سعيد حميد كاظم: من كربلاء إلى هيروشيما.. رمزية الخراب في مجموعة( بلوغ النهر) لباسم فرات

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 484
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    سعيد حميد كاظم: من كربلاء إلى هيروشيما.. رمزية الخراب في مجموعة( بلوغ النهر) لباسم فرات

    مُساهمة  Admin في الأربعاء ديسمبر 03, 2014 2:51 am

    لقد سجّل الشاعر العراقي المغترب(باسم فرات) حضوراً راسخاً في المشغل الشعري بوصفه شاعراً من الجيل التسعيني* الذي تميز بتجارب شعرية جديدة, ولذا فقد أسهم في تحريك عجلة الإبداع الثقافي في بعض مسارب تجربته الشعرية, كما تميز بقدرته على تخيّل المشاهد ودقة استحضارها والعمل على مقارنتها بالواقع للخروج بمتخيلات تخدم رؤيته الشعرية وتسهم في إثرائها, فتنامت لديه الرغبة في توظيف مثل تلك القدرات لخلق صور جديدة لا تنأى عن الواقع بعيداً ولكنها في بعض الأحيان تسبر أغوارها في بؤره المخفية لتستكشف خفاياه, ولم تتوقف عند هذا الحد بل تُمعن كثيرا في المعالجات الحقيقية للواقع المأزوم وتعمل على وضع الحلول الناجعة له, من هذه الرؤية انطلق مشواره الشعري وراح يحمل جرحه كما يحمل إبداعه ليجوب بهما مدن أخرى علّها أخف وطأة من جراح بلاده, وحين حط الرحال في مدن أُخرى وجد المأساة عينها, فانبجست دموع الألم, وراحت تطوقه الحيرة وتتملكه الأوجاع فكان لابد من البحث عن العلة التي تُصدّر الأزمات المزمنة كي ينأى بنفسه عن ذلك ويتجاوز أزمته, وحين عجز عن الصمت تقصّد (المسكوت عنه) ليتخطى الحواجز ويستعرض الماضي ليبلغ ذروته في حاضره, فراح يفتش في ويلات الجراح ومخلفات الدمار وعمّا أنتجته من هلاك, ولكن هذا البحث أخذ من وقته الكثير وكلّفه جهدا حتى يُبرّز الحقيقة ويتوصل إلى قناعة انه لابدّ من تعليل الأحداث وتصويرها تصويراً دقيقاً تنسجم والذائقة الأدبية فهو ليس "مجرد رحالة جواب يكتب أدباً للرحلات والوقائع والأمكنة التي يمرّ بها أو تمرّ به, لكنه يحيل هذه الأماكن إلى بنيات نصية وتعبيرية وحتى سيكولوجية ووجدانية تتماهى إلى حدّ كبير مع خزين التجربة الذاتية والزمكانية التي شكلت وعيه الشعري وتجربته الحياتية والشعرية"(1), فهو من جيلٍ أفرز كمّاً كبيراً من الكتابة الشعرية الجديدة التي تنسجم وتطلعات العصر, فنشأ يُفتش عن الدقة في التعبير لمراحل حياته المشوبة بالقلق المسكونة بالهم, انطلاقا من بلده وهبوطا إلى بلاد أخرى, فاشتركت الغربة والألم وسكنا في ذاته, فما كان به إلا أن يبتدئ مشواره الشعري فور وصول الشاعر إلى (هيروشيما) هذه الجزيرة الواسعة التي يقول عنها الشاعر باسم فرات أنها "أول مدينة اختارها بمحض إرادتي, وبدأت علاقتي بها منذ البداية, شعرت فيها بروحية مختلفة, هذه الروحية أثرت في تجربتي الشعرية, فكتبت نصوصاً اعتبرها أفضل انعطافة شعرية للآن, ربما نتيجة للعلاقة الحميمة التي تربطني بالمدينة"(2), وهنا تتجلى الفاجعة لتقترب صورها في ذهنه, على أن ثمة علاقة للمقارنة بين بلدين مفجوعين, وكي تكتمل الصورة فإنه عقد مقارنته بين مشهدين توسّما بالخراب منطلقاً من بلده الذي هو ربيب الخراب والجوع والقتل والتهجير وانتهاك الحريات, إلى بلدٍ آخر تخلّف فيه القتل والدمار ومازال التشويه الخلقي يلاحقهم, وعندها اكتملت صورة الخراب في فكره, فـــراح يدفع بمنجزه الشعري إلى تمثل تلك الظواهر ويُسخرُّ قدراته الإبداعية والفنية لجعل الصور شاخصة وهي تصور الأحداث بكل دقة, وتلتقط مشاهد الحزن الإنساني واللاستقرار الذي يهدد الوجود الإنساني ويبعث فيه عنصر القلق, ولعل الدافع الرئيس للقول في موطنه الأول وبلده الآخر هو تشابه الظروف بين مدينتين تأستا بالألم وتوشحتا بالخريف الذي سلب رونقهما, وهذا ما حدا به إلى التعبير عن صدى ظلامته, والذي قاد به إلى ذلك إحساسه أنه في عالم جديد فيه من المأساة ما في بلاده, وقد تبادلا المواقع في ذاكرته حتى ما عاد يميز بينهما, وهذا ما يشير إليه الشاعر حينما انتقل من مدينته كربلاء إلى البلد الآخر(هيروشيما):

    ( في ظهيرة الثاني والعشرين من تموز 1996
    احتضن الطفُّ هيورشيما,
    فكنت رقما في ملفات الامم المتحدة)(3)

    لقد ولّد هذا الاحتضان التقارب النسبي في تجليات الخراب, إذ إن نقطة الانطلاق تبدأ من الطف وفي ذلك دلالة الفاجعة إلى هيورشيما وهي أيضا بؤرة الخراب, فلقد تناسلت الفاجعة في ذاكرة الشاعر بدءا من كربلاء التي وشّحته بالسواد ووصولا إلى (هيورشيما) مدينة الدمار, والضحية تكللت به, ورأى من الأجدر به أن يبحث عن سبب وجيه علّه يخفف عنه هاجس الألم والسؤال الذي لم يجد جوابا له سوى أنّ أصوات الإنسانية يُراد لها أن تخمد وان يكون اللاستقرار الإنساني بديلا عن الاستقرار, فابتدات رحلته ليعطيها رمزاً إسلامياً على أن الإنسان الإسلامي المغترب قد وصل إلى البلد الآخر, وتجسد ذلك في عنوانه الأول (البراق يصل إلى هيروشيما) من مجموعته (بلوغ النهر)(4)، ولذا فهو أراد أن يبتدئ بحضارتهم وبمأساتهم ثم بالوسائل التي يلتجئون إليها لدفع الحيف الذي يقع عليهم, فابتدأ ببراقهم لتكون عنده محطته الأولى فلقد نظر إليه واصفاً فيه ما لحظته عينه, وهو يرى هيأة فرس مجنح فيراود فكره أنه يشبه البراق, الذي هو معروف في بلاده بأنه الذي امتطاه الرسول (صلى الله عليه وآله) فعرّج به إلى السماء غير أن هذا التمثال الذي وضعوه لم يُذكّرهم بمرموزٍ كما يُذكّر المسلمين بمسرى رسولهم (صلى الله عليه وآله), فهذا البراق يركن جانبا, وأراد الشاعر أن يحدد دوره هناك فقال:

