ليما مدينة الملوك بلا مطر

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    ليما مدينة الملوك بلا مطر

    مُساهمة  Admin في السبت أبريل 05, 2014 8:42 pm


    ليما عاصمة البيرو لا تعرف المطر، ولا تعنيها الثلوج والأعاصير والبرق والرعد بشيءٍ، صحراء على شفة محيط، ومحيط يتأهب لعناقها، ثمة أنهار تحاول أن تقترب منها، هو غزل يشبه غزلي وأنا طفل بفتاة كربلائية، كانت فتنتها تذهلني بل حركت فيّ ما لا يجوز لطفل أن يعرفه ويتحرك فيه، فتاة ضاعت في زحام السنين والمنافي، وبقي لون شعرها العسلي الطويل حتى أعلى الركبتين قليلاً في يدي، أتحسسها كلما هزني الحنين لوطن أخشى أن يتلاشى، مرة قلت لها "كنتِ حلمًا فأصبحتِ ذكرى" غضبت مني ولم تعد.
    ليما تشبه بغداد، لكن بلا تفجيرات ومفخخات وسيطرات لا حصر لها، فحين دخلت المدينة كانت بيوتها تقول لي انظر كم أشبه بغدادك التي لا تغادر أنفاسك، بيوتها وحدائق البيوت، لكن الحدائق العامة أكثر، والمتاحف أيضًا، والحريات الشخصية أوسع، وليما فيها شبه من دمشق أيضًا، فهي بلا تلال وجبال كعمان ولكن جبالها ليست بعيدة عنها، أي أنها محصورة بين جبال ومحيط، حين نظرت لجبالها البعيدة تذكرتُ قاسيون، لكن قاسيون نأى كثيرًا عن البحر أو ربما العكس. قِلَّة من النساء مَن لا يرتدين السروال القصير والذي هو عادة أقصر من عمر وردة، والقميص بلا أكمام ويبرز الكتفين مع منطقتي الصدر والظهر. في ليما التي آثار العمارة العربية واضحة في معالمها، تم الحفاظ على المدينة القديمة، ويطلق عليها المدينة التاريخية (الترجمة حرفيًّا من الإنجليزية) لكن هذه المدينة جد صغيرة؛ قياسًا بالمدينة القديمة لكيتو عاصمة الأكوادور التي أسكنها منذ عام 2011.
    كاتدرائية ليما
    زرتها صباحًا وتقع في الساحة الرئيسية، وهي أول كنيسة بُنيتْ في ليما، وذلك في عام 1540 ميلادية، أي بعد بناء ليما بخمس سنوات، وفي عام 1551 قاموا بتوسيعها، ثم توسيعها مرة أخرى في عام 1622 وهي المرة الأخيرة، ومن مميزاتها تنوُّع العمارة فيها في كل جزء منها مثلاً، عمارة عصر النهضة والعمارة الباروكية والقوطية الإليزابيثية.
    أول قتيل لأول انقلاب في أمريكا الجنوبية
    فرانسيسكو بيزارو (1475 – 1541) هو أحد مؤسسي ليما في عام 1535، وقبره في الكاتدرائية، حيث قُتل في أول انقلاب في أمريكا الجنوبية، وخشية من أن يقوم الانقلابيون بقطع رأسه ووضعه في الميدان العام، دفنوه في ذات اليوم، ليتم اكتشاف جثمانه النهائي في عام 1977 بعد سلسلة اكتشافات خاطئة نتيجة عمليات توسيع الكاتدرائية، وفي إحدى هذه المرات وجدوا رفات قسيس ظنوه فرانسيسكو بيزارو.
