قراءة في ينابيع اللغة الأولى للباحث سعيد الغانمي

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    قراءة في ينابيع اللغة الأولى للباحث سعيد الغانمي

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يوليو 21, 2015 3:31 am


    منذ سنوات وأنا مهموم بأمر اللغة العربية وتطورها، ودور العراق في هذا التطور، أسعفني بعض الشيء ما قرأته عند جواد علي وغيره من الباحثين عن اللغتين العربية والسريانية، وتاريخ العرب قبل الإسلام، وكنت أعود مستعينًا بالهوامش التي يضعونها إلى أمهات الكتب. فالنهضة المَدَنيّة التي حدثت ما بين نهاية الثلث الأول من القرن السابع والقرن العاشر الميلادي، جعلتني أتساءل هل حقًّا حدثت بلا أسس تمتد لقرون عديدة، فلا يُعقل أن هذا الاندفاع كان يخلو من جذور غائرة في الأرض العراقية نفسها، مثلما أرض اليمن. الإشارات كثيرة في كتب الإخباريين المسلمين. وحين شرعتُ بالكتابة في هذا الموضوع، عرضتها على الصديق الدكتور حسن ناظم، فاقترح عليّ الاستعانة بكتاب الباحث والمترجم سعيد الغانمي "ينابيع اللغة الأولى: مقدمة إلى الأدب العربي منذ أقدم عصوره حتى حقبة الحيرة التأسيسية"، فكتبت لبعض الأصدقاء من أجل الحصول عليه، فكان الكتاب بين يديّ، وبعد رحلة البحث عنه أتت رحلة البحث فيه.
    منذ عنوانه التوضيحي "مقدمة إلى الأدب العربي منذ أقدم عصوره حتى حقبة الحيرة التأسيسية"، يضيء لنا المؤلف فحوى الكتاب الرئيسية، إنه رفع الغبن عن دور الحيرة التأسيسي في الحضارة العربية الإسلامية، بصورة عامة وباللغة العربية بصورة خاصة. الكتاب المؤلف من سبعة فصول، لم يكن وضع الفصلين اللذين هما رسالة الكتاب قبل الفصل الأخير إلا دليل دقة حفريات الباحث وجهوده المتميزة، فكان الفصل الخامس "تاريخية اللغة العربية" والفصل السادس "حقبة الحيرة التأسيسية". وكان الفصل الأخير
    الكتاب المكون من 410 صفحات، بطبعة أنيقة يهديه المؤلف إلى العلامة جواد علي، بهذه الكلمات التي تدلّ على وفاء المُهدي "إلى روح العلامة الراحل: جواد علي، لم تقف معك مؤسسة، في إنجاز مشروعك الكبير بل كنتَ فردًا. ما أكثر العقبات التي تخطيتها! لم تخلف مدرسةً، ولم تبن أكاديميةً لكنَّ عملك وحده كانَ مدرسةً شامخة، وأكاديميةً بعدة طوابق". وصاحب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام وتاريخ الصلاة في الإسلام والمهدي المنتظر عند الشيعة الإثني عشرية وغيرها يستحق لما بذله من مجهود علمي في ثقافتنا العربية، ومازال مفصله الأكثر مرجعية علمية رغم مرور أكثر من ربع قرن على صدوره.
    يشرح المؤلف في مدخل الكتاب كيف بدأت فكرة كتابه هذا قبل أكثر من عشر سنوات حين كان يقرأ إحدى روايات الكاتب الليبي إبراهيم الكوني، وفجأة شعر بأن شخصياتها تتحدث تمامًا مثل الشعراء الجاهليين، فقال في نفسه: لابد من وجود وشيجة بين أدب الصحراء الكبرى وأدب صحراء العرب. وقد تعلم من ابن خلدون أن أهم ما يميز عبقرية الأخير هو فتح النوافذ الداخلية بين القراءات المتعددة، حينها تساءل: لماذا إذًا لا يفتح فكرة العصبية نفسها على فكرة "الحقبة التأسيسية" في المناهج الحديثة؟.