    أمامَ قلعةِ هيروشيما
    وحيداً
    يقفُ البراقُ
    دونَ نبيّ يمتطيهِ
    حاملاً أحلاماً(5)

    ويستمر بكشف ما فيه , موضحا ما يحيط به حتى يصل إلى الحقيقة ذاتها فيختم قوله:

    بينما البراقُ منتظر من يواريه الترابَ بعيداً
    نسِيَ أن يَحلمَ بنبيٍّ يمتطيه.(6)

    إنّ هذا التذكار وتلك الالتفاتة لم تُنسه عن تذكار فجيعته ولم ينشغل بغيرها, فقد عاود يُفكر بطريقتين تارة بطريقته الإسلامية وأخرى بطريقة بلد رحلته الجديد, فحاول هذه المرة في أن يُفكر بأسطورة اليابانيين الذين يعرضون مشاهد الخلاص التي تتحقق دائما على يد ( الساموراي), هذه الكلمة التي كثيرا ما رددها الشاعر في كتاباته الشعرية, والتي أصبحت فيما بعد رمزه الشخصي, والتي قال عنها إنها جديدة ولم تستخدم من قبل ولذا إني اجترحتها, "فارسلتها لمن اثق بهم من شعراء ونقاد, فكان مع الاستحسان جملة تكررت وهي, شكرا لك لقد جعلتني أعيش في عوالم سحرية للمكان كما في الواقعية السحرية , هذه الجملة وإن كانت بصيغ مختلفة وصلتني ولكن فحواها واحد, وضربت بها المثل, لأعبر عن دور الخيال وأهميته في النص, فلولا الخيال لما وصلتنا نصوص كبار الشعراء وبلغات عديدة"(7), ولعل للناقد علي جعفر العلاق السبق بهذه الرؤية التي يقول فيها" بات واضحاً, اليوم, كما يبدو, إن حداثة القصيدة العربية لا تكمن في خروج الشاعر العربي على الوزن والقافية, بل تتمثل, حقاً, في انعطافته الكبرى لبلورة رؤية خاصة به, وما ترتب على ذلك من بحث عن رموز وأساطير وأقنعة يجسد فيها, ومن خلالها, رؤياه ويمنحها شكلاً حياً ملموساً"(Cool, ويمعن في طرحه من أجل إيضاح الرمز الشخصي فيعبر عنه بأنه ذلك الرمز الذي يبتكره الشاعر ابتكاراً محضاً أو يقتلعه من حائطه الأول, ليفرغه جزئياً أو كلياً من شحنته الأولى ثم يشحنه بشحنة شخصية مستمدة من تجربته الخاصة ليغدو مفتاحاً مهماً يساعد في فهم تجربة الشاعر, وملامسة همه الكبير, كما أن عليه أن يتجاوز الرموز الجاهزة؛ ذلك لأن الرمز الشخصي هو ما يثري حداثة الشعر وحداثة الرؤية(9), ممّا أغرى الشاعر باسم فرات إلى ابتداع رمزه الجديد ليجرّب القول به, ويحاوره ليحقق الإيصال الشعري :

    يَعتمرُ خوذتَهُ
    يمتشقُ سيفَهُ
    الذي يكادُ يُنافسُهُ
    على قوامِهِ
    يتمنطقُ بالفـولاذِ
    إنّهُ بكامل أبّهتِهِ
    فيه رائحةُ التاريخِ(10)

    فلقد افرد الشاعر لرمزه الشخصي عنواناً في مجموعته, ورسم له صورةً بهيةً, تلك الصورة كانت "تتحدّر من صورة هذا المقاتل المؤسطر في ذاكرة الثقافة اليابانية, وتنفتح على رؤية مشهدية تتصادى وتتوازى وتتحايث مع كل صور البطولة (المعطّلة) في ذاكرات الشعوب وموروثاتها الشعبية, وتتجلّى على رأس القصيدة بوصفها عنواناً معرّفاً يحرّض أفق توقّع القراءة على تشكيل صورة, وتشييد حكاية, وبناء قصيدة شعرية تَعِد القارئ بحساسية تلقٍّ جديدة"(11) غير أن هذه الرؤية لم تُثمر عن شيء ورمزه لم يلبِ طموحات مرجويه ولم يحقق احلامهم الحقيقة, وإنما هو أضغاث أحلام, وان هذا الذي يعتقدون به انه المخلّص ليس هو كما يُعتقد به, وليس بمستوى الطموح:

    وفي المساءِ
    عندما تنفضّ العوائلُ
    إلى مَهاجِعِها
    يُجَرَّدُ من أبّهتِهِ
    ويُركَنُ
    في زاويةٍ شبهِ مُظلِمَةٍ
    في مُتحفٍ ما
    بانتظارِ
    مِهرجانٍ
    جديدْ (12)

    ثم يردف هذا المعتقد بالأمل الذي يخبو في مجاهيل الظلام, وانه الوحيد الذي يستشعر فيه إنسانهم بجذوة الانتصار, ثم يلتفت إلى حاضرهم ومستقبلهم, وإلى خيط أملهم الذي يُجددونه كل عام, وأنهم كيف يوقدون الشموع ويزينون الحانات عندما تتفتح عندهم زهرة الهنمي, وفي ذلك ضرورة مقاومة اليأس والإيمان بالحياة وان شرارة التطلع تقدح في أوساطهم, فقد حدّق الشاعر في أمرهم فأعجبه مطاولتهم على مقارعة اليأس, فتطلعاتهم لا تنطفئ, وما زالوا يحملون التفاؤل فقال في مناسبتهم :

    في احتفالاتِ الْهَنَمي
    عليك أن تحتفي بالفرح
    وتطردَ أحزانكَ بعيداً,
    تحت أشجار الساكورا
    تُنادمُ ضحكاتِ الجميع
    وتمنحُ النسيانَ فرصةَ أنْ يَتَسَلّل إليكَ.(13)

    ولعل هذا الثبات والمجابهة هو ما أعجب الشاعر نفسه, فـأمة تتجلى فيها القوة والثبات والعزيمة لقهر الصعاب يرغب الشاعر باسم فرات في أن يكون واحداً منها, يتغذى روح المطاولة والصبر من ثباتها لينتصر على غربته ويتقهقر صراعه مع الحزن, لذا شكّل عنوان قصيدته (عن الغريب الذي صار واحداً منهم) , وعوداً على ذي بدء فإنّ كابوس المأساة لم ينتزع من ذاكرة الشاعر, ولا يمكن أن نقول بأن منابعها قد جُففت تماما, فتارة يتمرد ليبتعد عنها, وأخرى يرتمي في أحضانها:

