بين بغداد وكيتو

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    بين بغداد وكيتو

    مُساهمة  Admin في الجمعة مارس 07, 2014 8:06 pm


    بعدما كانت بغداد عاصمة الدنيا ورمز التطور اصبحت تصنف الاسوا في العالم، وكيتو عاصمة الأكوادور تنبض بالحياة والجمال في كل مكان.

    العرب باسم فرات [نُشر في 26/09/2013، العدد: 9332، ص(14)]

    اليوم الخميس السادس من ديسمبر- كانون الأول 2012 العيد السنوي لعاصمة الأكوادور كيتو، وهو عطلة رسمية، الناس هنا يرقصون ويمرحون حتى تشعر أن فرحتهم أكبر من فرحنا بأعيادنا دينيةً كانت أو غير دينية. ومنذ أسبوع تقريبًا صدر قرار من أمانة العاصمة يمنع المطاعم والمقاهي من بيع الخمور، وقد رأيت أكثر من مطعم أغلق، وقرار الغلق هنا يذكرني بقانون الإفطار، حيث لا ترفع العقوبة إلا بعد انتهاء شهر رمضان. الفرق الموسيقية تملأ المتنزهات وما أكثر متنزهات وحدائق كيتو.

    أنظر إلى المدينة من شرفتي متذكرًا بغداد التي كانت يومًا ما عاصمة الدنيا، بغداد التي شغفت بها حين كنت أزورها طفلاً تقوده جدته العجوز فلم أكن أشعر بشيء فيها سوى الدهشة، حيث التنوع في كل شيء، فبينما نحن ملزمون في كربلاء بنوع واحد ولون واحد وتشترك النسوة جميعًا بالعباءة السوداء، كانت بغداد لذلك الطفل الذي داهمه البلوغ مبكرًا وهو في الابتدائية، فيلمًا سينمائيًّا يُسمرني أمامه طوال تواجدي في شوارعها ولم تنْـزوِ بعيدًا هذه الدهشة حتى بعد زيارتي لبغداد على إثر فراق دام ثماني عشرة سنة و30 يومًا، ورؤيتي لوقائع غبار الدهر وقد غزا رأسها ووجهها.

    وكانت قراءاتي المبكرة للتراث قادتني إلى ما كانت تحفل به المدينة في زَمنٍ ما، والآن بدأت مدن العالم الأخرى تفخر به وتتباهى، وأعني التنوع الثقافي الذي ينبع ويصب في ثقافة المدينة الأم، وكثرة الحدائق والتفنن في تصميمها، حتى إن الأغاني التراثية التي تتحدث عن الورد والرياحين، ما هي إلا صدى لذلك العصر الذهبي الذي صارت "شَدّة الورد" فيه رمزًا للثقافة وكان مردود ضريبة بيع الزهور يأتي إلى خزينة الخليفة فَينعشها.

    ولكن أين هي بغداد اليوم والتي صُنفت كأسوإ مدينة في العالم، من بغداد ماضيها العجيب حتى إن المرء ليحار هل كانت كتب التاريخ كاذبة، كيف لعاصمة من عواصم "جمهوريات الموز" تحوي مئات الحدائق والمتنزهات ونفوسها ثلث نفوس بغداد بل وأقل، بعض متنزهاتها مساحاتها تزيد على مليون متر مربع، وعشرات المتنزهات مساحة كل متنزه فيها يزيد على عشرة آلاف متر مربع، وأعني بها مدينة كيتو التي أسكنها منذ أكثر من عام.

    في الشارع الرئيسي الذي أقطن فيه وهو على اسم باني الأكوادور الحديثة أَلوي ألفارو، ويعد أحد أطول الطرق في العاصمة، حين أدخله من تقاطعه مع شارع السادس من كانون الأول (وهو يوم مدينة كيتو السنوي) تواجهني حتى وصولي إلى البيت مجموعة حدائق ومتنزهات رغم أن الطريق لا يستغرق أكثر من ثلث ساعة مشيًا على الأقدام، ولكل متنزه تصميمه المختلف وتسميته، وأقرب المتنزهات إلى محل سكني هو متنزه تشيلي، حيث التماثيل لشخصيات تشيلي تملأ المكان، يتصدرها تمثال الشاعر بابلو نيرودا شامخًا، في إشارة إلى أن البلدان والمجتمعات تحتفي بمبدعيها وإن أحبت أن تكرم بلدًا أو أمة فهي تُكرّم مبدعي ذلك البلد أو الأمة.

    لم أر في أكثر أحياء كيتو فقرًا وتهميشًا ما رأيته في منطقة البتاوين في بغداد، من أوساخ ومزابل وشوارع منهكة وأرصفة زحف إليها الماء الآسن وملأت أجواءها الروائح الكريهة، كدت أبكي وأنا أتمشى في البتاوين وأتساءل: هل هذه عاصمة البلاد التي كان مؤسسها نبيهًا حين جعلها وسط البلاد وسُرّتها؟.

    جريدة العرب اللندنية
    http://www.alarab.co.uk/?id=4672

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:47 am