لماذا لم نستلهم تراث بابل؟

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    لماذا لم نستلهم تراث بابل؟

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 12, 2015 11:26 pm


    سؤال كثيراً ما تردد على الألسِنَة: لماذا لم نستلهم تراث بابل؟ وهو سؤال حقّ ولكن معظم مَن تصدّى للإجابة عنه كان يَنآى عن الدقة والصواب؛ وعليه سأستعرض طبيعة الإجابات ومدى معرفة واضعيها بالتاريخ، وكيف إنها إجابات تُعمَّم بلا شعور بالمسؤولية، ثم أجيب عن السؤال، موضحًا رأيي في الأمر.
    أبدأ القول إن الحديث في التاريخ سماعيًّا هو إحدى الآفات، وأعني بالسماعيّ ما نسمعه ولا نمحصه ونعود إلى الكتب بحثًا عن الحقيقة قبل أن ننقل المعلومة وننشرها لتترسّخ "حقيقة" عند متلقيها لايمكن نقضها.
    الآفة الثانية هو نقل ما ذكر على لسان الأوائل أو ما ذكرته كتب التاريخ من تمجيد لأمة والإساءة لأمة أخرى، وأقرب مثالين لدينا هو تمجيد الفرس أصحاب الحضارة العظيمة والإساءة إلى العرب البدو سكان الصحراء؛ والتأكيد دائمًا على اقتران الفرس بالحضارة والمدنية والعرب بالبداوة والهمجية، الإطناب في مدح الفرس والإطناب في ذَمّ العرب أيضًا، ناهيك عن أن الفئات جميعها أصبحت أكثر رُقيًّا من العرب في الوعي الجمعي، وأصبح الحديث بعقلانية وعلمية عن هذه الأقوام يُعدّ عنصرية عربية "قومجية" كما يحلو للقوميين العنصريين غير العرب أن يصموا كل متحدث بإيجابية وعلميّة عن العرب؛ وكان أدخال الشائعات في الدين، الطريق السالكة التي مهدت لاستقالة العقل الجمعي في المنطقة وسواها، مما جعل التحريم وربما التكفير يلحق بمن تؤدي حفرياته لنقض هذه الآفات والشائعات والأكاذيب.
    الآفة الثالثة، وهي ثالثة الأثافي أن معظم مَن اِنْبَرى للحديث عن العراق والعرب والإسلام وحقوق الأقليات ,كانت معرفتهم لا تتعدى معرفة فلاح بسيط أو بائع فقير لا يقرأ ولا يكتب ويحدثك عن الدين والحلال والحرام وإلخ، عبر إمام الجامع أو قُرّاء المنابر الذين لا تزيد معلوماتهم كثيرًا على مستوى الأميين الذين يفتون لهم؛ فهؤلاء أعني مَن تصدى للأمر، تلقّوا معلوماتهم من المسؤول الحزبي أو من مؤدلج ينتمي للأقليات لا يعرف حديثه المحبة وإنما يعتقد أن الإساءة إلى العرب والإسلام وتضخيم افتراءاته عليهما يحقق له أوهامه التي يظنها حقوقًا مشروعة، مُقَلّدًا السردية الصهيونية فيما يخص المظلومية التاريخية والتي جعلت الإنسان الغربي يشعر بعقدة الذنب أمام اليهود.
    بصفة شخصية أرى أن الأقليات في العراق والعالم العربي نجحت في منع المثقفين العرب من نشر ما توصلوا إليه عن طريق حفريات التاريخ التي تقول عكس أوهامهم ولا أقول حقوقهم المشروعة في الحفاظ على خصوصيتهم وواجبنا الاعتزاز بها. فمن يستطيع الآن في العراق على الأقل أن ينشر بحوثًا عن أكاذيب الأقليات وأوهامهم وعن حسن المعاملة العربية لهم عبر التاريخ قياسًا بمعاملة الفرس والأتراك والانجليز والفرنسيين والإسبان والبرتغاليين للأقليات؛ ومَن بإمكانه التحدث بعلمية عن حضارة عربية سبقت الإسلام كانت عند نهري دجلة والفرات من منابعهما وحتى مصبهما وعند أنهار بلاد الشام وسواحل البحر المتوسط ودلتا النيل، ولا يُتهم بالعنصرية العربية و "القومجية" في حين بإمكان متطرفي الأقليات الحديث في كل شيء مهما كان عنصريًّا مسيئًا إلى العرب وإلى الإسلام بلا حذر.
    تتعرض الشعوب لمسح ومسخ الكثير من تراثها وثقافتها حين تنوء تحت جيوش احتلال متنافرة متصارعة هَمَّها تحويل الشعب إلى عمالةٍ كادحةٍ أقرب للعبيد لتنتفخ خزائن الغزاة، وأطول مدة مرت على الشعب العراقي كانت تحت الهيمنة الفارسية والتي بدأت منذ لحظة سقوط بابل 539ق.ب. حتى الفتح الإسلامي، باستثناء الهيمنة اليونانية والتي فرضت لغتها وثقافتها، ثم اضمحلت في النسيج العراقي، لكن الهيمنة الفارسية لم تكن تحمل معها ثقافة كما الإغريق، وعليه وجدت في العراق خزينة تدرّ عليها ما يشبع جشع السلطات ونهم الجيوش وإدامة الحروب.