    هأنذا .. قدمٌ في مِيكونَ وأخرى في الأمل
    يرقدُ تاريخٌ في جعبتي
    أنصتُ للموجِ بينما الريحُ تقفلُ أبوابَها خجلى
    وفِيَنْجانُ خلفي
    تحملُ غبارَها وابتساماتِ عابري الطرق والرَّغَباتْ (14)

    إن عوالم ذاكرته مفتوحة, وأنها تمعن التوقف في الأماكن التي توافق ذاته المكلومة, فهو لا يبتدئ بذكر المعالم الجمالية لهذا البلد ولا صروحها الثقافية, ولكنه عزم في الدخول إلى الجانب المأساوي وتصوير الأحداث المؤلمة التي كان لها الفضل في استنهاض هذه الأمة, ولهذا فإننا نجده يقف هذه المرة عند الإمبراطور فيتأمل موقفه وكيانه الذي فرضه على الآخرين في حياته وحتى بعد مماته, ولعل في ذاته سؤالاً: من سيّده على البشر؟ وأعطاه منزلة المقدس, حتى استوى على تلك المراتب التشريفية, ومن منحه هذا البهاء والجلال ليحصل على تلك الامتيازات ليجوز له ما لا يجوز لغيره, ويمعن الشاعر بوصف الممالك التي تستغيث به كما يُبيّن ولعه بالدماء, والتلذذ بسماع صرخات الأيتام :

    الممالكُ تحتَ عرشِهِ تستغيثُ
    مَلك الجهات العشرَ
    فُرسانُهُ زرعوا السواحلَ جماجمَ غزاةٍ

    صرخات يتامى على الجدران
    صارت تهطل على أردانِ قميصه
    في السقوفِ مدنٌ عانقها الخرابُ (15)

    وعلى الرغم من بطشه وفتكه إلاّ أنّ الولاء قائم له فمن سطوته تهتز الجبال, وبهذه الرؤية فإنّ الشاعر يُجسّد إطلالةً كبيرةً للحوار لإنعتاق النفس من مقدسٍ مموه مجوّف بالخواء, وفي ذلك دعوة لمواجهة الصمت والتجاهل لواقعٍ مفروضٍ, استمد الآخرون فيه قداستهم وتمنّحوا الثقة من أنفسهم, وقد فُرضوا على الآخرين طاعةً وتجللا ففُرضت هيبتهم قسرا, وهذا ما لا يتجاوب مع منطق الحرية التي جَبُل الإنسان عليها منذ فطرته:

    الإمبراطورُ الذي تهتزّ الجبالُ من ولائِهِ
    وتحتَ بسطالِهِ ترتجفُ أسودٌ وتنانينُ(16)

    ولعل هذا المشهد الذي رسمه وجسّده فيما رآه لم يكن بعيداً عما قاساه وتلظى به في بلده العراق, وكأنما خُطَّ للباطل طريقٌ لا يتناهى عنه في هذه الحياة, وأن التماثيل التي يبتدعها الآخرون سيظلوا لها عاكفين, على أنّ هذا هو ديدن الحياة كما يعتقد بذلك الظلمة, وتغافلوا على أن مثل هذه الإجراءات انتهاك صارخ لكرامة الإنسان, وبهذا لابدَّ من إعلان المقاومــــة ضـــدهم,
    والشاعر نفسه لا يروق له ذلك مستنداً في خلاصته أن يتسلح بالعزم من كربلاء التي طمرت فلول الظلم ونشرت عبق الحرية ما بقيت الحياة, لذا ترجم لنا فكرته قائلاً :

    ها هو داخلُ مربعٍ يُسوّرُهُ شريطٌ أصفرُ لا يتخطّاهُ
    أتأمّلُهُ ساخراً
    وبثمنٍ بخسٍ أصفعُهُ
    وأمضي ...... (17)

    ومرّ سائراً بين أفياء المدن وهو ينظر إلى ما يوافقه, واختصرت مشاهده على رؤية ما يراه في بلده الأم ليصل إلى حقيقة يبحث عنها, تستنجده من الهم القابع في ذاته, فـــــراح يطالع الأسواق الشعبية وينظر في محتوياتها, على أن للشاعر في ذلك ثمة ضرورة تنبع من دوافع متعددة لعل أهمها تعميق الجوانب الثقافية والنفسية والفنية, وعلّ فيها ما يذكّره بوطنه :

    ادلفُهُ ظهراً
    وفي أخريات النهار
    كان زنبيلي مليئاً بالمحبة والذكريات (18)

    ويبقى الشاعر في بحثٍ دؤوب يربط الأماني بالمأساة, والسؤال يتموج في صدره ما ذنب هذه الشعوب حتى تُقيّد بسلاسل الظلم وهي تزخر بحضارات عريقة, فقد رأى في البلد الجديد أنه صاحب حضارة عريقة غير أنها لم تكن في حصنٍ أمين من سيول الخراب وعلى الرغم من ذلك فإنها تعرضت إلى ويلات الدمار, وكذلك في بلاده, ولعله يقلّب بفكره فلا يرى سوى أن المأساة قد تجسدت في (هيروشيما) والعراق, ولكن حين يحلّ الدمار, فإنّ حضارتيهما ستُزيح مخلفاته, وستفتح للفجر دربا ليبدو للآخرين شروق شمس لا يغيب :

    لكن أصواتَ الكائناتِ تُربكُ زهوَك
    وأعلاقٌ أطفأتها الريحُ
    بقايا فتوحاتٍ عطشى

    وحين فتحَ عينيهِ
    رأى شروقاً أطوَلَ من التاريخ
    وندوبُ أيامِه تتوارى. (19)

    وكثيراً ما يرغب الشاعر في التخفيف من آلامه حينما يتعرض إلى أشياء أخرى خارج نطاق المأساة, فهو عازم في نفسه أن يروي كل ما رآه, وأن يروي كل ما يقع تحت بصره متى يشاء وحين يرغب, وأن يوازن بين حضارتين بدءاً من السلام وانتهاءً بالسلم, ولم تغب عن ذاكرته مدينته مدينة النصر والسلام (كربلاء), هذه المدينة التي قال عنها غير مرة بأنّها هي التي "علمتني أن أحب التنوع وأغرف من كل نبع وأتزود بثـقافة موسوعية"(20), ولعله ليس الوحيد الذي يلجأ إلى ذكر (كربلاء), فهذا الناقد ياسين النصير يقول في دراسته عن مجموعة من القصائد العراقية المغتربة أن القصائد "كلها ترسم جوا من الإحباط والسخرية والمرارة , وقد لا يكون مثل هذا المناخ جديداً فقد تشبع الشعر العراقي به منذ حداثته الأولى وما زال الحس الكربلائي مهيمنا وقويا"(21), وفي مكان لاحق عبّر الشاعر باسم فرات عن (كربلاء) بأنها "مملكة الدموع بحق"(22), فهو في كل مرة يذكرها, أو يذكر أحدى مسمياتها:

