سكونية العقل المؤدلج .. أهواء وأوهام وأكاذيب

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    سكونية العقل المؤدلج .. أهواء وأوهام وأكاذيب

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 12, 2015 10:55 pm


    يغرق العقل المؤدلج في سكونية تجعله يؤمن بأن تنفس هواء آخر يعني الاختناق، فيعمد إلى رمي المختلف بشتى التهم، من أجل تسقيطه، مع تأسيس إمبراطورية وهمية لها حدود جغرافية متخيلة وتاريخ عريق ومظلومية كبرى تتناسل ويتضاعف فيها الضحايا الوهميون، فتصبح القرى التي تسكنها بضع عشرة عائلة قدمت على "مذبح الحرية مئات الشهداء" والبلدة الصغيرة آلافًا وبمرور الزمن تتضخم الأرقام حتى تصبح ، أرقامًا فلكية مع تضخم الذات والمنجز الحضاري - المدني - الثقافي، ولا فرق بين الأقوام العديدة التي تتشكل منها المنطقة وبين الفرس الذين عرفوا تأسيس الامبراطوريات والحضارة مبكرًا، ولكنهم لم يعرفوا الكتابة إلا بما كان يمليه عليهم العراقيون، فكتبوا بالآرامية في نطاق محدود وهي عبارة عن مراسلات الملوك مع الأمراء وقادة الجيش، أما بقية الناس فحافظوا على أُمّيتهم حتى حمل العرب دينهم ليعلموا الناس الكتابة التي هي أسّ المَدَنية.

    أَكَلَةُ جَراد

    ليس اعتباطًا أن أول شاعر في تاريخ الفُرس هو الفردوسي (توفي 1020ميلادية) حين أنجز العرب منظومة مَدنية متكاملة وتراثًا ضخمًا دُوّنَت بداياته قبل ولادة الفردوسي بقرون عديدة. العرب الذين هم في المُخيّلَة الفارسية أَكَلَة جراد، وسُكّان صحارى، استسلموا لأوهام هذه المُخيَّلَة التي تَمَكّنَتْ من غزو الوعي العربي نفسه. وإذا كان الفُرس قد غزوا العرب من خلال الدين فأن المستشرقين من خلال ادعاء العلمية الصارمة التي هي في جوهرها صريعة الأساطير التوراتية، وجدت أراؤهم أرضًا خصبة وبلا غربلةٍ، عند دعاة الحداثة واليسار والتغريب، بينما بقي الصوت الذي تَنَبّهَ لأخطاء المستشرقين وخلل المنظومة التي ينطلقون منها خافتًا في ثقافتنا العربية.

    الصوت السلفي الذي ارتاب من المستشرقين لدرجة الرفض لا يختلف عن نظرة المريدين في درجة قبولها والتسليم التام بطروحات الاستشراق. كلاهما لم يقرأ الطروحات بوعي خارج نطاق الأدلجة، فساهم فيما نعيشه من كارثة الهزيمة الثقافية وهزيمة الذات العربية بوصفها هوية صنعتها شعوب المنطقة وهي نتاج تلاقح ثقافات عابرة للبحار والمحيطات، كما في التأثير الأغريقي والهندي كنموذجين لا يمكن إغفالهما.