    حين نتحدث عن الثقافة اليونانية، فنحن نستحضر عشرات الأسماء التي كتبت بهذه اللغة وتراثها مازال ماثلاً أمامنا مُترجَمًا إلى العديد من اللغات العالمية، ومثلما أضاع الزمن تراث الكثير من الشعراء والأدباء الذين كتبوا بالعربية ولكن تراجم ومعاجم الأدباء ذكرتهم عن طريق الإشارة إليهم، كذلك ذكر التاريخ لنا أسماء كتبت باليونانية ولم يصل نتاجها، لكن ما حدث مع الفرس هو أننا نقرأ عن حضارة فارسية عظيمة وعن حرق العرب لمكتبة الري التي تضم مليونَي كتاب، ولكن لا نعثر على شاعر واحدٍ قبل أبي القاسم الفردوسي المتوفي سنة 1020 ميلادية، ووصلنا كتابه الشهير الشاهنامة؛ أي بعد أن أنجز العرب منظومة ثقافية حضارية ثرية للغاية أضحت تراثًا لو اتفقنا على أن التراث هو كل ما كان عمره يزيد على مئتي سنة، أي المنجز الذي سبق عام 820 أو 800 ميلادية.
    من المعروف أن الألواح الطينية في مكتبة آشور بانيبال، لها ما يماثلها في أماكن أخرى ولكنها متفرقة، في حين مكتبة آشور بانيبال فيها الألواح مجتمعة، فكيف يتم حرق مليونَيْ كتاب في مكان واحد، ولم نعثر على أي كتاب في عموم المنطقة بل العالم؟ إن مليونَي كتاب تعني بلا أدنى شكّ أن عددًا مماثلاً على الأقل موزّع في أماكن أخرى منها بيوت المؤلفين ومدنهم وتلاميذهم وقصور حُكّام المناطق التي عاش فيها هؤلاء الأدباء الذين لم يُسعف الحظ مَن أطلق كذبة حرق العرب لمليونَي كتاب أن يذكر لنا أسماء ولو عُشْرهم؛ بل لم نعثر حتى على نقوش كثيرة باللغة الفارسية، في حين ما عثرنا عليه من نقوش عربية في العراق وسورية وبقية منطقة الهلال الخصيب والحجاز واليمن ومناطق أخرى هو عدد يُحصى بالآلاف والتي عبر قراءتها اتضحت حقائق كثيرة عن حضارة عربية وإن لم تبلغ مقدار ما وصلت بعض الشعوب إليه وما أصبح عليه العرب في الكوفة والبصرة ودمشق وبغداد والقاهرة، لكنها كانت القاعدة التي بُنيت عليها الحضارة العربية الإسلامية، وفي الوقت نفسه تنفي الجهل والبداوة عن العرب.
    سيبقى مثال الورود وما كانت تدرّه تجارته في خزينة بغداد في العصر العباسي، دليلاً ليس على رِقَّةِ العراقيين وتبغددهم، بل على أن الحروب والاحتلال والطغيان تفعل فعلها في شعب لتحوله من شعبٍ أسَّسَ لثقافة اقتناء الورود وتقديمها إلى شعبٍ صار يرى في تقديم المال أو الفواكه والحلويات في المناسبات أكثر قيمة من الورود، أليس انتفاء ثقافة اقتناء الورود عند العراقيين بعد الاحتلال المغولي والتتري دليلاً على ما نذهب إليه، وهي أن القطيعة سببها الغزاة والطغاة وليس ادعاء أن العراق كان يخلو من العرب وفجأة دخلوه من أسطورة اسمها صحراؤهم ليفرضوا ثقافتهم "البدوية" ثقافة الندرة التي تعني الخشونة.
    من هنا نرى أن طول مدة الهيمنة الفارسية وحروب الفرس والروم أدّت إلى ضياع تراث بابل وعدم مقدرة عرب العراق على الرغم من عراقة وجودهم فيه وفي منطقة الهلال الخصيب الكبرى عامةً، على تَمَثّل هذا التراث بما يستحق وهم الأجدر بتمثله كونهم الوارثين الأكثر أصالَة. لكن لا يُخفى أن تراثنا البابلي لم يذهب أدراج الرياح تمامًا، فثمة ما يؤكد وجود هذا التراث ولو بنسبة بسيطة بدءًا من المطبخ العراقي، إذ كشفت ألواح طباخ الملك حمورابي أننا مازلنا نتناول بشهية عالية وصفاته في إعداد المائدة العراقية، وليس انتهاء بتلك الخيوط التي تربط عاداتنا وتقاليدنا والتي نجدها بطريقة أو بأخرى لو قرأنا كتبًا مثل الحياة اليومية في بابل وآشور، وعقائد ما بعد الموت عند العراقيين القدماء.

    مجلة الجديد العدد الثالث
    نيسان 2015
    الصفحة: 76 -77
    جريدة العرب
    الصفحة 14
    الأحد 19 نيسان 2015
    www.alarab.co.uk/pdf/2015/04/19-04/p14.pdf

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:48 am