البصرة عبق المربد وطيبة الأهل

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    البصرة عبق المربد وطيبة الأهل

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 23, 2014 12:33 am


    قبل ساعات ختمت رحلة للعراق وعَمّان (الأردن)، حيث كان مهرجان المربد احتفالية شعرية تحفل بالأصدقاء والمحبة، وبالرغم من أن هذه الفعالية المهمة تحتاج إلى تشذيب وتفعيل مقترحات محبي البصرة ومربدها، كي تتجاوز اللجنة المنظمة لهذه الفعالية السلبيات الكثيرة التي تمنح الفرصة للآخرين كي يغمطوا مكانتها. لكن هذا لا يعني تجاهل دور القائمين على أشهر فعالية شعرية في العراق، لها روابط تاريخية بماضي البصرة قبل قرون سحيقة. البصرة التي ما أنجبته للغة العربية قبل أكثر من ألف سنة على الحرب العالمية الأولى، لم تتمكن الكثير من المدن والبلدان والشعوب والأمم واللغات أن تنجز مثله حتى تسعين سنة خلت، بل ثمة لغات لم تُنجز جزءًا يسيرًا من منجز هذه المدينة التدويني حتى منتصف القرن العشرين.
    البصرة بقدر انتمائها للعراق، مفتوحة على امتداد الخليج وصولاً للهند، اعتصرت رحيق حضارات عديدة، لكن المفارقة أن البصرة التدوينية لم تتعلم من حضارات تدوينية خارج العراق، فعلاقتها التدوينية كانت بالعمق العراقي، عكس مطبخها الذي يعبق بمؤثرات خارجية. حضارات فارس والهند ليست تدوينية كما كان العمق العراقي سومريًّا وأكديًّا وآراميًّا؛ ومن ثم استمدت من الحيرة الأبجدية العربية، وباللهجة الحيرية التي عُمّمَت على اللسان العربي التدويني، أبدعت البصرة إبداعًا لا يقلّ عن عبقرية أمّها الحيرة وشقيقتها الكوفة ومن ثم بغداد لاحقًا.
    أنا في بيتي إذًا، وكما أردّد دائمًا: قدم في العالم العربي وأخرى في إفريقية، أسترجع أيام المربد الأربعة خصوصًا وأيام رحلتي عمومًا. لكني سأركّز على المربد وعلاقتي بالبصرة، هذه المدينة التي قرأت عنها الكثير، وقبل أن أقرأ في كتاب مدرسي في المرحلة الابتدائية (الأساس) أنها من أجمل مشاتي العالم. وكان لقائي بها عبر مبدعيها مؤسسي النهضة العربية الكبرى في القرن السابع الميلادي، ثم رواد الشعر الحديث وغيرهم، ثم توالت أخبارها عبر أبناء مدينتي من أقارب وأصدقاء وجيران، ممن زرعوا زهرة شبابهم في حرب الثماني سنوات، في جبهتها الملتهبة على امتداد أغلب عقد الثمانينات.
    نحن أبناء مدينة تتوسط الفرات والصحراء. بينما البصرة تتوسط الماء، هي مدينة مائية بامتياز، وعليه كنت أسمع تذمر هؤلاء الجنود من رطوبتها العالية حسب تعبيرهم، لكنهم يثنون على طيبة أهلها، وثراء المدينة، وإن كان بعضهم يجهل ما تعنيه جملة "ثراء المدينة" لكن الحديث بإعجاب عن حياة تختلف عمّا عليه مدينة دينية صغيرة مغلقة، بينما البصرة منفتحة على أنهار وبحر وصحراء وليست بعيدة عن امتدادها شرقًا، والذي فرضته السياسة فصارت ثمة حدود تفصلها مؤخرًا عن الجبال التي هي حدودها التاريخية.
    لم أزر البصرة قبل مغادرتي العراق في ربيع 1993، لكن بعد عودتي في عام 2011 إثر غياب عن البلاد دام 6599 يومًا، جاءتني دعوة من اتحاد أدباء البصرة، عبر الشاعر حبيب السامر، الذي بقي على تواصل معي حتى وصولي للبصرة، حيث كان باستقبالي واستضافني ببيته، بينما استضافني الشاعر جبار الوائلي في الليلة الأخيرة. كانت رحلتي من مدينة كربلاء إلى البصرة، مليئة بالجديد، فحين وصلت مرآب كربلاء المركزي، وفي أثناء جلوسي على مقعدي في السيارة بانتظار أن تمتلئ بالعدد المطلوب كي ننطلق إلى البصرة، جاءت عائلة من أربعة أشخاص، بينما سيارتنا بحاجة إلى ثلاثة، فتبرعت بالنزول من السيارة كي أفسح مجالاً للعائلة، وتوجهت للسيارة التي خلفها، لكنها تأخرت كثيرًا، وهذا ما دعا الصديق حبيب السامر أن يكرر اتصالاته طوال الطريق، حتى إن المسافرين معي انتبهوا للأمر. هي حميمية عُرِفَ بها أهل البصرة.
