اللحظة الأكثر دموية حول دور المثقف

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    اللحظة الأكثر دموية حول دور المثقف

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء مارس 31, 2015 3:00 am



    سألني صديق: لماذا تستشهد بنسبة المسيحيين في دمشق، مرددًا بفخر مرة وبمرارة مرات أن عاصمة الأمويين كانت لغاية عام 1860 ميلادية يشكل المسيحيون فيها نصف السكان، بينما النصف الثاني يتكون من مسلمين ويهود وديانات أخرى ربما. أردد بفخر لأني لا أنظر للنصف الفارغ من الكأس، فأجعل من تاريخها عبارة عن دماء وعنف، وإلاّ فكيف لأول عاصمة لإمبراطورية إسلامية، تُتَّهَم السلالة الحاكمة فيها بتطرف قومي بل عنصري، ومن ثمة تداول الحكم عليها أهل الشرق والغرب، ولم تختف ديانتها الأولى؛ لكن الحال تغيّر مع انتكاس الدولة العثمانية الذي تزامن مع انتشار المبشرين الغربيين.
    أما المرارة فيما أردده، فهو فشل المشروع النهضوي العربي، لنصبح نهبًا لضباط جهلة قادوا انقلابات دموية، أطلقوا عليها ثورات، جعلوا الناس تترحم على الماضي، وكلما مضت السنوات مضينا نحن للوراء. فكان توريث الحكم الجمهوري، وبقاء الحاكم الفرد حتى يُقتل بانقلاب أو يهرب، ثم صارت الاستباحة العلنية لبلداننا. تشدقوا بالأمة العربية الواحدة، والوطن العربي الكبير الذي قسمته معاهدة سايكس بيكو 1916 ميلادية، بينما الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، وثمة عدة دول وأقاليم، ما بين احتلال فرنسي وبريطاني وإيطالي وإسباني.


    الهوية الضيقة

    كذبوا ونهبوا الثروات وفقدوا تعاطف الفئات غير العربية وغير الإسلامية نتيجة خطابهم العنصري، فتحوّل الناس رويدًا رويدًا إلى الدين كملجأ لهم. وبعد بروز الثورة الخمينية في إيران، لبس الكثير من العلمانيين رداء الدين وكتبوا عنها، فكان لا بدّ من خلق معادل يوقف زحف الخمينية، فبرز التطرف السنّي أولاً تحت لافتة الجهاد في أفغانستان، ليتحول الصراع على المنطقة العربية التي هيأهتها الأنظمة العربية ذاتها، لتتراجع قِيَم المدنية أولاً، ثم يكون الانكفاء على هوية ضيقة، قومية عنصرية معادية للعرب والعروبة على حدّ سواء، وتتمدد أوهامها مقتفية في ذلك ذات السبل التي طرقها التطرف القومي العربي.

    وأما العرب فقد تخلوا عن هوياتهم الكبرى وطنية وقومية وإنسانية، ليصبح المذهب هو المعبر الرئيسي والوحيد. شعراء حداثة وأدباء وكُتّاب، كانت يسارية بعضهم تكفر بالعروبة والإسلام، وإذا بهم يتمسكون بالكفر بعروبتهم ولكن إنسانيتهم انحصرت في المذهب والطائفة، وانهالت المقالات التي تبرر للهوية الضيقة. لكن هذا لا ينكر وجود فئتين واحدة لاذت بالصمت، وأخرى تنتقد طائفتها فقط وتقف مع الآخرين حتى في أوهامهم وأكاذيبهم. لم يعد قتل وترويع الآخر المختلف، جريمة إنسانية، وتمزيقًا للنسيج الوطني، بل هو دفاع عن النفس، إن كان إرهاب النظام أو المعارضة، هكذا يرى المثقف الطائفي.

