عبود الجابري.. شاعر تفوَّق على نفسه

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عبود الجابري.. شاعر تفوَّق على نفسه

    مُساهمة  Admin في الجمعة مارس 07, 2014 8:00 pm



    عبود الجابري شاعر لا يجلس في المقاهي ولا يرتاد الحانات

    الجابري تجاوز نفسه كثيرا بينما تراجع أغلب رفاقه كما أن قاعدته التراثية منحت شعره قوة ومتانة لغوية.
    العرب باسم فـرات [نُشر في 07/03/2014، العدد: 9492، ص(14)]


    لم أمِلْ يومًا إلى مصطلحات رنانة مثل "أشعر الشعراء" وغيرها من أفعال التفضيل، فهي قتل للإبداع وعلى نقيض الحداثة، لكنني اليوم أقف أمام الشاعر عبود الجابري، أخًا وصديقًا أينع المنفى صداقتنا، هذا الشاعر الذي يعمل عملين في اليوم، ويأخذ العمل منه أكثر من ثلثي يومه، حتى إنني أشك أنه ينام أكثر من أربع ساعات، عبود الجابري الذي لم يقدّم أوراقه للحصول على اللجوء كما فعل أغلبنا، ورابط في عمَّان بعد أن اقترن بزوجته وهي عمانية الولادة فلسطينية الجذور والوعي. شاعر طحنته الحياة وعركته فلم يزدد في الشعر إلاّ تألقًا، بينما أغلبنا استكان إلى دعة المنفى وما يغدقه دافع الضرائب، فلم نجد منهم إلا تراجعًا في إبداعاتهم فكأنهم كانوا شعراء ومبدعين بالمحايثة، أي أن الشعر لم يكتبوه لحاجة روحية ماسة وعليه حين تغيرت حواضنهم الاجتماعية وتركوا بغداد تئن بجراحها خلفهم، حتى بدأت شعلة الإبداع بالانطفاء.
    حين التقيت بالناقد الدكتور حاتم الصكَر، أكّدَ أن الجابري تطور بشكل واضح خلال السنوات القليلة الأخيرة، وأثنى على تجربته، فأبديتُ إعجابي بتجربة الجابري مبديًا رأيي الذي لا أشك أن لمعرفتي الدقيقة بحياة شاعرنا الجابري أثرها، فهذا الإنسان العصامي، الذي لم يتلوث مع أنظمة وسلطات وأحزاب، ولا باستغلال الآخرين والأخريات كما فعل الكثير غيره، شاعر وازن بين سلوكه وانغماسه بحنو على عائلته، وفي ذات الوقت إخلاصه الشديد لمشروعه الشعري والحفر عليه، فهو ليس جليس مقاهٍ وحانات، ولم يعرف الجلوس في البيت ينتظر مخصصات العاطلين عن العمل، عصاميّ جرب اليتم مبكرًا والعمل مبكرًا أيضًا، فأعطى مثلاً للشاعر الحقيقي، فلا يحتاج الشاعر إلى حانات ومقاهٍ وشحاذة تحت مسمى الصعلكة، بل إلى انكباب على مشروعه الشعري والإخلاص له.
    قلة من مسكوا العصا من الوسط، نجاح في الشعر وفي الترجمة والعمل والعائلة والعلاقات الاجتماعية عمومًا مع وعي بالذات وعدم مهادنة، فلم يحاول أحدهم استمالة عبود الجابري لأي عمل سياسي، وهنا يحضرني حين حضرت لعمان في التسعينيات إحدى التنظيمات السياسية العراقية التي كانت في حينها معارضة لنظام صدام حسين، هناك مَن حاول العمل معها بكل وسيلة، بينما لم يتحارش أحدهم بعبود، جاءت تنظيمات أخرى ودخل لعمان الكثير من شعراء وأدباء معظمهم رحل إلى بلدان اللجوء والهجرة، منهم مَن لطّخَ تاريخه بالعمل معها ولكن لا أحد حاول مع الجابري حتى التنظيمات التي تحت غطاء الثقافة، فشخصيته المتزنة تفرض على الجميع تجنب الخوض معه في مسائل مثل هذه، بل ربما يعتقد بعض هؤلاء الفاعلين في السياسة المغطاة بثوب ثقافي أنهم أكثر أهمية منه، لكن بعد مرور أكثر من عشر سنوات على السقوط المدوي، ورغم ظهور فرص كثيرة للعمل حيث الانفجار الكبير بالسياسة والصحافة معًا، ومثلما لم يتمكن أحدهم من مفاتحة الجابري بالعمل معهم كذلك لم تتمكن عمان بكامل قسوتها أن تجعله يحيد عن اتزانه وشموخه المشوب بتواضع يعبر عن شخص ممتلئ وعيًا وثقة بالنفس وحبًّا للآخرين، ويعرف ما يريد.
