ذاتها إذا كانت سلبية في تلكؤها وخوفها وارتجافها في نصفها الأول فإن نصفها الثاني يقوم بفعل إيجابي يعبر عن حركة درامية رائعة ينسجها لا وعي الشاعر حيث تقول تلك الشخصية الإيجابية:
    أمسِّد عذوبةَ الغابات/ أواري خجل البحر/ أمام رعونة
    الموج/ أقود القناديل إلى الضياء/ وأرتقُ صبرها/ غير عابئ
    بالخلود/ غير عابئٍ بالأفول أيضاً/ أخمشُ الآفاق وأمضي../
    ويبقى اشتعال الشاعر- حيث تتسع جغرافية نصه- اشتغالاً مائياً فالماء كائن كوني بوجوده المادي والدلالي له غاباته التي تمسدها أصابع الشاعر بحنو لأنه يشعر بالانتماء إليه، فعذوبة الغابات التي تمسدها أصابع الشاعر هي هوية مائية للشاعر وللكون، ويبقى الشاعر المهيمن على بطولة نصه في مسرح القصيدة يتحكم بشخصياته التي قدمها ضمن فضاءات نصه.. فهو يقوم بفعلٍ أخلاقي تجاه مخلوقات عالم نصه – شخصيات مسرح قصيدته- فيواري خجل البحر.. والحديث بدلالته الحسية الدينية تفوح منه رائحة تناصية مع شعرية الحدث الأول..حدث السقوط في أحابيل الغواية وكشف السوأة التي أدت إلى حشد الأخطاء العائلية الآنفة الذكر.. فهو هنا يواري خجل( عورة) البحر( أمام رعونة الموج) فالبحر الذي يخجل هو كائن آدمي في مسرح القصيدة والموج الذي يتصرف برعونة هو كائن آدمي آخر.. وهنا تحدث عملية الارتقاء الشعري بواسطة سلم اللغة الضوئية التي يمتلك ناصيتها الشاعر حيث يقود القناديل إلى الضياء ويرتق صبرها المثقوب غير آبهٍ بالخلود ولا (بالأفول أيضاً) وهنا يلعب الشاعر لعبته الثنائية، الخلود – الوجود السرمدي والأفول- العدم الموت.. والجميل في لغة الشاعر باسم فرات إن المفردات في نصه تؤدي رسالتها الدرامية المتكأة على موروث شعبي أو المستنفرة لخزين الذاكرة الجمعية.. وهذا ما يجسده الفعل الدرامي المتماهي مع حركية الفعل اللغوي في (أمسد) عذوبة الغابات و(أخمش) الآفاقَ وأمضي.
    أنا جنّةُ نفسي وقيامتها/ بتؤدةٍ أشيرُ للرياحين../
    بتؤدةٍ تنسابُ الحقولُ فوق سريري/ تنضحُ الضفاف عويلها
    بقربي/ بينما النشيجُ.. يندلقُ عبر نوافذِ الانتظار
    أية مشهدية درامية تلك التي يهب الشاعر فيها جواباً على سؤال أزلي؟ إنه سؤال المحنة الوجودية عبر إشغاله على ثنائية أخرى مؤرقة للإنسان – الجنة .. القيامة- فلغة النص المائية هنا جلية ومتصاعدة وكأنه يعدنا للمشاهد الختامية، لمسرح قصيدته فهو يشير بتؤدةٍ للرياحين، هنا مكان مائي وشخصية مائية – بصيغة الجمع- تنتمي للجنة.. وببطء تنسابُ الحقول فوق سريره، وأية حقول تلك؟ إنها حقول مائية تنساب بفعل مائي فالحقول هنا مياهٌ منسابة فوق سرير الشاعر وتنضح الضفاف مراثيها البكائية بعويلها المجسد عبر تعلقات حروفية يمثلها حرف (الضاد) والفعل المائي يدل على التطهير وكأن الشاعر ينشد التطهير التراجيدي وهو من سمات الماء، ثمة فعل مائي آخر( يندلق) وثمة علاقة صوتية ما بين النشيج واندلاق الدمع هل يحدث كل ذلك في نوافذ الانتظار؟ الانتظار القياماتي الذي يسوده العويل والنشيج، ألم تكن الدلالات الدينية جلية هنا بتعلقاتها المفرداتية والثيمية وحتى إيقاعاتها الصوتية عبر التناغم الهارموني الحروفي.
