باقر صاحب: خريف المنافي .. خراب الحروب

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 490
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    باقر صاحب: خريف المنافي .. خراب الحروب

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 3:34 am

    قراءة في مجموعة ( خريف المآذن ) للشاعر باسم فرات

    كانت قضية الحرب وآثارها المدمرة ونتائجها المأساوية أحد المهيمنات الأساسية في تشكيل مسار الشعر العراقي الحديث خلال العقدين الأخيرين، لا سيما أن شعراء العقدين كانت مشاركتهما مشاركة فعلية في معارك الحربين الماضيتين، وحصار ( مازال مستمراً ) كان دماره الاقتصادي والاجتماعي والنفسي كبيراً جداً على الشعب العراقي بأكمله ، والشعراء يرون ويعيشون فنطازيا مرعبة من الامراض والفقر المدقع ، الذي يؤدي الى الموت أو الجنون فيستقرؤون ردّ فعل الأنساو العراقي ازاء الأحداث وتكيفه مع الظروف اللاانسانية المحيطة به ومحاولته الانتصار عليها ، فيعبر بذلك عن إرادة جبارة تكمن في روحية شعب متحضر واعٍ ومحب للحياة وللخلق ومبتكر لشروط انسانيته في الحياة والفن والادب والعمل .
    إن القصيدة الحديثة ، ذات أثر كبير في صنع تقنياتها الخاصة بها مثل زج المفردة في سياقات دلالية جديدة ، والتشكيل الابداعي المغاير للصورة الشعرية وخلق علائق لغوية مبتكرة ، تشكل إيحاءات جديدة للمتلقي بشكل عام .
    والشاعر باسم فرات ، في مجموعته الشعرية ( خريف المآذن ) الصادرة عام 2002 عن دار أزمنة في عمان ، يحاول ان يخلق ثلاثة بؤر دلالية في المجموعة بأكملها ،.. عالماً شعرياً متشظي الابعاد والسياقات ، هذه البؤر هي .. الحروب ، الخراب ، المنافي ، ومن البديهي اننا عرفنا الترابط الكبير بين هذه البؤر ، فماذا تولد الحروب غير الخراب ، والشعراء لا يلدون سوى الرفض لهذا الخراب ، المتأتي من النتائج اللعينة للحرب ، فالحصار هو الابن اللعين والقاتل ، والحروب والمنافي هي أمكنة قسرية للشعراء الذين ليس لهم القدرة على تحمل كل هذا الألم ، وكل هذا الموت ، وكل هذا الحصار ، وكل هذه المضاعفات اللعينة ، لضغوطه اللا انسانية على الناس . والشاعر في منفاه القسري يولد في قصائده أمكنته القديمة ، وما تطلقه من تداعيات متردد صداها في أوراقه ، ليستعيذ من النسيان ، ومن هذا الأسى الذي يتركه خلفه ويرحل ، فيجده في كل مكان أمامه :
    وحيداً في ساحة العرضات
    يطلق النار على الريح
    ويفتك بأوراقه الصدى
    لا ظلال لهدوئه كي يستقيم
    كيف لي أن أبلّ نسياني
    بهزيع التمائم ( ص 10 )
    وفي إبحاره لشواطئ الامكنة الأثيرة لديه ، من ذكر، بغداد ، فأي شاعر يهاجر تكون ، بغداد ، لديه عاصمة الذكريات ، ان مدينة بغداد ، تشاطر الشاعر الاحساس بالخراب :
    أنا وبغداد
    نجلس معاً على شاطئ نعرفه
    نحتسي خرابنا

    بغداد
    ليل يجفّف عتمته بضيائي .. ( ص 11 )
    ومن قصيدة أخرى يتأثث لدينا هذا الملمح الأثير في تجربة الشاعر ، ألا وهو الاحساس الحاد شعرياً ، بغربة الأمكنة ، وخرابها ، الذي صنعته الحروب ، فينهمر علينا سيل من أمكنة الشاعر التي تؤشر مسارات التجربة الحياتية المؤلمة ، ويزدحم قاموس ( الخراب ) الشعري لدى الشاعر بمفردات وتراكيب كثيرة تؤكد تصرع الشاعر بما حدث ويحدث ، وتتلازم وتتجاوز ، هذه المفردات ، مع قاموس ( الحرب ) ، لتؤكد حتمية هذه الحصيلة المأساوية ، خلال ثلاثين عاماً من عمر الشاعر ، الذي أكد عدة مرات ، في مجموعته ، انه عمرٌ حافلٌ بالحروب والانكسارات والمنافي :
    صحراء فاض حدادها ... ( ص9 )
    الرازقيّ يسيل أسى ... ( ص10 )
    أنا أعدّ حرائق أيامي ... ( ص 10 )
    لا دليل لبوصلتي غير الأسى ... ( ص 11 )
    سلاماً عباءات الدموع التي هي تاريخنا بلا شكّ ... ( ص 11 )
    وبحطامك تفرك عن طفولتك الطائرات ... ( ص 12)
    أعلّق على الجدران انكساراتي ... ( ص 14 )
    مقبرة السنوات تتمدد فوق ذاكرة مليئة بندوب الحروب ... ( ص16 )
    لا أتنفّس سوى الخراب ... ( ص 16 )
    أتتبع آثار طفولةٍ وأُرتّقُ أمانٍ دهستها المجنزرات ... ( ص 17 )
    دون خرابي الماثل للوردة والعصافير ... ( ص 20 )
    قلنا ان الشاعر من منافيه كتب قصائد المجموعة التي أظهرت الأغتراب الكبير للشاعر ، انه شعر مليئ بالأسى والذكريات وألق الجنوب .

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يوليو 21, 2018 3:55 am