    ثقافة الاستبداد

    داعش ليست ابنة بارة للإسلام المحمدي، بل هي نتاج أخطاء أنظمة وأنساق ثقافية وحوامل اجتماعية تجب دراستها وتفكيكها وإيجاد الطرق الكفيلة للتخلص مما علق من الماضي القريب، وما كان لها أن تكون لولا عزوف الكثير من المثقفين عن دورهم الراصد والتحليلي لهذه الظواهر. لم تتمكن أنظمة القمع العربية من إقناع الجماهير بالمجد التليد وبالوحدة العربية والوطن العربي الكبير، فما إن سنحت الفرصة حتى تهشمت القومية العربية وتعرّت كأيديولوجية عنصرية لا تحتفي بالتنوع. كذلك لم تتمكن النخب الثقافية العربية من إنتاج خطاب نقدي تفكيكي تحليلي بلا أيديولوجية.
    بروز ظاهرة المداحين والرداحين، مَن دبّجوا القصائد والمقالات والكتب في تمجيد السيد الرئيس، ومن يضع المؤلفات التي لا هم لها إلاّ الانتقاص من العروبة والإسلام، من خلال النبش في روايات أحادية عند ابن كثير وسواه، ومَن يثني على أوهام الأقليات، ومَن يتنافح شرفًا وإنسانية على شخص ليس مسلمًا أو ليس عربيًّا اضطهد على يد نظام أو ميليشيات، غافلاً عن مئات الآلاف من أبناء الأكثرية العربية وهم يذوقون الموت في سجون التسلط الحكومي والحزبي. في ظل عقلية كهذه، نمت ظاهرة التطرف الطائفي، التي هي ابنة بارة للمجازر البشعة التي ارتكبها اليسار أمميًّا وقوميًّا.

    لم تتمكن النخب الثقافية العربية من تثبيت وإشاعة عقد اجتماعي، والتركيز على دراسة الأسباب والأنساق الثقافية، بروح علمية صارمة، وهذا لا ينكر المحاولات العديدة لمفكرين ومثقفين عرب، لكنها لم تتحول إلى ظاهرة، مثلما لم تتحول إلى ظاهرة وثقافة، مواقف بعض المثقفين التي لم تعرف ردة الفعل، أي خطابها وسلوكها واحد، لا تقع تحت تأثير استفزاز الآخر. لا تردد ما تتناقله وسائل الإعلام من مصطلحات تسيء لوطن وأمّة أو عقيدة، مثال إلغاء مصطلح الشعب العراقي واستبداله بمصطلح “العراق بطوائفه وقومياته” أو “العراق بسنته وشيعته وأكراده”، والآن يقال عن سوريا الوطن والشعب والأمة.


    انتباهة المثقف

    على النخب الثقافية تقع مسؤولية الخروج بالأمة من نفق الطائفية والتطرف القومي، وبناء خطاب عقلاني لا يعادي الدين ولا يلغيه، بل يحتفي بتنوعنا وينظر للجامع على أنه جزء من المجتمع، لأن محاربته تضعنا في ذات الدائرة التي يقودها المتأسلمون، دائرة الإلغاء والإقصاء وأن الحقيقة بيد فئة واحدة، ولا يحق النظر إليها من جهة مقابلة. ليس الخطر الأوحد داعش فقط، إنما ثقافة الفرقة الناجية، التي لا تسمح بوجود فرق مختلفة، قومية ودينية ومذهبية.

    هذه الثقافة هي مَن خلقت اختلالاً بالمجتمع، مما جعل مدينة مثل دمشق، بل مدننا العربية مثل بغداد والموصل وبيروت والقاهرة والإسكندرية، تشهد هجرة مسيحية، تفقر تنوعنا وتسيء لتسامحنا وطبيعة مجتمعنا، مما يمنح الفرصة للنبش في كتب التراث عن أيّ رواية مهما كانت ضعيفة عن دموية العرب والمسلمين، ثم القول إن الإسلام دين عنف. هنا يأتي دور المثقف، الذي عليه تعرية الأنظمة وما فرخته نتيجة ظلمها واستبدادها من أحزاب دموية إرهابية.

    هل قلت إن الأنظمة هي السبب، وإن دور المثقف من الأحداث يجب أن يكون تفكيكيًّا لا شعاراتيًّا؟

    صحيفة العرب اللندنية
    21 كانون الأول 2014 ، العدد: 9775، ص(10)]
    http://www.alarab.co.uk/?id=40909

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 9:03 am