    في الفصل الأول "دورات اللغات الأدبية" يوضح المؤلف عمله بتبديد النظرة (السكونية) اللاتاريخية للغة العربية التي تبنّاها دعاة أن اللغة العربية الفصحى واحدة من أقدم اللغات التي لم تخضع للتطور أبدًا، وينبغي البحث فيها عن "أصل" اللغات جميعًا. مبيّنًا أن ثمة "موجات" من العربيات الأخرى التي تركت بصمتها عليها، وأن العرب كانوا يعيشون في العراق ومصر، ولكي يتوصل إلى مخطط لبيان "تاريخية" اللغة العربية، يبرز أهم الحقب "اللهجية" والثقافية التي أفلحت في إنشائها الدول العربية القديمة، وصولاً إلى آخر حقبة معروفة، وهي حقبة الحيرة التي نشرت العربية الفصحى، والتي هي آخر لهجة عربية معروفة. وهذه الحقب تنقسم إلى:
    أ- السلالات الجنوبية، وهي معان (معين) ومن أهم سماتها هو الوزن الصرفي للفعل (سفعل) إذ تحل السين محل همزة التعدية في الفصحى، والضمائر المتصلة فيها هي السين مثال (أبوسُ): (أبوه)، و (أبوسا): (أبوها) ليذكرنا المؤلف أن السين العربية القديمة كانت قريبة جدًّا من الشين مما يذكرنا بالضمائر في البابلية من دون شك حسب قوله.
    قتبان: تشترك مع المعينية في الوزن (سفعل)، السابق على الوزن (هفعل) السبئي. وتحتوي القتبانية على علامة لتعريف الاسم المثنى في إلحاق (نيسن)، وعلامة لتنكيره هي إلحاق (ميو). والضمير المتصل هو السين وليس الهاء مثل المعينية. وأسماء الإشارة للبعيد هي: (هو) للمذكر المرفوع، و (هوت) للمذكر المنصوب، و (هيت) للمؤنث المنصوب. أما ضمائر الوصل فهي (ذ) و(ذو) للمفرد المذكر، و (ذت) للمؤنث، و (ذو) و (ذن) للمثنى، و (ذتو) للجمع، أو (أولو) أو (أل)، ومن أدوات الشرط (همو).
    سبأ: دوّنوا لهجتهم في خط المسند الجنوبي الذي كان يتألف من (29) حرفًا، وأهم خصائصها استعمال هاء التعدية بدل الهمزة في الفصحى، حيث يكثر لديهم الوزن الصرفي للفعل (هفعل). وأداة التعريف هي حرف النون في آخر الكلمة، والتنكير هي حرف الميم، فالملك بالتعريف هو (ملكن) وبالتنكير هو (ملكم).
    حضرموت: تنفرد الحضرمية أيضًا بلهجاتها الخاصة التي قد تكون أبرز سمة فيها من الناحية الصوتية أنها تعامل صوتي الشين والثاء بوصفهما فونيمًا واحدًا، وليس فونيمين منفصلين كما هو الحال في اللهجات الأخرى. وكذلك تعامل الزاي والذال بوصفهما فونيمًا واحدًا، لا بوصفهما فونيمين متميزين، وهي مثل القتبانية إذ تضع السين بدل الهاء أو الهمزة للتعدية. وليس فيها سوى أداة نفي واحدة هي (أل)، وأداة التعريف، فهي (هن) في نهاية الكلمة، ولكن يبدو أن النقوش المتأخرة تستخدم النون فقط كما في بقية اللهجات الجنوبية.
    ب – السلالات الشمالية وتشمل:
    ثمود: أعطى الباحث موجزًا، ليخصّصَ الفصل الثاني لهم.
    لحيان: هي مملكة تكونت في شمال الحجاز قبل الميلاد بعدة قرون، وقد عُثر على نحو (400) نقش لحياني، في منطقة وادي العلا والخريبة، التي كانت قبل استيلاء اللحيانيين عليها منطقة لسكنى الديدانيين. تركوا كتاباتهم بأبجدية خاصة تشبه أبجدية المسند، لكنهم أخضعوها لتعديلات طفيفة، بسبب اختلاف لهجتهم، ومن الأمور المثيرة أن لديهم إلهين للكتابة هما (هَكُتْبي) و(هَنْأكتب)، ويرى المؤلف أن قلة ما وصلنا من نقوش اللحيانيين لا ينسجم مع هذا الاهتمام بالكتابة. وربما كان كثيرًا منهم- خارج المؤسسة الرسمية- يستعمل الخط الثمودي، الذي كان يمثل الخط الشعبي السائد على الرغم من تعاقب الحكومات والدول التي تستخدم خطوطًا أخرى.