    أمر على قرويين
    أكواخُهم تُنبت البسمةَ والدهشةَ على وجوه العابرين
    ألُمّ حياءَهم وأحزانَهم في سلالِ رحيلي
    بينما الغاضريةُ تستفيق على امتداد حقول القصيدة
    مُستسلماً للضباب,
    وهو ينفث أحزانه خلال أنفاسي.(23)

    ويظل الشك يراود ذاته على أن لا يبتعد عن الحقيقة كثيراً , فلا بدّ من الرجوع إليها, فبقاؤه في الوهم لم يحقق الغاية التي يسعى إليها, فهو باحث عن الحقيقة المطلقة التي تقدم أجوبةً لأسئلته الدفينة, ومهما دارت عليه الأيام والليالي لا بدّ من حصوله على أجوبةٍ يبحث عنها, فتدفع عنه كاهل السؤال :

    أمزجُ سهولي وصحاريها بهضباتِهم الجبلية
    فأجدني أغرسُ دَبابيسَ السؤالِ في حقولِ القطنِ (24)

    إنما دفعه هذا الإلحاح ليكرّس الحقيقة بتمثله الشعري, ويبقى في تواصل معها للوصول إلى مبتغاه , ليكتمل حضوره بعد اكتمال الرؤى , وأنه أحاط وجوده بتلك الأسئلة, ليجد مكاناً يتنفس فيه وجودُه اشراقةً تنهمر خلفها حلكة الظلام, وهذا ما أمعنه في التفكير والتأمل, لمواجهة انكسارات الذات, وهي التي نأت به بعيداً عن التشتت والضياع, وتقربه من الوجود المستقر الذي يذكره:

    ويَنثرُ المَطرَ في أسرارِ الكائناتِ,
    فَيَبزُغُ صَباحٌ لا نهائيٌّ
    صباحٌ يَستدلُّ عَليَّ (25)

    ويستمر في المعاينة حتى يقع بصره على متحف السلام في هيروشيما, ولعل الباعث إلى ذلك أن هناك في وطنه متحفاً كبيراً وهو غني بالتراث, فأراد أن يقارب بينهما فتذكر أن عاصمة بلده تسمى (مدينة السلام), فقد عني بتصوير ما فيه تصويراً رائعاً, ولعل من بين ما يميز الشاعر"ولعه الزائد وعنايته الفائقة بالصورة, حتى ليبدو شعره برمته شعر صورة في المقام الأول. لكن ثمة ما يسم إنتاج الشاعر لصوره, وأقصد به هيمنة الملمح التجريدي على بناء الصورة. وهو أمر ربما يعود إلى طبيعة الاشتغال المعرفي لدى الشاعر وإثارته للسؤال في جُل نصوصه الشعرية"(26), يضاف إلى انه مصور محترف وهذا ما زاد من تدقيقه واهتمامه في مشغله الشعري والإبداعي, وفي هذا المجال يصرح "أعمل في مجال التصوير الفوتوغرافي منذ عام 1983 (...), وفي نيوزلندا واليابان اتيحت لي فرصة لتصوير الطبيعة والمدن, بل قلْ تصوير الحياة, فقد صَوَّرْتُ الأزهار مثلما صَورتُ المشردين, وصَورتُ النساء والأطفال مثلما صَورتُ البنايات والطرق والجسور والآثار, وصورت الإحتفالات ..."(27), بل يُزيد في القول في مهنته هذه ليقول فيها "التصوير منحني عيناً ثاقبة للأشياء وللبشر, فكل شيء أصبح موضوعاً بالنسبة لي"(28), وبهذه العين الثاقبة وبخبرته الثقافية يتسنى له تمحيص المشهد الشعري ومراجعته ليستنطق النص ويفرز فيه قدرته الإبداعية, ولذا تراه ينظر طويلاً في المتحف وفي مقتنياته ويربط بينها وبين الوقائع ذاكراً :

    حينَ تدخلُ .. عليكَ أنْ تَحذرَ الارتطامَ بالأنينِ
    حكاياتٍ توغلتْ القسوةُ فيها والألَمُ
    خلفَ الزجاجِ ثمةَ حِدادٌ زادَهُ الزمنُ نضارةً
    ثَمّةَ بَقايا رَمادِ الضحايا,
    دُمىً عليها آثارُ أصابعَ احترقتْ
    قلائدُ صَدِئةٌ, ما بقيَ من طفولةٍ ابتلعَها الجحيم
    في الأقفاصِ الزجاجيةِ قافلةُ أحلامٍ تَجمّدتْ
    وكثيرٌ من حماقاتٍ وخيالاتِ رجال أثقلتْ أكتافَهُم النياشينُ
    رَوائحُ المَراراتِ تَخنِقُ المرورَ عَبْرَ الطوابقِ
    إنها المِحنةُ تَدخُلُ أوكارَها البريةَ
    والصخرةُ التي طالما أثقلتْ كاهلَ سيزفَ
    هاهُنا تَجدُها وقدْ تلاشتْ
    وبالظلامِ كلُّ شَيْءٍ اكتَسى
    وَكُلُّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلى الندم (29)

    ومن الجدير بالذكر أن مشوارَه طويلٌ في البحث والاستقصاء, فهو ما زال ينظر في المستقبل ويتأمل فيه, إلى مَ تؤول الأمور؟ وأين ستحط رحالها؟ وهل هناك من جديدٍ في المستقبل القريب أم هو كماضيه, فعند استقراء شعره يتبين أن هناك بعض الأسئلة العالقة تلح على الحضور, ولعلها تحمل هاجس الأسئلة التسعينية "التي اتسعت لتحمل المكابدة الإنسانية, وتوثق مضامينها مرارة الواقع, والهم المسكون بالذات المنكسرة, وهي تعيش هذا الواقع المتلون, والحروب غير المسوّغة, والتي بدورها تكون رأس كل مصيبة"(30), والشاعر قد ادّخر قسما منها لولعه بالخفاء والاحتجاب خلفها, ولعله قد أجاب على البعض منها في شعره, ليذكر شيئا عن المستقبل المجهول على أنه مقفل عائد كما ذهب, وهذا ما زرع نشيجاً ممزوجاً بالعويل امتلأت به قصائده :

    ياماتو قبرٌ يتنفسُ الهواءَ
    في عُرضِ البحرِ لبعضِ الوقتِ
    الموتى الذينَ في داخلِهِ
    سَطّروا ما أمكنَ من ذكرياتٍ ونَدَمٍ
    الأمنياتُ المكتوبةُ على وَرقٍ أبيضَ معقودةٌ
    في ميناءِ كورَهْ
    قَفَلَ الْمُستقبلُ راجعاً
    فامتلأتْ هذه القصيدةُ بالعويلْ.(31)

