صلاح فائق .. سليل حضارات العراق

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    صلاح فائق .. سليل حضارات العراق

    مُساهمة  Admin في الأحد سبتمبر 29, 2013 8:33 am

    بدأت علاقتي بجماعة كركوك في الثمانينات، تعرفت عليهم كما تعرفت على عدد كبير من شعراء الحداثة العربية، وحين بدأت الأخبار في وسائل الاعلام العربية تتحدث عن حضور الأب يوسف سعيد وسركون بولص وصلاح فائق لمهرجان المربد الشعريّ، وذلك في منتصف الثمانينات، كنتُ مع مجموعة من أقراني (أنا الأصغر سنًّا بينهم) نتحدث بالأمر- الحدث، ففينا شغف بشاعرين مميزين طالما شغفتنا نصوصهم التي حصلنا عليها بطرق شتى، فالحظر الثقافي تحت يافطة "السلامة الفكرية" قد طال الكثيرين. وحين حضروا للمربد تم طبع مجموعة شعرية لكل واحد منهم، وكان التنافس بين الاثنين- وأعني سركون بولص وصلاح فائق- حاميًا بيننا، بعضنا يفضل الأول غير ناكر أهمية الثاني الذي يرى فيه الأهم بعد الأول، وبعضنا الآخر يرى في صلاح فائق أكثر أهمية من سركون بولص، مع التأكيد على أن الأخير هو الأهم في جماعة كركوك بعد الأول.
    حين انتقلت إلى عمّان، كان ذكر الشاعرين يتردد في المجالس والنقاشات التي كنتُ حاضرًا فيها، ولطالما سألت الآخرين عن رأيهم بشاعريّ المفضلين. وما كان يحدث في العراق انتقل معنا إلى الأردن، حيث انقسام المهتمين إلى فئتين كل فئة ترى في أحد الشاعرين أنه الأفضل مع التأكيد على أهمية الآخر، حتى كاتب هذه السطور الذي ظل الجميع يجهل موقفه من هذين الشاعرين المهمين والمفصليَّيْن بالشعرية العربية، لا ينكر أنه يشعر من الصعب الانحياز التام لأحدهما من غير التأكيد على أهمية الآخر. أقول هذا وأنا أشعر أن مَن قرأ الحوار الطويل الذي أجراه الشاعر والكاتب وديع شامخ معي حول سركون بولص، ومن ثم كتابتي لمقالتين عن سركون، سوف يعتقد أنني منحاز تمامًا إلى سركون بولص على حساب صلاح فائق، بينما ظروف الحوار والمقالتين فرضت نفسها عليّ. لا أنكر ما ذكرته سابقًا أن سركون بولص هو الأقرب إلى ذائقتي، ولكني لا بدّ من التأكيد على أن قصائد صلاح فائق تدهشني وتذيقني متعة الشعر الخالص والمتفرد الذي يخلو من العواطف المبتذلة وينحو نحو تخليص الشعر منها والانحياز إلى نقاء الشعر، حيث لا مكان لغير اللغة الشعرية والجملة الشعرية، هذه اللغة التي يصعب- إن لم يكن يستحيل- استعمالها خارج نطاق الشعر:
    لا أحدٌ يعرف، حين أكون في منزل دولفين
    ضيفًا أو لاجئًا، آوي إلى فراشي بملابسي الأنيقة
    ........................
    هبوب رياح معادية ضد غابة نخيل في رأسي،
    ضد تلاميذ حفاة،
    ضد قطيع ثيران تندفع نحو هاوية
    متوهمة وجود ينبوع فيها. "عندما أكون ضيفا في بيت دولفين"
    وإذا وجدنا كلامًا لا ينطبق عليه قولنا، نجده يختمه بجملة شعرية مدهشة لا تمنح مجالاً لعدم الرضا، كما في هذا المقطع من قصيدته "موعدي مع لوتريامون في كركوك":
    بعدهم صادفتُ تاجرًا، اشتهر بأكاذيب كثيرة
    في بعض السواحل، وكان احتال علي.
    طاردته نحو بركان، اختفى.
    في ما بعد علمت ما يلي: أكاذيبه تراتيل أديان
    منذ آلاف الأعوام.