    الأنباط: وهم شعب عربي أفلح في تأسيس إمبراطورية قوافل مهمة، وقد أمكن للمؤرخين ترتيب قائمة باثني عشر ملكًا من ملوكهم، بدءًا من الملك حارثة الأول، الذي يرجح أنه تولى العرش عام 169 ق.م. وانتهاء بعام 106م.، حين زحفت فيالق تراجان على عاصمتهم البتراء لالتهامها في عهد رب إيل الثاني. وفي لهجتهم حضور أل التعريف.
    الصفا: وقد عثر على كتاباتهم في مناطق واسعة تمتد من حماة في سورية إلى نهر الفرات في العراق، وإلى فلسطين والمملكة الأردنية الهاشمية فأعالي الحجاز. وقد تركت هذه القبائل العربية آلاف النقوش التي يتعلق أكثرها بقضايا شخصية. ومن خلال كتاباتهم أمكن استخلاص فكرة عن ثقافتهم ودياناتهم وقبائلهم وتصنيف أنسابهم. وأقدم هذه الكتابات إلى القرن الأول قبل الميلاد، وبذلك تكون الكتابات الصفوية من عهد تبلغ مدته زهاء أربعة قرون. وهذه الكتابات تظهر اتساع المعجم اللغوي والأدوات اللغوية، ونوعًا من التسامح في أشكال رسم الحروف أكثر بكثير مما لدى الثموديين.
    الحضر: عثر في الحضر على ما يزيد على أربعمائة نقش، بعضها مؤرخ، غير أن الكثرة الغالبة من هذه النقوش هي إهداء وصلوات، وهي مكتوبة باللغة الآرامية. لكن ملوك الحضر يسمون أنفسهم فيها ملوك العرب، وعبدوا ذات الآلهة التي عبدها العرب.
    تدمر: استعملوا الآرامية لغة ثقافية شأنهم شأن الحضر والأنباط.
    الحيرة: وهي أكثر مدينة يتناولها الكتاب، بل إن رسالة الكتاب هي في رفع الغبن عنها.
    بعد تحليل المؤلف للعصبية والحقبة التأسيسية، والتوحيد الإمبراطوري والاستعارة الشمسية، يخلص إلى أن عمل الاستعارة الشمسية يظهر واضحًا جليًّا لدى ملوك الحيرة، وقد توافر للحيرة ما لم يتوافر لدولة عربية شمالية قبلها، إذ امتد نفوذها في العراق والشام والبحرين وعُمان منذ القرن الرابع حتى زاحمت اليمن ونافستها على بعض المناطق التي كانت خاضعة لها تقليديًّا. والثابت أن مُلْك الحيرة انتعش في زمن الملك المنذر في منتصف القرن السادس، حين ولّى ابنه عمرو بن المنذر- عمرو بن هند- على الحجاز. وقد ساعدت التعددية الدينية في الحيرة (يهود، مسيحيون، صابئة، مانويون ووثنيون) على غياب الاستعارة الملكية، التي تتطلب وجود توحيد إمبراطوري وثني في الأساس، لكن الحيرة استثمرت توحيدًا آخر، هو التوحيد اللغوي، فقد شجّعت لهجتها الخاصة وفرضتها على القبائل التي دخلت تحت سيطرتها. هكذا تبنت قبائل العرب الشمالية لهجة الحيرة المعروفة باسم اللغة العربية الفصحى، لغة أل التعريف، وعملت على استقدام الشعراء العرب من كل مكان في الجزيرة.
    في الشعر وإيقاع الجسد، يستنتج الباحث أن الشعر عند الثموديين، ليس كلامًا منمقًا أو فنيًّا فحسب، بل هو كلام يتحرك على ثلاثة مستويات معًا: مستوى الجمالية اللغوية الخاصة بالكلام الفني، والتعبير الديني، الذي يعبر فيه الكلام عن شعيرة دينية أو طقس احتفالي، ومستوى حسي جسدي، يتوافق فيه إيقاع الكلام مع إيقاع الجسد. ثم يعزز استنتاجه برأي ابن رشيق القيرواني، ومن ثم يُعرّج على مفهوم الرجز، ثم يوضح التوافق بين الإيقاعين اللغوي والجسدي بالعودة إلى الفنون الشعبية التلقائية كما تتمثل في (الهوسة) عند عشائر العراق.