    فعلى الرغم من تأسيه على المستقبل الذي لا يعدو إلاّ خطوات, لكنه قد عوّل عليه كثيراً, فهو كلما ألحّ عليه رجع يراوح بمكانه, من دون أن يمنحه تفسيرات, غير انه يهبَهُ الحسرات, ويعطيه فرصة العويل, وعلاوة على ذلك يمرّ الشاعرُ فيلحظ مستقبلهم في عدوٍ سريع ويشاهد رمزهم في ابتسامٍ, فيعود لينغلق على ذاته, دامجا صوته في صداه:

    على ابتسامةِ بوذا هبطتُ,
    من بين شفتيه سَللتُ حكمتَهُ الهائمةَ
    واريتُ خَجَلي بخشوعي
    وأغلقتُ الأبوابَ على صرختي,(32)

    إنّ أهم ما يمكن ذكره انه لا يتغافل أي دور يتطلب حضوره ولن يتقاعس في أدائه, فهو يمارس دور المفجوع والغريب والشاعر الذي يطرق كل ما تمر عليه عينه, وان الظروف الجديدة قد منحته جمالها ورونقها ففرضت عليه أحيانا أن يغني وان يشدو بعيدا عن الجراح, وأن لا يرتمي دائماً في هوة اليأس, فارتفع متشبثاً بالآمال مترنماً وها هي تمنحه بريقها فتستجيب له وتنسجم معه, فما كان منه إلاّ أن يذكر شاعرهم ( تقريظ باشو) ويمر على أقواله, ويخاطبه بقوله :

    ها أنت ذا في حضرةِ باشو
    مُترنماً بالنقاءِ
    وممسكاً بعذوبةِ
    طالما جدّ إليها غيرُكَ
    ها أنت ذا في حضرتِه
    استنشقْ هواءً مفعماً بالشعر(33)

    ويعود به الحنين إلى الانغماس في معالجة الجراح بالجراح, وهو يمر على هندوري ذلك السوق الذي شُيّد على خراب الحرب , فاتقدت في فكره مسألةٌ عللها بنفسه, هؤلاء يزيحون موتى ويأتون بآخرين, ولعل صوراً مثل هذه ماثلة أمامه في بلده, فكم جُرّفت بساتين, وكم هُدّمت صوامع وجوامع وبيوت, وأُناس أحياء قد سقاها التراب غصة الموت, وبُنِيَ على أشلائها دورٌ يقطنها آخرون, وكي لا يُمنّى ذلك بالنسيان, ورغبة منه لإيقاظ روح الماضي النائمة, رأى من الأحرى أن يُدوّنها بقوله:

    هُندوري يَتمدّدُ في رحمِ المدينةِ
    في ورقِ الهدايا يبيعُ التاريخَ
    حَيَواتٌ من الماضي, محشورةٌ في سلالٍ وشرفاتٍ
    صباحاً يدخلُ التلاميذُ هُندوري
    وفي الليلِ يَحملونَ بيوتَهم على ظهورِهِم
    هُندوري: سوقٌ يفرشُ أحلامَه وَسطَ هيروشيما(34)

    ويعاود ليرى في رحلته قلعة كبيرة , فيطيل وقوفه أمامها يذكر ما حصل فيها على يد (الساموراي) الذي يُعرف عندهم بالمنتصر على الظلم والمنقذ , فيذكر مقصوراته وصليل سيفه, وأصوات انتصاراته, وأن ذلك كلّه قد حصل في وقت مضى, ولم تعد إلاّ ذكريات, واليوم ينكشف الظلام عن الرؤيا لتتبصر بالنور, وأنّ ما يُذكر عنه وما جرى كان ماضياً, لا يتجاوز حدود الأحلام:

    في قلعةِ هيروشيما
    أتأمّلُ
    مقصورةَ الساموراي الأعظم
    السامورائيّون يَمْلَئُونَ ردهاتِ القلعةِ وقاعاتِها
    صليلُ سيوفِهم يخترقُ التاريخَ
    أصواتُ انتصاراتِهم تتدلّى في الممراتِ
    أتصفحُها وأمضي...
    أزحتَ لزوجة الظلام عن الرؤيا
    وأنت تراقب الساموراي الأعظم
    يُشعلُ أحلامَه بالنسيان(35)

    لقد مهّد الشاعر لذكر مدينته, ولم تغب عن ذاكرته مدن أخرى, تركت في نفسه أثراً وأصبحت جزءاً من تاريخه, فهو يذكرها بلا نسيان , فيمعن في وصفها, ذاكراً أهم المحطات الحياتية له في هذه المدن فهي شاخصة أمام بصره, وذكراها في قلبه لا تُمحى, وحتى تبقى حية على الدوام, وتحمل سمة التجدد والانبعاث ذكرها وقد أمعن في وصفها:

    هي مُدنٌ
    تَعبرُنا ونعبرُها
    لتتركَ وشْمَها فينا
    مدنٌ
    نطوفُ بها كالمجاذيبِ
    نُعَلّقُ ذكرياتِنا فيها
    مُدنٌ
    تشاركني صباحاتِها الأنيقةَ
    فأستسلمُ
    لطفولةٍ خبأتُها
    مُدنٌ
    قلاعُها مزدانةٌ بأبّهةِ الفرسانِ
    حاملي رايات البهجة
    بشموسٍ
    مُدنٌ
    تَلَقّفتني كالمحطّاتِ.(36)

    ويتجلى عظم المأساة حين يقوم الشاعر بنقل مأساته من وصفها العام إلى الوقوع في ذاته لتكون خالصة له, فكما فقد أباه الشاعر في صغره, وأورثه اليتم والحرمان, وهذا ما كشف عنه بقوله "عشت طفولة بائسة مليئة بالحرمان, وما زالت صور الحرمان تلاحقني, وأما تناقضاتها فما زالت آثارها باقية"(37), فقد وجد ما يماثله في الفاجعة فهذا مفجوع بأبيه قد سُقي غُصة الفقد, ولعل الدافع لهذا الانجذاب هو التشابه بعظم الفجع, ولذا قال (رجل من هيروشيما).
    فقد جمع الشاعر والفقيد فجيعة واحدة وبلا ذنب يُذكر , فلم يقترف أبواهما جرماً يستحقا عليه العقاب, غير أن الشاعر فقد أباه نتيجة حالة إنسانية قائمة دفعت به إلى التضحية, بينما الآخر نتيجة الحمق الإنساني, وعلى الرغم من ذلك فإن ولديهما قد غفرا عمّا سلف, فأضافا موقفاً إنسانيا جديداً يسير بموازاة موقف الآباء:

    الذي فقد أباه
    في السادس من آب 1945
    وتشوهت أُمُّهُ,
    الذي حَمَلَ عَوَقَهُ
    ستينَ عاماً
    ولا يزال,
    قَدَّمَ وردةً لقاتليهِ,
    واحتفى بالحياة.(38)

