إبراهيم حِسو: شعرية الحضور والغياب والخسارات في "أشهق بأسلافي وأبتسم"

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 484
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    إبراهيم حِسو: شعرية الحضور والغياب والخسارات في "أشهق بأسلافي وأبتسم"

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 09, 2014 1:52 am



    جريدة العرب اللندنية
    14/07/2014، العدد: 9619، ص(14)

    “أشهق بأسلافي وأبتسم”، مجموعة شعرية جديدة، للشاعر العراقي باسم فرات، صدرت حديثا عن دار “الحضارة للنشر”، وهي مجموعة يشيّد فيها فرات عالما مختلفا يذهب إلى التجديد والحفر في مناطق ومناخات جديدة بروح عارفة تضخ في الشعر العربي نفسا جديدا ملؤه إيحائية شائكة.
    يحيط الشاعر العراقي باسم فرات في كتابه الشعري الجديد “أشهق بأسلافي وأبتسم” بموضوع التنقيب في المدلولات اللفظية للجملة الواحدة وذلك في المجموعات البلاغية والصورية، والاشتغال على ما تتقلده الكلمة الواحدة من مدلولات كثيرة أو ما تحمله الدلالة في كلمة واحدة عبر الجسور التعبيرية المتعارف عليها، وعبر الهندسة التركيبية اللغوية الأخاذة من حيث الإنجاز، “الكلمة”، وصياغة الأسلوب الطيع لتشييد الفكرة وإكسائها وتوظيف كل ما يخدم المفردة ورمزيتها ومعانيها المتعددة والمختلفة وإيجاد قواسم صوتية بين المفردات نفسها.

    قصيدة الذهن

    في نص “أشهق بأسلافي وأبتسم” مدلولات متنوعة ومدهشة وغرائبية كما هي رحلات الشاعر في أصقاع العالم وجولاته المستمرة خلف البحار وقدام السهول والجبال في أميركا اللاتينية حيث استقراره وملجأه الشعريين. مدلولات المكان والجغرافيا والتضاريس التي ربما لا تظهر تفاصيلها إلا نادرا في النصوص الطويلة بعض الشيء.
    بينما مدلولات الصفات والعلامات والإشارات والعناصر المركبة للفظة الواحدة واللفظة المتشعبة ومدلولات المعرفة وملحقاتها والخطاب وجدلية الظاهر والمتجلي التي تمنح وتنتج المعنى وتولده، كل تلك المدلولات هي في الأساس أدوات تعبيرية ومعرفية ينتهجها باسم فرات لبلوغ مقصد واحد ومشروع واحد هو قصيدة “الذهن”، التي قد تقلد الشعر معرفة حسية، “مناجاة الأنثى ومخاطبتها ذهنيا”.
    هذا المشروع المؤجل دائما منذ تعرف الشعر العربي والعراقي بشكل خاص على القصيدة التركيبية أو ما تسمى أيضا السيمائية، لكن في نص “أشهق بأسلافي وأبتسم” نحن أمام الأنا التي تظل تبحث عن “هي”، عن الأنثى البعيدة القريبة، عن حضورها وغيابها، عن تاريخ تذكرها وميلاد نسيانها، عن زمن ومكان وجودها على طول وعرض القصائد، نحن أمام أوراق ومستندات مختفية خاصة، أوراق ضائعة أو تالفة يعرضها الشاعر على الملإ في شكل رسائل وبكائيات أو “تقرّبات” إن صحت التسمية، يلجأ الشاعر إلى الحضور والخفاء في اللحظة التي تستوضح صورة أنثاه فيحصل القارئ على كلمة السر ومفتاح الدخول إلى منابع وكنوز الشاعر.

    قصور نقدي

    ربما لدخول عوالم باسم فرات هناك ضريبة غالية فالذي لا يملك المفاتيح وكلمة السر يصعب عليه التقرب أكثر من تفاصيل مشروع هذا الشاعر التجريبي، الذي طالما تأجل أو تأخر أو انتكس لفترات تباعد فيها الشاعر عن النشر والطباعة لظروف طارئة ربما، أو لخيبة أمل أو انكسار روحي أو قصور نقدي في تجربته الشعرية.
    هذا القصور النقدي الذي ظلم تجارب شعرية أخرى ظهرت مع تجربة فرات ولم تحظ بذلك الدعم النقدي إلا في بعض الكتابات الصحفية الهزيلة التي لم تحمل رؤى ومعالم الشاعر الحقيقية، بل كانت أغلب تلك الإحاطات النقدية “الصحفية” مصافحة عن بعد للقصيدة دون لمس أغوارها.
    لبس القول
    يكتب باسم فرات نصه برغبة عارمة في طرح كل أفكاره ورؤاه دفعة واحدة وبطريقة واحدة ولكن بمفاهيم جديدة وملتبسة بعض الشيء، لبس في القول الشعري ومدى قبول القارئ بكل ما يطرحه الشاعر من أطروحات ذوقية لفهم وتذوق الجمال من نافذة نص هو في المحصلة نص موجه إلى الآخر، وإلى الأنثى التي تحرك كل شيء أو توقفه.
    يبقى هناك استفهام آخر هو في شكل التعامل مع حركة الصور وشفافيتها أو دهشتها العينية، وإن كان ثمة بعض الغموض الذي هو نتاج طبيعي لتراكم خبرات وأطروحات ذوقية وجمالية وفنية ولدت مع تعارض وتباين مفاهيم مقترحة، وبتعددية القراءة وإعادتها ذهنيا.
    ومع هذا ترتب عن هذه الحنكة الشعرية منطق جديد في التعامل مع الصورة وسيطرة “العين” السينمائية على اللون والتشكيل والأبعاد البصرية للأشياء، “الموجودات ولواحقها الحاضرة”، والإنسان “بيئة الشاعر ومقترحاته الحياتية”، وأيضا مدلولات اللغة التشكيلية الناقلة أو المتنقلة والتي فطرت جنسا من إشكالية اللون والاتصال أو السلوك البصري.

    الإيحائية الشائكة

    في موقع آخر من “أشهق بأسلافي وأبتسم” نعثر على بعض المدلولات التي لا ثمن لها شعريا، فهي لا تفي بأيّ غرض إمتاعي أو إدهاشي وإن كانت مدلولات لا بدّ منها، كإرضاء شخصي داخلي يرجع بالطائل المعنوي للشاعر أو ربما تكون برهانا أو حذقا أحب الشاعر إظهاره والتباهي به، لكن ينظر إليها كشأن نفسي، قد يجد الشاعر موافقة عليها لكونه لا يريد إضمار “خبثه” الشعري ومكره الجمالي وحرفيته في جمع المتناقضات والمتضادات دفعة واحدة، واللعب على التكرار والترداد مثلا أو الاسترسال المسلي الذي يمتحن صبر قارئه.
    ربما في قصائده القصيرة قد نعثر على ذاكرة مشغولة بالصورة التي تتتابع وتتلاقى لتصوغ بؤرا معرفية ورموزا متحركة يجيدها الشاعر جيدا. إنها حرفته ومهارته، هناك غزارة في قول الشعر بالصورة الإيحائية الشائكة والمتمرسة، وكل ذلك في سياق واحد ونسق هندسي بذل الشاعر جهدا في توضيبه وترتيبه منذ انطلاقته الأولى.
    http://www.alarabonline.org/?id=27845

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد فبراير 25, 2018 2:24 pm