    وفي المصطلحات الأدبية القديمة: يعيدنا للينابيع كعادته، فكلمة شعر، هي "شِر" السومرية، و"شيرو" البابلية قد ظهرت في نظام الكتابة المسمارية منذ أول ظهور الكتابة. ولا يُعرف بالضبط أيهما أقدم، والمصطلح البابلي موجود في العبرانية "شير" والآرامية "شور" وكلها فقدت حرف العين، مستندًا على ما أورده طه باقر. ونفس الشيء ينطبق على كلمة أدب. وهذا المصطلحان يظهران فجأة في الأدب العربي في حقبة الحيرة التأسيسية، ويتساءل: هل يعني ذلك أن الحيرة استردتهما من التراث العراقي القديم؟.
    العرب والكتابة: الكتابة هي أُس المَدَنية، إن لم تكن الأُس الأهم فيها، وهذا معنى ما ذكره الباحث من أن الآثاريين والمؤرخين يطلقون على عصور ما قبل الكتابة، عصورَ ما قبل التاريخ، ومعرفة العرب بالكتابة الأبجدية لا ترقى إلى أبعد من القرن السادس في أغلب الآراء القديمة، بينما ترى الآراء الحديثة أن أقدم نماذج الخط اليمني القديم لا تتعدى القرن الخامس قبل الميلاد. وبعد تحليل خط المسند بفرعيه الشمالي والجنوبي، حيث الأول كان شعبيًّا والثاني مؤسساتيًّا، ثم أحد أغرب ظواهر الثقافة العربية في جميع عهودها وهي ثنائية اللغة، فهم كانوا يتحدثون بلغة عربية ويكتبون بالآرامية، (رغم أن كاتب هذه السطور لا يرى فرقًا كبيرًا بين عربية الحضر وتدمر والبتراء ونصيبين والرها وسنجار وغيرها من المراكز العربية في تلك الفترة المبكرة وبين الآرامية)، وبمن فيهم العرب المعاصرون الذين يتكلمون في حياتهم اليومية لهجاتهم الخاصة، ولكنهم يستخدمون اللغة العربية الفصحى لغة ثقافية، لينتقل المؤلف إلى آليات الشفاهية محللاً أثرها كصيغ جاهزة في الشعرية العربية حيث لا مسافة بين الدال والمدلول.
    في الفصل الثاني "شعرية النقوش الثمودية" يبدأ الباحث من ثمود في المخيال الجاهلي حيث تبدو "صورة أسطورية بالكامل" ثم ثمود في التاريخ، وتناقض الإخباريين العرب بين اعتبار ثمود من نسل النبي إسماعيل (ع) وبين وانتماء النبي صالح (ع) إلى فترة ما بعد نوح وقبل إبراهيم (ع). وأما لهجة ثمود فهي- حسب المؤلف- أقرب اللهجات العربية إلى اللغة الفصحى. والخط الثمودي، وقد عُثر على ما يزيد على ألفي نقش ما بين نجد والحجاز وسيناء والأردن وحوران والصفاة، تغطي نحو عشرة قرون، من القرن الخامس قبل الميلاد إلى القرن الرابع الميلادي. وتمتاز بثلاث خواص. أولاً: أنها تعبير عن مشاعر ذاتية، لا عن تقاليد اجتماعية. ثانيًا: أنها مشاعر تقترن بالتعدد والغزارة والانفتاح، لا بالضبط والدقة والتحديد. وثالثًا: أنها مشاعر تحاول أن تتخلص إلى أقصى حدّ من سلطة مؤسسة المعبد أو القصر الملكي.
    أثر نبونيد: مبحث يُعدّ تكملة لمبحث المؤلف عن جذور كلمتي أدب وشعر، والتأثير العراقي وأهميته، حيث يجيب على الأسئلة التي دونتها في صدر هذه القراءة، عن استحالة النهضة العربية في الكوفة والبصرة وبغداد إن لم تكن جذورها موغلة في عمق هذه الأرض، فسيطرة نبونيد على تيماء ودومة الجندل وفدك وخيبر ويثرب، وتبشيره بدينه الجديد بين قوم يعبدون إله القمر، وأسهَمَ نقل العاصمة من بابل إلى تيماء نحو عشر سنوات، إلى تأثر سكان هذه المنطقة بالمَدَنية البابلية وتحويلهم من الشفاهية إلى الكتابة، فمقاربة التاريخ بين فتح نبونيد (556-539 ق.م.) وتبني الثموديين للكتابة في أواسط القرن السادس قبل الميلاد على رأي أكثر الباحثين، يحيلنا إلى الإقتناع بوجهة نظر الباحث، الذي لم يكتف بهذا بل راح يثبت لنا التأثر اللغوي والمصطلحات الدينية ذات الأصل الأكدي وهي ذات طابع مؤسساتي تفتقر لها ثقافة ثمود في القرن السادس قبل الميلاد بحكم بداوتها.