    وقبل أن يطل على بلدٍ آخر أراد أن يختم قوله لابدّ للتسامح والمحبة أن يأخذا طريقيهما, على الرغم من ظلمة الجراح, فهذه البلاد الجديدة التي هو فيها يُمثلها بأنها "درس كبير للجميع, إنها تعلمنا كيف نحب ونسامح, أو على الأقل لا نحمل حقداً وضغينة, فالناس هنا لا يعرفون الكراهية, لقد حولوا مدينتهم إلى عاصمة السلام في العالم, وأكبر تجمع لمناهضي الأسلحة النووية, وأسلحة الدمار الشامل. هنا لم أجد روح الانتقام والحسد للآخر حتى الذين تسببوا بكارثة المدينة, فمن يحوّل مكان الكارثة إلى حدائق غنّاء لا يمكن له أن ينتقم ويكره ويحسد ويبغض"(39), إذ لابدّ للحياة أن تستمر ويكون استمرارها بإبداء روح المسامحة, فختمها بقوله :

    قَدَّمَ وردةً لقاتليهِ,
    واحتفى بالحياة.(40)

    لقد أثــقلت الشاعرَ أتراحٌ عديدة فلم يصمد أمامها , وكان عليه أن يكمل مشواره المفجع بين بلدين توشحا بالخراب, كما كان عليه أن يذكر شيئاً عجز غيره عن ذكره, ألا وهو أن اليابان صنعته هيروشيما متقدماً مزدهراً وأعطته درساً لا ينتهي, وصنعت منه شعباً يؤمن بالعلم والتقدم والحياة, ولعل الشاعر ترك ذلك ليصل القارئ إلى هذه النتيجة, فالشاعر نفسه ردد مع ذاته قائلاً:"من كربلاء إلى هيروشيما, من مدينة الدموع ومملكة النشيج إلى هنا حيث حماقات الإنسان وصلت إلى ذروة خستها"(41), ولكي لا تبقى غايته هائمة أراد من الآخرين أن يشاركوه التسامح والتفاؤل لتبقى ديمومة الحياة, بل أراد أن يلتفت الآخرون إلى خاتمته ويسألوه عنها, ليُجيبهم قائلاً" إني بطبيعتي متفائل فكلي أمل أنْ ينهض العراق ويبزغ فجره البهيّ, العراق يعيش الآن مخاضاً سوف يتجاوزه, وبالإمكان أن يكون هذا التجاوز كبيراً بل عظيماً لو تمت الاستفادة من التجربة اليابانية. علينا أن نتعلم الحب والتسامح إلى أقصاهما, وأن نفخر بتنوعنا ونحتفي بعراقيتنا أولاً"(42) , وبعد فما كان عليه أن يغادر مأساته وينتقل إلى بلدٍ آخر , فهو مهما سار ودار ببلاد أخرى غير بلده فإن في ذاكرته رموزاً وأشخاصا, لم تكن غائبة عن وعيه وهي في تذكارٍ دائم يقولها كلما مرّ بها, وهذا ما ينبئ بتمجيده لوقائعه ولماضيه, ذلك أنّ للماضي "نكهة خاصة عند الإنسان, ولا سيما ذلك الذي أثقلت أحزان الحاضر كاهله, وأخذ الاغتراب بخناقه, فالماضي على وفق هذا التصور مرفأ يرتاده الشاعر فراراً من الألم, والتماساً للراحة وإن كانت في الحلم والخيال"(43), بل ما أحوجه إليها وهو في غربته , فكم تمنى لو أنها مُدّت إليه لتروي ظمأه على غربته, وتسانده على دفع وحشة الغربة, فذكر رمزاً ذُكِرَ لحاملها مجداً لا ينتهي, وفضيلةً تعتلي في الحياة الخالدة, ألا وهي (القربة), التي التصقت برمز الإباء والفضل:

    أحملُ قِربتي وأمضي..
    الظمأُ سُرّةُ الوقتِ(44)

    إنّ ذكر (القربة) دفع به إلى أن يستدرج في الذكر أضرحة تركت عبيرها في أرجاء الأمم, وتوارثتها الأجيال لتنعم في فضيلتها, وتنهل من ارثها سمو المجد, لتخلف الرموز رموزاً والحكايات حكايات, ولعل الذي خلّدها بالمجدِ قيمها الإنسانية الرفيعة ونبلها وشيمها, تلك العوالم الشعرية استمدها الشاعر من طفولته في مدينته الدينية مضافا لها موهبته الشعرية, مما حدا به القول بعد تفجر مكوناته الشعورية, التي تعج بالحركة, وتميزت بالانشطار:

    الجدرانُ تطلقُ النهرَ للمدينةِ .. يتبعُهُ الصبيةُ
    أضرحةٌ تتناسلُ حَكايا وأيقوناتٍ(45)

    على أنه لم يتغافل فراته العذب, وهو يخالس بنظره نهر ميكون, فلقد تنقل بوصفه من القربة إلى الأضرحة إلى النهر, وكانت بمجموعها شخوصاً حقيقيةً تذكّره بمدينته وبرموزها, وكأنه يعاود بين الفينة والأخرى إلى أحضان مدينته وما فتئ يذكرها مباشرة تارة وتارة أخرى غير مباشرة, ويكون الاستدلال على ذلك بذكر إحدى المرموزات, فهو في مطالعته لـ( مقطع عرضي من نهر ميكون) قد انتقى جانبا مثّل توقه إلى الالتقاء بما يوافق ذاته ليعلن:

    بوذا بعينيه الماسيتين
    لا يكلُّ عن عبورِ النهرِ

    أزمانٌ تمرُّ
    وأساطيرُ تنمو
    كجراحٍ الأيامِ(46)

    فكم تمنى لو انتزعت هذه المآسي وطُمرت في جوف الأرض, لتبدأ حياة جديدة يعمها السلم والأمان, وكم تمنى لو تبدّلت تلك الأوطان التي تناسلت فيها الحروب فسلبت أمانها, إلى وطنٍ جديدٍ يرفل بالسعادة وينعم بالحياة, فهو يطلق عباراته لتحقق له بعداً حيوياً يتنفس من خلاله النص وجوده الحقيقي, فلا مكان للأسى, ولا ضجيج للحروب, ولا خراب :


    يُخبرُ أصحابَه عن "وطنهِ الجديد"
    عن المدنِ التي استقبلته

    عن أنهارٍ تَهطُلُ منها
    نجومٌ وشموسٌ
    يُخبرُهم عن غاباتٍ
    وعيدٍ دائمِ الْخُضرَةِ(47)

    ويكرر القول بذكر النهر ويفرد له عنواناً جديداً , فبقدر ما يصف الحياة التي تحيط به والناس الذين يعملون بقربه, إلاّ أنه انشغل بذكره وترك ما يُحيط به, فأعاد لذاكرته هاجس مدينته, فتكرار النهر مقصود لما له من أثر بالغ في حياته, فكلما رآه ارتدت ذاكرته إلى حيث الماء, ومن مصاديق فكرته ميله إلى تكراره غير مرة فيقول في (نهر ميكون) :