    في العاصمة النيوزلندية "وَلْنِغْتُن" وفي شهر أيلول 1997، التقيت الشاعر صباح خطاب، ومنه استعرتُ كتاب "انفرادات الشعر العراقي" كان الكتاب بالنسبة لي مفرحًا، فمن خلاله استعدت معلومات كثيرة توارت خلف حجاب الذاكرة، وتعلمت الكثير أيضًا، فشهادات الجيل هي وثائق ثقافية وتاريخية لها أهميتها، ومازلت أتذكر تلك الشهادة التي كتبها أحد الشعراء البغداديين عن جماعة كركوك، حيث يقول "كنا نطلق عليهم التركمان، رغم أن غالبية ألقابهم عربية كمؤيد الراوي وأنور الغساني وجليل القيسي" لأن كركوك- وهي عراق مُصغّر كما يؤكد الكثير من مبدعيها ومنهم الراحل الشاعر سركون بولص، ولأنها مثل جميع المدن الحضارية- لا يمكن أن تكون لفئة دون أخرى، فهي أحد الأدلة على تراكم الحضارات والأقوام، كركوك السومرية هي آشورية وآرامية وهي عربخا أيضًا. كانت مصيفًا في العصر العباسيّ، لواحدة من أعرق القبائل العربية في العراق والتي لعبت دورًا في تاريخه قبل الإسلام وبعده، وهي قبيلة بني شيبان، التي منحت العراق والعرب المثنى بن حارثة الشيباني وغيره قبل الإسلام، ولكنها في الإسلام منحت العراق والعرب والمسلمين محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة النعمان، وهو صاحب أول كتاب في اقتصاد السوق في الإسلام، ثم منحت مؤسس المذهب الحنبلي، فالإمام أحمد بن حنبل ينتمي نسبًا لهذه القبيلة.
    بعد سنة 1055 ميلادية حيث احتلال بغداد من قبل السلاجقة، أصبحت كركوك كما غالبية مدن شمال العراق تضجّ بالأقوام التركية التي نزحت من أواسط آسيا، ولكن هذا لم يمنع الآرامية أن تنبضَ فيها، مثلها مثل شقيقتها العربية، لتمنحنا في القرن العشرين ما هو أهمّ من النفط كما أرى، ألا وهم جماعة كركوك التي ينتمي لها الشاعر صلاح فائق، بل يُعدّ أحد أهم أركانها، فنفط كركوك لعنتها ولعنة على العراقيين، بينما جماعة كركوك محط فخر الجميع، فعلى هذه الجماعة يتفق العراقيون، حيث أرومة أفرادها التي تنتمي للطيف العراقي منحها ميزة بل هي البرهان الأكثر إنسانية ووطنية على حقيقة العراق المتنوع مثله مثل جميع بلدان العالم الحضارية، والتي ساهم الجميع في تاريخها الحضاري.
    صلاح فائق من أبٍ تركماني، ولد كما والده في كركوك، وأمٍّ كردية من بِشتاشان، جبال قنديل، تلك المنطقة التي شهدت بعد ولادته بأربعة عقود تقريبًا مجزرة بحق المناضلين الشيوعيين، نتيجة صفقة سياسية مع نظام صدام حسين. ثقافته عربية، وعاش طويلاً في بريطانيا ومن ثم في الفلبين. يؤمن صلاح فائق بأن الانتماء هو ثقافي وجغرافي وليس انتماءً عرقيًّا، فهو عراقي سليل آشور وسومر وجميع حضارات العراق، إن لم تكن حضارات المنطقة.
    أعتقد أنه مع الشاعر حسب الشيخ جعفر، ظلمهما كتاب "انفرادات الشعر العراقي"، فاختيار قصيدة واحدة لصلاح فائق واعتبارها نموذجًا كافيًا لتمثيل تجربته الشعرية، لم يكن منصفًا له، وفيه نوع من الإجحاف بحقّ تجربته الثرية والتي تُعدّ حقًّا تجربة رائدة، ضمن سياقها التاريخي، بينما معظم الشعراء في الكتاب تم وضع عدة قصائد لهم، رغم أن نسبة كبيرة منهم لم يشكلوا علامة فارقة في جيل الستينات، فكيف وصلاح فائق يُشَكّل علامة فارقة بالشعر العربي عمومًا. وعلى الرغم من أنها كانت قصيدة واحدة له، أعدتُ قراءتها مرارًا ووجدت فيها متعة في كل قراءة، مثلها مثل بقية قصائده تقود لبرازخ الدهشة وعوالم غير مألوفة.

    صحيفة العرب اللندنية
    http://www.alarab.co.uk/?id=4889
    [نُشر في 29/09/2013، العدد: 9335، ص(12)]

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 9:02 am