    بعد تحليله لمجموعة من النقوش، والتي يتضح فيها الجهد المبذول للباحث، ينتقل إلى مبحث "شذرات شعرية" حيث نرى بعض النقوش بصيغ موزونة على الرجز والمتقارب والكامل. مما يعين أن جذور الشعر العربي تمتد لما قبل الميلاد أو لعدة قرون قبل الإسلام، بحيث إن الشعر العربي ليس عمره 1600 سنة بل ربما أكثر من ذلك بعدة قرون.
    وينشر الباحث ملحقًا هو وثيقة ثمودية عن وجود الفرعون نيخو، فتتجلى سخرية القدر حيث لا نجد أثرًا لهذا الفرعون الذي تولى العرش عام 610 ق.م. بعد وفاة والده الفرعون أبسماتيك، ولم يخلف ما يحفظ اسمه، وكانت المصادر الوحيدة التي تتحدث عنه هي الكتب المقدسة، وتاريخ هيرودوت، بينما فيلكوفسكي في كتابه "رمسيس الثاني وعصره" ينكره تمامًا، ليأتي عربي ثمودي بسيط، يكتب بخط يده المجهدة النازفة شهادة معاناته منه، والتي هي شهادته على وجود هذا الفرعون. فكانت كتابة مشي بن راعول الهارب من هذا الفرعون وجيوشه الجرارة، الوثيقة المادية الوحيدة على وجود الفرعون نيخو. وحسب تحليل الباحث فإن هذا النقش يؤكد وجود كتابة عربية ترجع إلى عام 605 قبل الميلاد. مما يعني أن العرب عرفوا الأبجدية منذ القرن السابع الميلادي، وحتمًا لم يكن مشي بن راعول أول مَن كتبَ، والسؤال: لماذا اتفق الباحث مع الآراء التي ترى الأبجدية العربية لا تتعدى القرن الخامس قبل الميلاد، تارة وأواسط القرن السادس قبل الميلاد تارة أخرى، بينما هو لديه وثيقة تؤكد أن الكتابة العربية تعود للقرن السابع قبل الميلاد، رغم أن بعض الحروف أقرب للكنعانية منها للمسند الشمالي؟
    الفصل الثالث "شعرية سبأ" فالذي كان المؤلف قد اختصره في الصفحتين 18 و19 من الفصل الأول نجده هنا وقد توسع فيه على مدى أكثر من ستين صفحة، وكعادته يحلل النقوش بل ويعيد قراءتها أو بعضها، ليقودنا إلى نتائج واستنتاجات تدلل على جهد باحث كما قال في المدخل، فهو الآثاري واللغوي والناقد والمؤرخ، فنبحر معه في هذه النقوش التي تؤكد مرة أخرى عراقة الشعر العربي، ففي تعويذة كهل وترتيلة ردمان، وضوح الوزن والقافية، رغم خروج بعض الأسطر (الأبيات) زيادة أو نقصانًا، وهو ما يسميه العروضيون خرمًا أو خزمًا.
    الفصل الرابع "الأنباط: اللغة والأدب": يفتتح الفصل بأصول الأنباط، حيث تقف ذات الحيرة التي وقف أمامها الباحثون حين الحديث عن الأقوام التي تفتقر للوثائق الكتابية والآثارية، يجبر الآثاريين على الاجتهاد، وثمة عدة نظريات حول أصولهم، فمن الباحثين مَن يعدّهم استمرارًا للأدوميين الذين سبقوهم في المنطقة نفسها، ومنهم من يردهم إلى أصول يمنية، أو أنهم يرتبطون مع نبايوت في شمال الحجاز، ومنهم مَن يردهم إلى أصول في جنوب العراق وشمال الخليج العربي، وساد هذا الرأي منذ بداية عصر التدوين، إذ نجد روايات ترجع أصل قريش إلى "كوثى" في العراق، كما نجد روايات أخرى تزعم أن الأنباط "عراقيون أتى بهم نبوخذ نصر في القرن السادس قبل الميلاد، ثم ذهب فريق إلى أنهم من جبل شمر في أواسط بلاد العرب، ثم سرعان ما نزحوا إلى العراق، وأقاموا هناك حتى دهمهم الآشوريون فأخرجوهم من هناك. رغم الطابع اللاتاريخي المهلهل لهذه النظرية ولكنها وجدت لها بعض الدعم على أساس لغوي في الدراسات المتأخرة التي بحثت في النقوش التي أطلق عليها النقوش العربية الأولى، التي عُثر عليها في مواقع عراقية كثيرة في أور ونفر وأبو الصلابيخ وأوروك. لكن الحقيقة التي لا لبس فيها أن الأنباط عرب خُلَّص، لغتهم اليومية العربية ولغة الكتابة الآرامية، ولديهم إله خاص بالكتابة هو (تيم الكاتب) والذي يذكر الباحث نقلاً عن ناشر النقوش أنه "انعكاس للإله الآرامي البابلي نبو، وهو كوكب عطارد المعادل للإلهة اللحيانية (هنأكتب) التي تعني الناسخ، الكاتب العظيم". هذا واستعمل الأنباط التقويم البابلي، وقد أحصيت أسماء ثمانية شهور بابلية في تقويمهم، ضمن نقوش الحجر، وشهر آخر ضمن نقوش أم جذايذ، وهي: آب، آذار، آيار، طبت، نيسان، سيون، شباط، تموز، تشري.