    وفي زحامِ أحزانِه تضيع حتى هدأةُ الليلِ
    كمْ خبأَ أسرارَ هذه المدنِ
    هو الذي خبأ الريح تحتَ سُرّتِه
    وفي طينِهِ تَفَحَّمَت أحلامٌ وعروشٌ (48)

    لقد تفجر في الشاعر سؤالٌ مريرٌ فأعقب له غصةً, ما ذنب بلاده حتى تكون أرضاً للصراع والحروب , وهذه البلاد الجديدة التي هو فيها- أي نيوزلندا- لم تشمْ رائحةً للبارود, السماء فيها صافية لم يلفعها دخان مأساة, ولم يشُبْها التعكير, فهي في خير وارف, بوصفها تجنبت الصراع والتفعت بالوحدة والتعاون وهذا ما تجلى أمامه وهو يتخطى بأروقة تلك البلاد الجديدة ليقول:
    هذي البلادُ
    توزعُ الأشجارَ مناشيرَها على المارةِ
    والمطرُ يهذي طوالَ العام
    الرياحُ نزقة
    والطمأنينةُ أيقونتُها المستديمة(49)

    ويعرض بالذكر أنّ هذه الحياة التي رآها, جاءت بمفردها أم أنها قامت بتعاون أبنائها, فيعرّج بالقول أن الحياة التي رآها خالية من الأنانية واللؤم, وعندما طابت النفوس بالمحبة طابت الحياة, ولعله ذكر ذلك غير مرة, وركز على الامتياح منها بوصفها منابع للخير, فلا سبيل للانتفاع من الحياة إلاّ من خلال المحبة والتسامح, فهما مصدرا كل خير و بلا وازع:

    في سمائكِ الخجولة
    قوافلُ الغيومِ ترعى مُستفزةً
    لا أبواقَ .. لا مزاميرَ
    تعيد البهجةَ لروحي(50)

    ويستمر بولعه في حب الحياة والتغني بها, ففي نهاية مجموعته يبدو الشاعر متفائلا, إذ فتح قصائده نحو ذاته راغبا بان يُقيم توازنا بين مشوار ألمه وبين ما يلح على أحشائه, فلم يرغب أنْ يجعل اليأس يهيمن عليه ولا أنْ يكون لاهيا غير آبه بما جرى أمامه وما زال يجري للحظة من ظلمٍ, ولو أنّ المساحة التي أفرغها للحزن أكثر بكثير من المجال الذي تركه للآخر , فافرد قصائد من مثل(القمر الذي لا يجيد سوى الانتظار) و(مطر في قبضتكِ)(51).
    ولم يدم هذا التغني طويلاً, إذ سرعان ما تلبّسه الهم الذي شغله, ولم يستطع الانفكاك عنه, فعاود في القول (لا قارب يجعل الغرق يتلاشى), فالتمسك بالأمل بادٍ عليه وهو سائر يمضي ويتخطى الصعاب, والآمال ملء رحلته, وأنه يسعى مثابراً حتى تحقيق الغاية:

    ركعتْ حدائقُ بابلَ تتلو مزاميرَ شعرائها,
    فعبرتُ المزاميرَ, في كل مزمورٍ أتركُ صوتي,
    وأقطفُ عِطراً.(52)

    وفي ختام قصائده يوصل القارئ إلى ضفة الأمل, بعدما أبحرَ طويلاً في موجه الحزين, وقدّم ما يوافق أفق انتظاره الطويل, فكم كان يرجو المتلقي من شاعره أن يخفف صداه الشجي, ولكن ثمار رحلته قد أينعت, وهاهو يختم قوله (كش ملك), وهذه هي النهاية المأساوية للملك وأعوانه, وهي نفسها لحظة النصر والبهجة للمظلومين, ولعل الشاعر كان أكثر توفيقاً حين حقق الغاية وهو يجوب برحلته المدن ويقاسي الهموم, فتغيرت موجهاته الشعرية إلى هذه النهاية, وأرسى خطابه الثقافي, وجعله مرتكزاً معرفياً, وبما أنه جزء من إيقاع الحياة الساخن فقد توجه نحو جمهوره مغادراً لحظات التذمر راغباً في التأسيس لمنظور جديد يحطم فيه أحلام الطغاة, ليطل في النهاية بقوله الذي حقق فيه بلوغه للنهر:

    وحينَ انهمر البوحُ
    جرحتني معارك وخياناتٌ
    شرطةٌ تتكتمُ بنصف عرقِ جبينِهم
    وساسة بعد الثراء قالوا لهم:
    كش ملك.(53)