    بتؤدةٍ شغفي يتسلل خفية/ ألمسه/ أحرثهُ في النهار/
    ويحرثني في الليل/ شغفي يجر النهر إلى الصحراء/ والعطش إلى
    السماء/ ثم ينتحب أمام وحدانية براءته/ شغفي يتهجدُ في موقد
    مشاكساته/ حاملاً الجمرةَ في تباريحه../
    في المشهد الشعري- ما قبل الأخير – يقدم الشاعر لنا شخصية يتماهي معها يلتصق بها بحنينها وماءها وعطشها، إنها شخصية الشغف المتسلل خفية حيث يلمسه الشاعر بأصابعه الروحية، إنها تربته التي يحرثها في النهار فتعود لتحرثه هي في الليل ، أية لغة مائية يقدمها الشاعر في جغرافية نصه؟
    فهذا الشغف يؤدي فعله الدرامي المدهش حين (يجر النهر إلى الصحراء/ والعطش إلى السماء) وينتحب أمام وحدانية براءته إنه يسعى بنصه إلى تشكيل لغة مائية تغير جغرافية الوجود فأي اشتغال لغوي هذا الذي يجعل الشغف بدهشة صادقة يجر النهر إلى الصحراء خارج منطق الجغرافية؟
    ولا يكتفي بذلك إنه يريد أن يجر العطش صعوداً إلى السماء، إنها محنة العطش الأرضي المتجسد بالصحراء التي يريد أن يجر النهر إليها، إنها جغرافية خاصة، إنها جغرافية خارج المنظور الفيزيائي المادي المتعارف عليه، إنها جغرافية النص التي يتحكم بها صانع النص، فهو يجر نهره اللغوي ليسقي صحراء اللغة ولا يكتفي بمطر الموسيقى الإيقاعية للكون، والشغف الذي هو الشاعر ذاته يقوم بفعل مائي تراجيدي حين( ينتحب أمام وحدانية براءته) إنه يبكي بمرارة مائية والانتحاب فعل درامي مضن يتبعه تهجد نواحي- بإيقاعية صوفية- في موقد المشاكسات، الشاعر بطبيعته مشاكس كبير مثلما هو الصوفي مشاكس كبير للواقع المنسلخ عنه، حيث لا مسوغ ألبته لصراخ مفرداته ونواحها إذا لم تنتمِ إلى لغةٍ مائيةٍ جمريةٍ مشاكسة، وهذا الشغف الشعري المتهجد في محرابهِ المتوقد تكون جمراته بتاريخ صادمة للنص وقارئه، إنها الدراما الجمرية والتي – رغم المفارقة – تؤسس لمسرح القصيدة المائي الساخن ما مبين الحلم والعزلة.
    أيُّ الأزقة تفتح قمصانها للغريب/ أعلق على الجدران انكساراتي/
    وأتوسد الحنين/ لست إلا الأخير في قافلةِ العزلة/ ولأني بلا أمجاد
    ترصع حياتي/ تركتني أحلامي ومضت/ على الشبابيك تركت تلهفي/
    والأبواب تركت عليها خيباتي/
    في المشهد الأخير يختتم الشاعر مهرجانه المائي بالعودة إلى لغة الحلم والعزلة، الثيمة المحورية لجهده الدرامي وحوار شخصياته المائية، فالحلم والعزلة كلاهما منتجان ومؤسسان لمسرح القصيدة – النص، فالعزلة تجعل الشاعر الحالم يصرخ بأعلى صوته وتشاركه صراخه هذا وجدانياً ودرامياً ( أي الأزقة تفتح قمصانها للغريب) أي كون هذا الذي ضاقت قمصان أزقته؟!
    إن هذا الاشتغال المجازي يوضح ما للاستعارة من سلطة على مشغل المخيلة لدى الشاعر، والغريب المدهش والشعري الصادم هو إن الشاعر بات يعلق على الجدران انكساراته وكأنها صوراً تلاحقه حيث يعلقها بيده ويتوسد الحنين فهو (الأخير في قافلة العزلة) ويعبر بطل القصيدة عن تراجيديا حياته إذ لا أمجاد ترصع حياته، وهو هنا يرفض الأمجاد الزائفة التي يبحث عنها مهرجو الحروب ومطبلوها، إنه لا يأبه بأمجاد ذاهبة بقدر ما يؤلمه هجر أحلامه التي تركته ومضت، وبرحلتهِ السندبادية تلك ترك تلهفه على الشبابيك وهي إطلالة على الوطن البعيد، وأبواب البيوت التي ترك عليها خيباته، حيث إنه يعرض لنا مأساته من على مسرح قصيدته وتبقى لغة الشاعر الضوئية هي لغته الحلمية التي ينسجها في مسرح عزلته، لغته المتميزة التي تعبر عبن فرادتهِ المائية لأنه بالرغم من خيباته وانكساراته المريرة ما زال يقود القناديل إلى لغة الضوء.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 6:00 pm