    أول لقاء لي بعبود الجابري كان في نهاية آذار 1993 في الموصل، هذه المدينة التي أعشق لهجتها وتاريخها، وهي بالمناسبة أول مدينة عربية مازالت محافظة على هويتها العربية منذ استوطنها العرب بعد سقوط نينوى مباشرة 612 قبل الميلاد وحتى الآن، ولم تتمكن جميع جيوش الغزاة بكل أنواعها ومسمياتها من تغيير هويتها العربية. وكنت أنوي مغادرة العراق، وحين أخبرني أحد الأشخاص أن عبود الجابري سوف يغادر العراق، نظرت له وأبديت استغرابي، تساءلت مع نفسي كيف يخبر الناس هذا الأمر، لا أدري ربما كان حذري مبالغًا فيه، وربما سببه كثرة المغيّبين والمعدومين من أهلي وأقاربي. مضت الأيام وفي عمان حين ذهبت لتجديد الإقامة بعد ثلاثة أشهر، رأيت عبود الجابري أو بالأحرى هو مَن رآني، ومنذ ذلك الوقت تعددت لقاءاتنا، فلقاؤنا اليتيم في العراق كان قاعدة لبناء صداقة شعرية وثقافية واجتماعية بالغة النقاء، تتطور وتتعمق مع الزمن، هذا الزمن الذي طالما تكفّل بغربلة العلاقات والإبقاء على الأكثر صدقًا ومتانة متبادلة.
    تمتاز ثقافة عبود الجابري بأنها تراثية– حداثوية، وقاعدته التراثية التي منحت شعره قوة ومتانة لغوية كانت سلبيتها آنية، وهي تأخير نتاجه أن يلحق بالآخرين ممن هم من عمره، ولكن كان المستقبل له وعليهم، أي أنه تجاوز نفسه كثيرًا بينما تراجع أغلب رفاقه، هؤلاء الذين بشروا بموهبة جيدة في الثمانينيات ومطلع التسعينيات، راحوا يتراجعون مع تجاوزهم الثلاثين بسنوات، حتى لم يبق في الساحة ممن ولدوا ما بين تأسيس الجمهورية وسقوط طائرة الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف، إلا عدة أسماء لا تزيد على أصابع اليدين إن لم تكن اليد الواحدة، مازالت تحفر بدقة ودربة وحنكة على مشروعها الشعري مضيفة إلى منجزها السابق منجزًا يعتدّ به ويدعو للدهشة، وإذا كان الشاعر عبود الجابري أحد هؤلاء فهو يتميز عنهم أن عمله لا علاقة له بالصحافة والأدب وإنما هو ممرض جامعي في مستشفى أهلي، وتضطره الظروف- غالبًا وعلى الأرجح دائمًا من أجل توفير لقمة العيش الكريم لأسرته- إلى العمل ست عشرة ساعة يوميًّا، ورغم هذه الظروف التي تستنزف أي شاعر وكاتب مهما حاول- إلاّ إذا كان بقدرة وإصرار عبود الجابري- أن يوازن، بل قلب المعادلة لتكون الأسرة وساعات العمل الطويلة وعدم تمتعه بإجازات حوافز للإبداع وتجاوز الذات، وباعتباري متابعًا جيدًا لما ينجز أستطيع القول إن شعر عبود الجابري في السنوات الأخيرة كان قفزة على منجزه ما قبل سقوط بغداد وبالذات ما قبل عام 2008.
    ليس الشاعر مَن يكتب نصوصًا جيدة وهو في بداياته، حسب الثناء والمدائح التي يتلقاها، لأن الاعتزاز بشاب في مقتبل العمر يطغى على حقيقة الثناء ويفرغه غالبًا من محتواه النقدي، ولكن الحفر عميقًا في التجربة الشعرية والمواصلة وبناء هرم شعريّ هو ما يستحق الثناء، ولم يكن القول المأثور عن ت س إليوت "الشاعر بعد سن الأربعين" كلامًا عابرًا واعتباطيًّا، بل لأن نسبة كبيرة ممن يكتبون الشعر يتساقطون إبداعيًّا بعد سن الثلاثين، ولا يتجاوز نفسه بعد سن الأربعين إلاّ قلة القلة منهم، وهذا ما يمنح عبود الجابري ميزة استحقاق الثناء والدعوة للاحتفاء بتجربته الشعرية. وقبل أن أنهي المقال لا بدّ من الإشارة إلى أن قدرة عبود الجابري في ترجمة الشعر لا تقل عن قدرته في كتابته، فهو شاعر مميز ومترجم ممتاز يمنح النص المترجم روحية إبداعية تخفف كثيرًا من خيانته، أَوَلَيس ترجمة الشعر خيانة في بعض وجوهها؟.

    جريدة العرب اللندنية
    العرب باسم فـرات [نُشر في 07/03/2014، العدد: 9492، ص(14)]
    http://alarab.co.uk/m/?id=17043

    http://www.alarabonline.org/?id=17043

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 9:01 am