    لقد أسس الشاعر لحياته الشعرية الكثير من الأجواء التي مكنته من بث لواعجه وهمومه, وتسجيل ذلك في شعره, لما مرّ به من مواقف دعت الحاجة إلى توثيقها, كما عُرف الشاعر"بقدرته المبصرة في تمثل (الواقعة العراقية) بما تحمله من قضايا وشؤون, فكان متمكنا من معالجة الوقائع بممكنات شعرية مثابرة لا تلامس الجرح بأصابع حيادية بل توغل عميقا في التفصيلات مختطا لتجربته فضاءً شخصياً ينطلق من جرائه نحو مناطق بكر تجعل من مروج قصائده شاخصة وعنيدة في مواجهة مهيمنات الاغتراب وعصف الابتعاد عن (البيئة الأم), (...) واخذ الشاعر يؤسس لفجيعته الفردية مدناً من القصائد والأفكار والتوق إلى (الوطن) باعتباره(كذا)* المتن التأسيسي لبلدان الأرض ( حضارة وإنسانية)"(54).
    ويبدو أنّ الشاعر قد بلّور معظم قصائده وسخّرها لتكشف عن اشتغال مميز, وقد لا يكون مهموماً بقلق التخطي والتجاوز بقدر ماتنحدر همومه في سهول الوطن ولا مناص" من الإشارة إلى أن شعراء( النصّ المختلف), أثقلتهم- في لحظات الانكسار الروحي- أغلال زمنهم, ودفع عصفُ الريح بأشرعتهم في عمق الطوفان, وهاموا في دوّاماته, فمثلوا- أحياناً- خارج المتن الشعري(المختلف), فجاءت بعض نصوصهم( مؤتلفة) مع زمنها تحاكيه هشاشة وعبثاً"(55) وكانت محاولاته طموحة لتغير معالم البؤس والخراب إلى البناء والنهوض بواقع جديد يسمو بالعلم والتقدم, فمن خصائص الإبداع الحقيقية" القدرة على تحويل ما هو سلبي في المحيط ومظاهر الحياة إلى قيم ايجابية جمالية تحل محل مظاهر الخلل السلبية والقصور والنقص في الكثير من جوانب الحياة , يمكنه من ذلك-المبدع- قدرته العالية على امتلاك الحساسية المعقدة الخاصة جداً والاستعداد الموهبي في تحويل ما هو سلبي إلى ايجابي ... وبهذا لن تكون العزلة النفسية للمبدع, اغترابا سلبيا, مغيبا عن تأثيره في المحيط"(56).
    ولا ريب في أنّ الشاعر لم ينسَ وطنه, وليس من شك من انه يروم إلى تحويل كل مفصل من مفاصل شعره في خدمة المشروع الوطني, وفي كله قد تجلى حضور بلده الغالي كي لا يُلاحق بعذابات الضمير, فجاءت عباراته مشحونة بدفق هادئ, يصورها بومضته الذهنية, وكان ذاك بتأثير الدفقة الوجدانية, وهي تحمل صور الحلم الذي لم يكتمل عند الشاعر, فما زال الوطن يمور في أمنيته, فهو ليس الوحيد الذي تمزقه عذابات وطنه, ذلك أن "عذاب الوطن وما يحيط به من خراب ونسف وهدم, وألم الأبرياء وما لحقهم من حرق وتقطيع أوصال هو في طليعة العذابات التي ينوء بها الشاعر العراقي(...), وإذا كان العذاب هو بنية ماهوية في النفس الإنسانية كما يقول الفلاسفة فان عوامل استفزازه وإشعال شجونه هي عوامل مضافة تعمل على ضعضعة سكونه وفورانه فوراناً يمزق كل خلايا الجسد ليملأها مرارة ووصباً وانفصال..."(57)
    إن الشاعر في كل ما لاحظ وشاهد, كان يرغب في إضفاء كل جماليات الكون ليهديها إلى وطنه, ورغب الشاعر في أن يكن جزءاً من التاريخ الوطني, هذا التاريخ الذي لا يستطيع أحد إنكاره أو التطاول عليه, وكله تفاؤل في كسح الضباب عن بلده, وان يبقى يزهو على كل البلاد, فهو قد مرت عليه الصعاب فغادرها معافى , وانتشل الجراح مانحاً إياها بلسم الوحدة, ويبقى طائر الوجد الوطني يحمل جرحه في قلبه والعذابات تمزقه, ولن يستقر حاله إلاّ أنْ يرى العراق يقف بعزمه ولم تنل منه المآسي سوى انها صنعت منه صلدا بوجه الصعاب, وهي من تُعطيه شحنة الصمود والثبات على الأيام, وان يكون بلده العراق كاليابان, يتغاضى عن الجراح, وهمه كيف يبني ويقف بعزمٍ, وعندها يتحقق أمل الشاعر في البلوغ إلى النهر.

    الخاتمة
    لقد استطاع الشاعر أن يقدّم إدانةً واضحةً لمرتكبي الخراب, كما أعلن عن شجبه واستنكاره لمثل تلك التصرفات (اللاخلاقية) وكان عبر تمظهرات إحتجاجية ولم يتوقف عرضه عند الخضوع والإستسلام, فالمشاهد المختزنة في ذاكرته كانت دافعاً ملحاً لتولد صرخته ولتتبلور فكرته التي تُرجح تحرير الفكر الإنساني من هول الخراب وصورته الغائمة والأخذ به نحو الأمل وسطوع الحياة, من هذا المنطلق نهضت رؤية الشاعر في توصيف مناحي الدمار وكشف النقاب عن الأفعال المستبدة, من خلال إعادة التوازن بين متضادين (الخراب, السلام) مما اضطر بعضهم على اختيار الثاني لهول الأول.
    إن مسيرة الشاعر الطويلة قد كشفت عن الغاية التي ينتظرها المتلقي, وما تلك القصدية في التباطؤ لعرضها إلا دليل مقنع في عدم التسرع لإعلان النوايا فقد آل الشاعر المناورة والاستدراج وطول المعاينة, كيما يتسنى له التعبير عن أزمته الخانقة ولتتضح دلالة نصوصه التي توقف بها عند كل ما له علاقة بوطنه, واثبت بالكثير من أقواله اصطفافه للنزعة الإنسانية وحرص على انتمائه لهذه المنظومة بكل تجلياتها الفكرية والاجتماعية .., والانضواء تحت مقولاتها.
    لقد تبنى الشاعر ثقافة مضادة أيقظ من خلالها مشاعر المحبة إلى السلام من خلال فضحه كل المحاولات التي تعمد إلى تدنيس المعالم الجمالية التي صنعتها الذات المبدعة, حتى تتعاورها يد السوء فتحول معلمها الأبهى إلى مدن مهجورة, ولذا فقد أراد أن يضع حدا للتجاوزات التي تقود إلى الخراب حتى لا تتمدد وتستبد وان لا تلاحق زهو الحياة فتقتل نضرتها وألقها.
    لم يرتكن الشاعر إلى الجمود في نصوصه الشعرية إنما أراد لها أن تتصف بالحركة وان تتـــــنامى في التعالق بين الصورة والحقيقة, وان يخلص إلى حقيقة ناصعة إلا وهي أن السلام عنوان الحياة, ورأى في استخلاصه تلذذا منحته مسيرته الأدبية التي رآها جزءاً من مسيرته النضالية وإنها تقع ضمن حدود الواجب الوطني ولذا فهو لم يتخطـَ الأحداث, إنما حاول أن يستعرضها وأن يستثمر ما تيسر له من إمكانيات التأثير وإرشاد المتلقي ليكون عنصراً بناءً يستحسن المحبة والسلام والوئام ويستهجن كل ما يسلب الحياة رونقها فتغدو خرساء لا سكن فيها, وما عنوان مجموعته (بلوغ النهر) إلا دليلٌ على النصر الإنساني الذي يقهر الطغاة.


    الهوامش:
    * تجييل الكتابة الشعرية في العراق بين التنظير والإجراء , دراسة في الجيل التسعيني , سعيد حميد كاظم , دار الشؤون الثقافية العامة, بغداد, ط1, 2013م,.ص73.
    1- الرائي , باسم فرات , دراسة ومختارات وحوار , تقديم: عيسى حسن الياسري , دراسة: فاضل ثامر , إعداد وحوار: ناظم السعود , الحضارة للنشر, القاهرة , ط1 , 2010م, ص97.
    2- باسم فرات : في المرايا, دراسات وحوار, وديع شامخ , تقديم: حاتم الصكر , مراجعة: حسن عبد راضي, التكوين للتأليف والترجمة والنشر , دمشق , 2009م, ص37.
    3- أنا ثانية , باسم فرات, شعر, منشورات بابل, المركز الثقافي العربي السويسري زيورخ-بغداد, ط1, 2006م, ص19.
    4- بلوغ النهر، باسم فرات ، شعر ، الحضارة للنشر , القاهرة , ط1 , 2012م.
    نُشر في مجلة الأقلام العراقية، العدد الثاني 2013

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد فبراير 25, 2018 2:17 pm