شاعر يصعد ويسنده عطر امرأة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    شاعر يصعد ويسنده عطر امرأة

    مُساهمة  Admin في الجمعة نوفمبر 21, 2014 5:45 am


    عن عمر ناهز ثلاثة وثمانين عاما، فقد الشعر اسما من اسمائه العالمية وهو الأرجنتيني خوان خيلمان صاحب ديوان "الكمان ومسائل أخرى" الذي توفي في منفاه بالعاصمة المكسيكية يوم الثلاثاء الماضي، بعد حياة مليئة بالشعر والمنفى وما بينهما من ألم وحبّ ووعي سياسيّ.

    خوان خيلمان (بوينس آيريس 1930– 14 كانون الثاني 2014) الشاعر الأرجنتيني الأهم، شاعر مدهش حقًّا، لم أقترب منه ربما لرهبة الشعر والوقوف أمام ملكوت الإبداع، شَعره الثلجيّ الطويل يضفي وقارًا عليه.
    كان نجم المكان بلا منازع، مئات الصور الفوتوغرافية التقطت له ومعه، إضافة إلى المتحرك (الفيديو)، مُنح وسام الثقافة الأكوادورية، كما استلم هدية، نيابة عن الشعراء المشاركين، هي عبارة عن سجادة صغيرة حياكة يدوية من كوينكا، كانت تحفة فنية بحق، ومن خلال الإهداء عرفت أن كوينكا المدينة الأحب إليّ في الأكوادور، تمتاز بهذه الصناعة الشعبية التراثية.

    خوان خيلمان، مواطن بورخيس والمدافع عنه، بقوله "أعمال بورخيس في رأيي لا مثيل لها رغم أن شعره لا يعجبني.. لا شىء يُهضم من أفكار بورخيس، علينا استيعابه فحسب"، قد عانى من اختفاء ابنه وزوجة الابن بحثًا عن الحفيدة التي خُطفت عند ولادتها، ليلتقيها بعد 23 سنة.

    أعدت طاولة خاصة له ليجلس ويقرأ شِعره، وحين أسندته عريفة الحفل عَلَّقَ مبتسمًا، ولكن أقرب للجدية منها للمزاح لمن لا يعرفه، "من المفيد أن تكون عجوزًا لكي تسندك أمرأة جميلة، هي تتبرع لتكون معك في ما يشبه العناق" وكانت عريفة الحفل شهية حقًّا بملامحها العربية المعجونة بالتزاوج الأيبيري الأمازيغي الآرامي مع السكان الأصليين، فمما لا أشك فيه لحظة، هو أن أعدادًا من آراميّي منطقة الهلال الخصيب الكبرى قد نزحوا للأندلس، ومنها بعد قرون إلى العالم الجديد.

    كانت قراءته قد استغرقت وقتًا أطول من بقية الشعراء، ولِمَ لا فهو خوان خيلمان، وهو نجم المهرجان الأول، شاعر يحملك إلى عوالم الشعر حتى وأنتَ تجهل لغته كما حدث معي، ألم يكن هو نفسه يجهل قصائد الشاعر الروسي بوشكين حين كان يترنم أخوه بها وكان الأخير مجنونًا بالشعر؟! وإذا كانت موسيقى قصائد شاعر روسيا الأكبر قد جذبته فإن وقار وهيبة شاعر الأرجنتين الأكبر قد جعلتني أراقبه متأملاً شاعرًا لم يتربع على عرش الشعر الأرجنتيني لولا إخلاصه الكبير للشعر.

    لقد دفع الكثير لمواقفه مع ثوار بلده ضد حكم العسكر، ولا أود الخوض في مأساته بقدر ما أود التنبيه على أهمية موقف الشاعر والذي يجب أن ينحاز فيه ليس للهوية الضيقة (مذهب، قومية، اثنية، عقيدة.. إلخ) بل الوقوف مع الجمال والوطن ككل وهو ما تفتقر إليه ثقافتنا العربية مع الأسف، فخيمان الذي انتمى للأرجنتين ولم ينتم لطائفته الدينية اليهودية المختلفة عن الغالبية العظمى لعقيدة أهل وطنه المسيحية الكاثوليكية، وكان ابنًا بارًّا للغة الرسمية في الأرجنتين وهي الإسبانية ولم يتعصب لجذوره الأوكرانية، كان أرجنتينيًّا متطلعًا لحياة كريمة لوطنه وشعبه.

    كنتُ أتأمل هذا الشاعر الكبير وصور شعراء بلدي العراق وبقية البلدان الناطقة بالعربية أمامي بل وجميع مثقفي المنطقة وكيف انغمسوا بالطائفية والهويات الضيّقَة ومالئوا الأنظمة أو الأحزاب.

    فاز خيلمان بالعديد من الجوائز منها جائزة خوان رولفو، وبابلو نيرودا، والملكة صوفيا للشعر المكتوب بالإسبانية، وجائزة ثربانتس، نوبل الأدب الإسبانى. وكان يكتب عمودًا أسبوعيًّا فى "دياريو أرخينتينو" الصفحة 12. وقبل فترة كرمته بلاده بمنحه وسامًا شَرَفيًّا، فهو الذي جرب النفي واللجوء السياسي لأكثر من عقد من السنوات.

    هذا الأسبوع، مات خوان خيلمان صاحب الشَّعر المهيب الذي تحدث عنه في تلك الأمسية الكيتوية الحزيرانية، ومازال صوته يهجسني كما هي طلّة تلك الفاتنة عريفة الحفل وهي تتأبطه غير عاشقة وإنما لتساعده على شيخوخته متجاهلة أن قلب الشاعر لا يشيخ وأن عطر امرأة جميلة قد يطيح به حتى لو بلغ المائة وربما حتى لو داهمه الموت.

    17/01/2014، العدد: 9441، ص(14)]
    http://www.alarab.co.uk/?id=13057

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:42 am