    قصيدة الإله عبادة: يتكرر ذكرها في الكتاب عدة مرات، ثم يناقشها ويحللها في الصفحات (187-193) وتاريخ النقش هو ما بين 88/89 ب.م. و 125/126 ب.م. وأرى فيما يخص نقش عبادة والنقوش التي سبقته أن سعيد الغانمي لم يكن باحثًا ومؤرخًا وآثاريًّا ولغويًّا ومؤرشفًا وناقدًا أدبيًّا وعروضيًّا بل كان شاعرًا في حسه الشعري بما يخص شعرية النقوش، وكأن الدراسات والبحوث والترجمة التي سرقته من الشعر، أعادته النقوش لنا في كتابه هذا شاعرًا من غير أن يكتب بيتًا واحدًا، بل إن التقطيع العروضي الذي أجراه على النقوش لهو أصعب من كتابة الشعر في أحايين كثيرة، ولا أبخس تحليله وتفكيكه لهذه النقوش أدبيًّا ونقديًّا.
    في الفصل الخامس "تاريخية اللغة العربية": يثبت الباحث بالأدلة والنقوش أن مكة كانت تابعة للحيرة، لكنه- وهو يستشهد بنقش أبرهة- يحيلنا إلى هامش لا أراه يليق بجهده المبذول فحين يكتب (ينظر نَص نقش أبرهة في كتاب: رحلة أثرية إلى اليمن، والمفصل) لم يذكر رقم الصفحة كما هو المفروض، أما المفصل فهو عشرة أجزاء (9000 صفحة) فكيف يكون البحث عن نقش أبرهة، مع هذا الهامش غير الدقيق، ليتكرر الأمر في الصفحة 209، حين يتحدث عن الصيغ الفعلية، ويعترض على رأي العلامة جواد علي، فيذكر "لأن القتبانيين لم ينتشروا انتشارًا واسعًا في مناطق العربية الشمالية، وإن وجدت جالية منهم في الجيزة في مصر" فهنا لا نجد هامشًا، ولا ندري أين ذكر جواد علي هذا، مما اضطرني إلى مراسلته فأخبرني أنه لا يتذكر الصفحة الآن ولكن هذه المعلومة في الجزء الأول.
    حين يتحدث عن لهجة قريش، يطرح العديد من الآراء، ثم يناقش العوامل الثلاثة التي تسهم على الأقل أحدها في نشر اللغة أو اللهجة، وهو العامل العسكري، فيثبت لنا أن قريشًا لم تنتصر بمعركة سوى معركة أُحد، والعامل الديني، حيث انعدام أي رواية تدل على أن قريشًا حاولت مرة نشر ديانتها، وأخيرًا العامل الثقافي، حيث لا ذكر لوجود مدرسة في مكة أو في الحجاز كله، بل إن القرشيين كانوا يرسلون أبناءهم للحيرة وبقية المراكز الحضرية في العراق وبلاد الشام ومصر. أما النهضة الأدبية فالحيرة كمملكة وعاصمة ومركز حضاري وسياسي وعسكري، ومنها انطلق المبشرون المسيحيون لنشر المسيحية في عموم شبه الجزيرة العربية. أي أن العوامل الثلاثة اجتمعت للحيرة بينما لم تجتمع لمكة، فنشرتْ عربية (أل) في عموم الحجاز ونجد وبقية المناطق باستثناء اليمن التي تكَفّلت قريش بنشرها فيه وخارج شبه الجزيرة العربية وامتداداتها. ويرى كاتب السطور أن الحيرة هي النواة التي مهّدت لانطلاق النهضة الحضارية العربية في الكوفة والبصرة. ويقودني في بقية الفصل إلى تاريخ دخول العرب للعراق، وهو بكل تأكيد تاريخ مبكر سبق الميلاد بقرون طويلة، ثم نقوش "العربية الأولى" وهي مجموعة النقوش التي يعرفها الباحثون باسم "النقوش الكلدانية للعربية الأولى" والتي عُثر عليها في أور، ويرجح أن تواريخها تتراوح بين القرنين التاسع والسابع ق.م.