    وكان فرانسيسكو بيزارو حاكمًا على جنوب بنما. ذهب إلى كولومبيا ثم واصل إلى جنوب الأكوادور، ليذهب إلى إسبانيا للحصول على موافقة من الملك للذهاب جنوبًا حيث لم يكن يشعر مَن معه بسعادة لتطلعاته، فكان لا بدّ من الحصول على قرار من الملك ليكونوا تحت الأمر الواقع، فتم منحه قوة أكبر من منافسه، فذهب إلى البيرو في قارب يضم 180 رجلاً، ثم تبعه قاربان، وحين رأى الحسد متجسدًا في الأخير وضعه تحت المراقبة، لكنه لم ينجُ من الانقلاب الذي حدث، لأن قادة الانقلاب ظنوا أن فرانسيسكو بيزارو سوف يقتلهم، فتغدوا به قبل أن يكونوا عشاءه. بعد ذلك شاهدت عملية تغيير الحرس الجمهوري، ليكون متحف قصر رئيس الأساقفة محطتي، حيث الأثاث والريازة العربية التي تذكرني ببيئتي الأولى، ثم زرتُ كنيسة أخرى وهي كنيسة القديس دومينغو، وفيها شاهدتُ- كما في غيرها- المؤثرات العربية في عمارتها، ولوحة تمثل ابنة ملك طليطلة التي ساعدت الجنود المسيحيين. وهذه الكنيسة كما بقية الكناس تحوي رفات الآلاف، ثم جعلت التسوّق وجهتي فتجولت في أسواقها.
    في اليوم التالي زرت المتحف الوطني، وهو كتل خرسانية (كونكريتية) لم يتم إخفاء رماديته، وفيه تعرفت على حضارة البيرو، ومن خلال الخزف والفخاريات ومراحلها التاريخية- وبعضها كما في الأكوادور والعراق ومصر وغيرها من البلدان- تشعر بحرفيتها العالية وكأنها صُنّعَتْ في العصر الحديث، ثم شاهدت بالصور والتعريفات معرضًا لحركة الدرب المضيء "سَندَرو لومينوسو" والغوريلا؛ حسب التسمية الحكومية، وكان المعرض يتصف بالمصداقية حيث تَعرَّضَ إلى تجاوزات الحكومة أيضًا، بل تحدث المعرض عن عمليات قتل عشوائي ارتكبتها الحكومة كان من الممكن تفاديها. ثم اتجهتُ على وجه السرعة إلى متحف ليما، لأحضر عرضًا بالصور التوضيحية لتطور ليما وهجرة الأرياف والمدن والبلدات الأخرى إليها منذ الأربعينيات، وكان مصمم الصور والوسائل الإيضاحية- وهو أستاذ جامعي يحمل درجة الأستاذية وكان كتابه وهو دراسة عن تطور ليما ونموها السكاني معه- كان رجلاً كبيرًا في السن، نذر نفسه لمدينته، وكم تمنيت لو أن لدينا مثلها في كل مدينة من مدننا ليرصد ظاهرة نموها السكاني وخلفياتهم البيئية والثقافية. وكان المتحف مدهشًا بطرق وسائله الإيضاحية، مغطيًّا تاريخ ليما منذ تأسيسها وحتى الوقت الراهن.
    متحف الكاتب ريكاردو بالما
    كان بيت الكاتب البيروي ريكاردو بالما (7 شباط 1833 – 6 تشرين الأول 1919) الذي قرر منذ سِنّ مبكرة أن يصبح كاتبًا، يحيلني لبيوتنا العربية، هو بيت أشبه ما يكون ببيوت أغنياء العراق وسورية، هذا الكاتب الذي عمل ما بين عامي 1852– 1860 في الجيش محاسبًا، ثم دخل معترك السياسة فعانى النفي في تشيلي ما بين عامي 1860- 1862 ميلادية، وفي 1864 – 1865 سافر إلى أوربا والبرازيل والولايات المتحدة الأمريكية، وعاد للبيرو ليصبح سكرتيرًا للرئيس، وسياسيًّا، ومن ثم سناتورًا، ليتزوج في عام 1876 وليثمر زواجه عن عائلة كبيرة.