    كانت أصبوحتي من أجمل الفعاليات الشعرية التي أحييتها، قاعة مليئة بمبدعين، ينصتون بخشوع، كنتُ أقرأ وأتأمل محمود عبد الوهاب وكاظم الحجاج وطالب عبد العزيز الذي كان قد عاد من رحلة إلى سورية قبل ليلة، وربما ساعات تعدّ على أصابع اليدين، ومع ذلك تكلم عن تجربتي الشعرية المتواضعة بمحبة زادتني دهشة أمام هذه المدينة التي مازالت تقبض على جمرة الإبداع. وحين انتهيت جاءني الشاعر كاظم الحجاج وسلّمَ عليّ، قلت له إن إنصاتك والكبير محمود عبد الوهاب أربكني، فكان جوابه أكثر كرمًا ودفئًا وإحراجًا.
    كثيرون هم الذين لمست محبتهم في البصرة، كريم جخيور، عبد السادة البصري، هيثم جبار، جبار الوائلي، أبو عراق (علي سرحان) الذي لم يكتف بدعوتي في مطعم فأعد وليمة في بيته تثبت أن لا كرم يفوق الكرم العربي، لكن ميزة أهل البصرة يولمون طيبتهم مع الوليمة فتكون نكهتها بصرية بامتياز. حتى الراحل الكبير محمود عبد الوهاب، وبالرغم من شيخوخته، لكنه كَبَصْريّ يعلم أن جميع أمراض الشيخوخة تخجل من مائدة أعدتها الطيبة البصرية.
    لم استغرب حين عرض عليّ الصديق القاص رمزي حسن القراءة في الأمسية الختامية، فقراءتي الأصلية كانت فيها حسب المنهاج، ولكني غيرتها كي أقرأ في السفينة أثناء الرحلة النهرية في شط العرب، حين اقترح الصديق الشاعر علي نوير عليّ ذلك، والرجل نفسه تفاجأ، فاقتراحه بناه على قراءة العام الماضي، لكن السفينة هذه السنة أكبر بكثير ولا تصلح للقراءة.
    الأصدقاء لمسوا ما تعرضت له من غبن، فمنحوني حق القراءة مرة ثانية، وهو كرم منهم تمتعت به دون سواي، اتصل بي هاتفيًّا القاص رمزي حسن ليخبرني أنني سأقرأ في الختام وتسلسلي هو الثامن. في الرحلة النهرية قرأت قصيدة قصيرة واحدة فقط، حتى إنني سمعت الأصوات تُعبّر عن دهشتها للأمر، بينما في الأمسية الختامية قرأت قصيدتين؛ احترمت الوقت وكان أقل من المخصص لي.
    المهرجان.. ما له وما عليه
    إن هذا المهرجان هو الأشهر عراقيًّا وأحد أشهر مهرجانات الشعر عربيًّا. تسلم الراية من عكاظ كما يذكر الرواة، وحسنات هذه الفعالية المهمة أكثر من سلبياتها بلا شكّ، فهو ملتقى الأصدقاء والمبدعين ولا يقتصر على الشعراء ونقاد الشعر، إنما تتم دعوة روائيين وقصاصين ومسرحيين، وجلسات الهامش فيه أكثر ثراء من الجلسات الرسمية، حيث يكون الشعر والثقافة عمومًا همومًا يتداولها الضيوف في غرفهم وأروقة الفنادق، وفيه أواصر الصداقة تزداد وثوقًا كما نقل الخبرات والقراءات، فالاحتكاك بين المبدعين يؤدي إلى انتقال تجاربهم من بعضهم إلى بعض، أعني تجارب القراءة والحصيلة المعرفية التي يخرج بها المبدع من قراءاته، وهي حتمًا تختلف من شخص إلى آخر، مما يجعل اللقاءات تثري حصيلة المبدع من خلال إضافة ما التقطه الآخرون من قراءاتهم ولم ينتبه له.
    لكن للمربد سلبياته، وأول وأجمل هذه السلبيات هي طيبة أهل البصرة التي لا ينكرها عليهم عراقيّ قط، ولا أظن أن عربيًّا احتك بهم ولم يلمس هذه الطيبة، وعليه مما سمعته من الأدباء بل ولمسته أنهم يستقبلون عشرات ليسوا من ضمن المدعوين، وهو ما يجبرهم على تخصيص غرف أكثر وكل ما يتطلبه الاهتمام بالضيف. فهؤلاء البصريون يُعَمّدون خجلهم بالبسمة والكرم، وليس من شيمة الكريم ردّ الضيف، وهؤلاء ضيوف، لكن كثرة الضيوف تُفسد الفعاليات الثقافية، وهو الخطأ الذي يُولّد أخطاءً، خصوصًا حين لا يكون القرار الأول والأخير لاتحاد أدباء البصرة، فتتدخل جهات أخرى.