    في القسم الثاني من الفصل وتحت عنوان "الكتابة" نقرأ مبحثًا (ص 241-253) يبدأ من الثورة الألفبائية الأولى، ثم من السينائية إلى العربية الأولى حيث يُشكك في رأي الباحثين باعتبار خط المسند الشمالي تطويرًا للمسند الجنوبي، مستندًا على التقاليد الثابتة للجنوبي حيث الكتابة من اليمين إلى اليسار، بينما المسند الشمالي ظل يحتفظ بسماتٍ بالغة القدم، كالكتابة اللولبية والبدء من اليسار إلى اليمين وغياب الفواصل، مقترحًا أن كتابة العربية الأولى مستمدة من الكنعانية الأولى مباشرة، والمسند الجنوبي طورها بدقة تحت سلطة المعبد، بينما لم تتح للشمالي هذه السلطة. ثم يضع خريطة الكتابة المتعارف عليها، ومن ثم يقترح خريطة جديدة مبنية على ما تم العثور عليه من نقوش توضح أن الكنعانية هي الجذر الحقيقي للأبجديات. ثم يقودنا بهدوء الباحث الصبور إلى مباحث أخرى هي "من الآرامية إلى النبطية" و"من النبطية إلى العربية" ليختمها بمبحث "الكتابة والتنقيط"، موضحًا أن سبب التنقيط هو حاجة طبيعية لكثرة التدوين وانتشار وشيوع الكتابة.
    "حقبة الحيرة التأسيسية" هو الفصل السادس (ص 255 – 314)، وهذا الفصل يبدأ من التشكيلة السكانية للحيرة وتنوعها اللغوي والديني والإثني، موضحًا أن انتشار العرب في العراق بدأ منذ بدايات الألفية الأولى قبل الميلاد، وانضموا إلى الكلدانيين في صراعهم مع الآشوريين، ثم تمكنوا من تأسيس مملكة "الحضر" وأطلق ملوكها على أنفسهم لقب "ملوك العرب"، وإن استخدموا الأبجدية الآرامية وتأثروا بالثقافة الهلنستية، ومؤكدًا أن المسافة بين عربية ذلك العصر والآرامية لم تكن كبيرة جدًّا، بل ربما كانت المسافة بين لهجة ثقافية ولهجة محلية فحسب.
    حين يتحدث في مبحث "سيادة عربية (أل)"، يؤكد على محاولته التي قام عليها الكتاب، وهي أن الشعر العربي- بمعناه العام- قديم قدم اللغة العربية، محللاً سبب صعود عربية (أل)، حيث نزوح قبائل عربية من الحجاز وسيناء والأردن إلى العراق، إضافة إلى موجة هجرة يمنية، مما جعل انتشار لهجة في عصر الحيرة تحمل عناصر أكثر اللهجات انتشارًا، وهذا هو السر في شيوع الترادف في هذه اللهجة الأدبية. وأما في مبحثه "قوة الحيرة العسكرية"، فيقول المؤلف: إذا كانت الحيرة في عهد مؤسسها الأول امرئ القيس بن عمرو قد بسطت نفوذها على العراق والشام والحجاز حتى وصلت به إلى حدود نجران، فإن الحيرة في زمن المناذرة المتأخرين لم تفقد نفوذها في الحجاز، ولتوضيح الأمر بخصوص القوة العسكرية، يستشهد بما ذكره الطبري عن عدد الدروع التي أودعها النعمان لدى هانئ بن مسعود، وتعليق مؤلفة كتاب "العرب على حدود بيزنطة وإيران" بيغوليفسكيا: "كانت أسلحة العرب على ما يبدو ذات أهمية للفرس، ولعل مردَّ ذلك إلى رغبتهم في الحد من مقادير الأسلحة التي وجدت تحت تصرفهم لا أكثر. غير أن هذا لا يمنع من وجود سبب آخر هو أن العرب آنذاك قد بلغوا بصناعة الأسلحة وآلات القتال درجة رفيعة، وأن هذا التقدم في التقنية العسكرية هو الذي أثار اهتمام الفرس بصورة خاصة". وبعد أن يتحدث عن نقش النمارة وهو شاهدة الملك امرئ القيس (ت328م.) يتساءل: هل كان في الحيرة مدارس؟