    وحين غزت تشيلي البيرو في حرب المحيط الهادئ (1879-1883) حطمت القوات الغازية بيته. ولأن القوات التشيلية قامت بسرقة أعداد كبيرة من الكتب وتدمير المكتبة الوطنية، فإن كاتبنا الذي تسلم إدارة المكتبة الوطنية ركّزَ جهوده على إعادة بناء المكتبة الوطنية. شاعر، صحفي، لغوي، مؤرخ، محاسب، بحّار، كتب الكثير من الكتب عن العادات والتقاليد والحياة الاستعمارية، مما يجعل كتبه تعد وثائق لما كانت عليه البيرو قبله وخلال حياته، مما جعله أهم كاتب في البيرو قبل القرن العشرين. وهذا البيت الذي سكنه الكاتب في فترة ما أصبح مدرسة حكومية ومن ثم في عام 1959 أصبح متحفًا، وساهم الناس في التبرع لهذا البيت– المتحف، ليضربوا مثلاً بالوفاء لوطنهم ولكاتب وَثَّقَ تاريخهم الثقافي، وكانت الكلمات التي استحدثها البيرويون قد أدخلها ضمن اللغة الإسبانية واعتمدت من قبل الأكاديمية الملكية الإسبانية في مدريد.
    أهرامات ليما
    بعد خروجي من المتحف تجوَّلتُ في محلات بيع الفضيّات التي تشتهر بها البيرو، فهي بلد تلعب الفضة دورها في حياتهم ومعظم هداياهم، وخصوصًا في الأعراس، حيث المواد المصنعة من الفضة كالملاعق والصحون والمزهريات والمباخر وإلخ، ثم تناولت غدائي ووصلت إلى أهرامات ليما بعد سؤال المارة، وبعد دفع الرسوم انتظرت حتى جاءت المرشدة التي كانت لغتها الإنجليزية جيدة ومع ذلك لم تنج من تعليقات بعض أفراد المجموعة التي لم يكن فيها سوى واحدة كانت الإنجليزية هي لغتها الأم، وهي كانت أكثر إنصاتًا لها من الآخرين، وهذه حالة مستهجنة؛ حيث لمست مرارًا أن الناطقين بالإنجليزية كلغة ثانية يستهزئ بعضهم ببعض، كما أنهم أقلّ احترامًا لعقائد الآخرين، وهذا لا يعني أن الناطقين بالإنجليزية كلغة أولى تخلو منهم هذه الحالات ولكنها قليلة وهم عادة لا يظهرونها. عمر الأهرامات ومنطقة الآثار 1600 سنة، كانت منطقة واسعة ولكن تحول ثلثاها إلى بيوت وعمارات، والثلث الأخير تم الحفاظ عليه والعمل يجري فيه بشكل مستمر، لا يختلف آجرّه (طابوقه) عن آجرّنا العراقي بشيء تقريبًا.
    لم تستخدم المنطقة كمدافن من قبل السكان الأصليين الذين كانوا يعبدون إله البحر، ولكن جماعة تالية جاءت بعدهم لتحول الأهرامات إلى مدافن، وقد سكنتها مجتمعات الليما والواري والياشما، وكان الياشماويون يقتلون الضفادع ويقدموها قرابين للآلهة، وبعد أن ترك الواريون المنطقة جاء السكان المحليون وهدموا القبور. وهذه الأهرامات- رغم مساحتها الواسعة نسبيًّا- تُعَدُّ صغيرة قياسًا بأهرامات الجيزة.
    ختمت رحلتي بزيارة متحف "أمانو" وهو متحف أسسه ياباني ومازالت أسرته بعد وفاته تقوم بإدارته، تقف أمام جهود هذا الرجل شاكرًا له صنيعة لما قدمه، ليس للبيرو فقط، بل للعالم، متحف وجدت ضمن مقتنياته تمثالاً يمثل عربيَّا، إضافة إلى تماثيل لأعراق شتى تدل على علاقات تجارية لسكان المنطقة منذ القدم مع العالم، جعلني هذا التمثال أتساءل: كم نحتاج من جهود لكشف حقيقة العلاقات التجارية القديمة والتي سبقت دخول الأوربيين للعالم الجديد؟.

    جريدة الشرق القطرية، الملحق الثقافي. الأحد 6 نيسان 2014 . العدد 23 السنة الأولى. في الصفحتين 14 و15
    http://media.al-sharq.com/portalfiles/pdfissue/CUL_20140406.pdf

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:54 am