    الجلسات الشعرية لا تحتمل عشرين شاعرًا وأكثر، ونحن أبناء ثقافة لا تقدس الوقت، ونرجسية الشاعر ترفض أن تدعه يقرأ لخمس دقائق فقط، مما نتج عنه سوء تنظيم لا يتحمل اتحاد أدباء البصرة عواقبه فقط، وذم المهرجان والقدح باللجنة المنظمة، لا يوصلنا إلى مهرجان يخلو من السلبيات، إنما ما يحتاجه المربد منا، هو مقترحات والمساهمة بوضع خطة، تُعرض على أكبر عدد من الشعراء والنقاد والضيوف السابقين للمهرجان مما لمسوا السلبيات، وتقدّم المقترحات على شكل بيان يوقعه هؤلاء، لتحسين المهرجان.
    المربد يستحق أن يتحول إلى مؤسسة، وبنايتها تضم مجمعًا متكاملاً، مكتبة ومكاتب وفندق وحدائق وقاعات للقراءة والعروض المسرحية وسينما ومحال لبيع الكتب والقرطاسية ومطاعم ومقاه ومجمع تسويقي، وهو ما يجعل المهرجان بعد ذلك لا يحتاج لتمويل وإنما هو مؤسسة تُمَوّل نفسها ذاتيًّا. هي فكرة خطرت لي وأنا أقلّب تاريخ البصرة ومربدها في بالي، متمنيًا على الجهات المعنية حكومة مركزية ومحلية وإدارة الموانئ ووزارة النفط أن تتبرع بالمال وبقطعة الأرض كي يتم إنشاء هذا المُجَمّع، وهو لا يخرج في جوهره عن نظام الوقف في تاريخنا كي لا يظل أدباء البصرة واللجنة المنظمة، تخاطب هذه الجهة وتلك للحصول على الدعم.
    أعود للبصرة، المدينة التي تستحم بدجلة والفرات معًا ويغازلها الخليج، فيها عبق تاريخنا، حيث أولئك العظماء ممن منحونا تراثًا يعدّ الأغزر بين تراث اللغات الأخرى، بفضلهم وبفضل كُتّاب المدن الأخرى عراقية وغير عراقية، ولكن للبصرة مع شقيقتها الكوفة السبق في معظم البدايات. مع نسيم البحر المصطبغ بعذوبة الفراتين، تلقفتني أسواق المدينة، فكان الشاعر مقداد مسعود قد خطط لجولتي وأوصاني ألا أتناول فطوري في الفندق، فكانت "كبة أبو صباح" اللذيذة فعلاً، ليعقبها الشاي العراقي، وربما أكون أحد العراقيين القلائل الذي يحتسيه بلا سُكّر. بعد ذلك جولة في أسواق البصرة والتي تدل على عراقة هذه المدينة وخصوصيتها بين مدن العراق، وأهم محطة هو كُشْك "ناصر أبو الجرائد" وفي الحقيقة فإن الرجل هو صندوق بريد الأدباء، فمن يريد أن يبعث بكتبه أو بمجلات لأصدقائه في البصرة فمحلّ هذا الرجل خير عنوان أمين.
    العودة للخرطوم
    الآن عدت لعزلتي ومعي أكثر من أربعين كتابًا هي اهداءات شعراء وأدباء، حملتها معي من البصرة ثم كربلاء فَعَمّانَ، وحين وصلت لمطار الخرطوم، استوقفني العسكري المسؤول عن جهاز كشف محتويات الحقائب، ولولا أن السودانيين على الأغلب الأعم يمكن التفاهم معهم وشرح الأمر، لكانت هذه الكتب ربما صودرت، أقول ربما ولست واثقًا، لكن المسؤول بالرغم من تهذيبه العالي، لم يقتنع أولاً أنها إهداءات من كُتّابها ومبدعيها، فاستعان بمَن هو أعلى منه مسؤولية، ومن حُسن حظي أن الأخير كان مشغولاً، فأعدت على العسكري ما قلته وأقنعته أنها ليست سوى كتب شعر وقصص وروايات، فأذن لي بالخروج، بأدب جَمّ.
    تألمت من جملتي التي اضطررت لها لأنقذ محبة الشعراء والأدباء ممن منحوني عصارة إبداعهم هدايا قرأت بعضها وسوف أقرأ ما تبقى وأنظر لمكتبتي البيتية وهي مزدانة بوهج ألقهم وبهائهم، وذاكرتي موشومة بعبق المربد وطيبة أهل البصرة.


    في الصفحتين 14 و 15
    ملحق الشرق الثقافي – العدد 52 – الأحد 16 نوفمبر / تشرين الثاني 2014
    http://media.al-sharq.com/portalfiles/pdfissue/CUL_20141116.pdf

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 9:01 am