، ليستنتج- من خلال الإشارات التي ملأت بطون المصادر القديمة- أن الحيرة وبقية مناطق العراق كانت تحوي مدارس عديدة تسمى "الكتاب". ثم يعرج على مصطلحات الكتابة ومن ثم نرجسية "العصبيات" الصغيرة، فعدي بن زيد العبادي، والحكاية الشعرية والبحور المترجمة، وهو في كل مبحث من هذه المباحث يعود بنا إلى الجذور السومرية والبابلية والآشورية، مثلما يتحدث عن موسوعية شاعر الحيرة عدي بن زيد، ويستنتج أن بحر الهزج هو تعريب من وزن رباعي التفاعيل في الفارسية كنموذج لما ذكر. وفي مبحث استقدام شعراء البادية يعدد أسماء الشعراء الذين قدموا للحيرة، ويرى أن السبب هو قوة الكلمة وتأثيرها على قبائل الشعراء لضمان سيطرة الحيرة.
    وقد ختم الفصل بكلمة للدكتور جواد علي، كلمة طالما رددتها مدافعًا عن أصالة عرب العراق بل عروبته وأنه مهد العروبة الثقافية وأنا لم أقرأها سابقًا وما دفاعي إلاّ نتيجة طبيعية لقراءات وتأمل لدور الكوفة والبصرة وبغداد، فكانت دهشتي كبيرة وأنا أقرأ ما سطره العلامة جواد علي قبل أكثر من ثلث قرن، حيث يقول: "لا أستبعد احتمال قدوم يوم قد يعثر فيه الباحثون على وثائق تبين أن عرب العراق كانوا قد وضعوا أسسًا لقواعد العربية، وكانوا أصحاب رأي في أساليب الكتابة وصوغ الكلام بنوعيه: من نثر وشعر، إذ لا يعقل في نظري أن يكون ظهور علوم العربية في العراق قبل الأمصار الإسلامية الأخرى طفرة من غير سابقة ولا أساس، وأن يكون تفوق الكوفة والبصرة على المدن الإسلامية الأخرى- وفي ضمنها مدن جزيرة العرب- في علوم العربية مصادفة وفجأة ومن غير علم سابق ولا بحث في هذه الموضوعات قبل الإسلام. إنني أعتقد أن علم العروض وعلم النحو وعلم الصرف وسائر علوم العربية الأخرى لم تظهر في العراق إلا لوجود أسس لهذه العلوم فيه تعود إلى أيام ما قبل الإسلام، وهذه الأسس القديمة الجاهلية هي التي صيّرت العراق الموطن الأول لهذه العلوم في الإسلام".
    وجاء الفصل السابع والأخير بعنوان "الملحمة الضائعة"، حيث ينتقل المؤلف من السومريين ليصل إلى فترة الحيرة التأسيسية، متسائلاً: هل ثمة ملحمة عربية ضاعت خلال عملية المحو التي تمارسها كل مرحلة تأسيسية جديدة؟.
    وختامًا أذكر ما ذكره المؤلف سعيد الغانمي في مدخل الكتاب (صCool: "إن هذا الكتاب ((كلٌّ)) مكتمل، أعني أن على الكاتب الذي يتناول موضوعًا متراميًا مثل الأدب العربي في عصوره البائدة قبل الجاهلية أن يؤدي مهمته على مستويات متعددة في وقت واحد، فهو باحث آثاري ولغوي ومحلل ثقافي وناقد أدبي معًا". والباحث حقًّا كان كل ذلك، وما استغراق العمل في الكتاب لأكثر من عشر سنوات إلاّ نتيجة الجهد الذي بذله الغانمي بمسؤولية تكرّسه كأحد الباحثين المهمين.
    مجلة الكوفة الدولية المحكّمة، السنة الثانية، العدد الثاني، ربيع 2013

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:53 am