    أهواء طائفية

    مع صعود نجم الأقليات، وفشل المشروع القومي العربي المؤدلج، قاد هذا الأمر، إلى قبول طروحات العقل السياسي لبعض الأقليات، مهما بلغت في أوهامها وتطرفها.حتى أصبح الحديث عن طبيعة هذه الأقليات وتاريخها ومنجزها الثقافي ومناطق سكناها التاريخية، يُعدّ إساءة إليها، ليس في عرفها فقط بل في العُرف الجمعي العربي، رغم وجود حقيقة مبنية على المنجز الكتابي تقول إن هذه الفئات لم تعرف الكتابة التي هي أُسّ المدنية باستثناء السريان، ومع ذلك فنسبة لا بأس بها من السريان لم يكن لهم من وجود في العراق وسورية بحدودهما الحالية قبل الحرب العالمية الأولى، ولو ركّزنا على العراق وعدنا إلى ما قبل بضعة عشر قرنًا، سوف نجد تدفق السريان على العراق بحدوده الحالية بعد سنة 240 ميلادية ولكن الغالبية استوطنته بعد بناء البصرة وبغداد.
    يتساوى في العقل المؤدلج، المتعلمُ تعليمًا عاليًا مع الأميّ. كلاهما ببغاء فيما يخص عقيدته. يرفضان حتى التفاصيل الثانوية بل الهامشية فيما يخص تلك العقيدة نقدًا. يُهلّل الأميّ لقول شيخِهِ وإن تَضمّن تجديفًا يمسّ العقيدة ذاتها، من قُبيلِ تفسير نصٍّ مُقَدّسٍ بأهواء طائفية. بينما المتعلم تعليمًا عاليًا، يتصرف كمتدينٍ قابضٍ على الحقيقة المطلقة لوحده دون سواه، فيعامل كتابات المستشرقين على أنها نصوص لا يأتيها الباطل من بين يديها، وينظر إلى كل رأي مُسيءٍ للإسلام وللعروبة بالتالي على أنه رأي علميّ وحقيقة مطلقة والدليل الناصع على "باطلية الإسلام".

    أوهام وأكاذيب

    لم يُفكر العقل المؤدلج يومًا، كيف يكون العرب بدو صحارى وفي الوقت نفسه عرفوا الكتابة على الأقل ستة عشر قرنًا قبل الإسلام، وعرفوا العمارة منذ زمن سحيق، والمسكوكات (النقود) العربية تشير أكثرها تقانة إلى القرن الثالث قبل الميلاد. بل من مفارقات القدر أن أولى النقوش العربية بالخطّ المسند وتعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وُجدت بالعراق وفي أشهر مدنه القديمة مثل أور ونفر.
    يتقبل العقل المؤدلج "العلماني" كل أوهام الأقليات، وأكثر الأوهام تطرفًا هي عند الذين لم يعرفوا الكتابة حتى القرن العشرين، ولا يجدون مجدًا لهم إلاّ بشتم العرب أصحاب أكبر تراث مُدَوّنٍ عرفته البشرية، ومحاولة خلق مظلومية تاريخية موهومة على يد "بدو الصحارى". إن تكرار الأكاذيب والأوهام بشكل مستمر وبلا هوادة، يجعل الجميع يزداد تقبلاً لها بمرور الوقت. مطلقوها يتجذر إيمانهم بها، ومستقبلوها يزدادون خوفًا من معارضتها لدرجة أنهم يتماهون مع مطلقيها في اتهام مَن يُفنّد هذه الأكاذيب والأوهام.
    جاء في الأثر ما معناه "إن العنصري ليس الذي يعتز بقومه بل الذي يرى مساوئ قومه محاسن" وعليه فالمؤدلج لا يرى في نفسه ومنظومته الأيديولوجية (ديانة، مذهب، قومية ...إلخ) إلا مجموعة مستهدفة، لا همّ للآخرين إلا محاربتها ولا هدف إلاّ الانقضاض عليها. ومهما فعلت مجموعة المؤدلج من تزوير وإساءة وإلغاء وإقصاء للآخرين فهي متبتلة بالنقاء ومنقوعة بالطهر، ولا يأتيها الباطل مطلقًا.
    وهل تخلو طائفة من متطرفين؟.


    جريدة العرب اللندنية
    [نُشر في 24/08/2014، العدد: 9658، ص(13)] الأحد
    http://www.alarab.co.uk/pdf/2014/08/24-08/p13.pdf
    http://www.alarab.co.uk/?id=31184

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:52 am