مؤيد الراوي .. شاعر منتش بعزلته

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    مؤيد الراوي .. شاعر منتش بعزلته

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 08, 2015 11:56 pm

    منذ سنوات وأنا أتابع الحالة الصحية للشاعر العراقي مؤيد الراوي عبر زوجته المخلصة فخرية البرزنجي، كانت حالته قلقة ولكن الزوجة المخلصة ورفيقة الدرب التي لطالما حكت لي عن مؤيد الراوي الزوج والشاعر والمثقف، الشاعر الذي عرفته عبر جماعة كركوك الأثيرة والأقرب إلى ذائقتي الشعرية، ومؤيد الراوي بحسب ما قرأته أنه كان صاحب الحضور الواضح في هذه الجماعة في كركوك نهاية الخمسينات والستينات من القرن المنصرم.
    حين انتقل شعراء جماعة كركوك إلى بغداد، كان الشعراء البغداديون والذين سبقوهم بالوصول إلى بغداد، يطلقون عليهم جماعة "التركمان" لم يكن مصطلح "جماعة كركوك" شائعًا، وثمة مَن رفض المصطلح وادعى أنه جدّ متأخر. إن السبب في إطلاق لقب "التركمان" على شعراء بعضهم ألقابهم عربية وبعضهم أسماءهم تدلّ على سريانيتهم، لأن مدينة كركوك كانت حتى الستينات من القرن العشرين بغالبية تركمانية، التركمان الذين أتى بهم المعتصم ثم تكاثروا بعد الغزو السلجوقي، لتتحول مدينة عربخا (كركوك) بمرور الوقت إلى مدينة بغالبية تركمانية بعد أن كان السريان والعرب قوام أهلها، وكان ريفها مصيفًا لبني شيبان.
    جماعة التركمان هم مؤيد الراوي، وهو من السادة الأشراف، عمه من رجالات الثورة العربية الكبرى ومؤسسي الحكم الوطني في العراق، بحسب ما ذكرته لي زوجته السيدة فخرية البرزنجي، وكان سبب سؤالي أن شخصًا من أدباء العراق وباحثيه، أخبرني بشيء من الاعتداد والغرور أن مؤيد الراوي تركماني، وزعم أن انتسابه إلى العرب ادعاء، فاتصلت بزوجة الراحل وأبدت استهجانها لهذا الكلام، مؤكدة ما سمعته من مؤيد الراوي ومنها سابقًا.
    مؤيد الراوي الذي ناضل من أجل عراق يسع الجميع، حين تحدث أحد أقرب المقربين إليه من الشعراء العراقيين غير العرب ضد العرب في العراق ومرددًا جملة لا تليق بشاعر بقامته أن يفكر بها لا أن يقولها، ألا وهي "العرب سبب خراب العراق فليخرجوا من وطننا" جاء ردّ الشاعر مؤيد الراوي بكل صلابة الماسك بجمرة مبادئه "أنا عربي" تأكيد الشاعر لعروبته في هذا الموقف يُبرهن أن مؤيد الراوي المناضل اليساري المؤمن بحقوق الأقليات وحق الاختلاف والحفاظ على الخصوصيات الثقافية لفئات العراق جميعها ، نضاله ضد التطرف والتعصب والإلغاء والإقصاء وكل أشكال التمييز والعنصرية.
    كان مؤيد الراوي من الشعراء المتفردين في جيل الستينيات العراقي، وقبل وفاة سركون بولص بسنة تقريبًا، كان الراوي محور حديثنا في مكالمة هاتفية استغرقت أكثر من ساعة ونصف، كنتُ في هيروشيما، وسركون بولص في مستقره الأمريكيّ، نتحاور في تجربة شاعر يعيش في برلين منذ أكثر من ربع قرن، وجدت سركون يدافع عن تجربة صديقه أمام كل سؤال يصدر مني، كنتُ أورد الأسئلة لأتعلم من شاعر أعتقد أن تجربته الشعرية هي الأقرب إلى ذائقتي، عبر سركون بولص علمت أن مؤيد الراوي لديه نتاج واضح لكنه غير منشور، وأن سركون بولص يلحّ عليه لنشره في كتاب، وتحقق هذا الأمر بعد مدة، إذ صدر الكتاب عن دار الجمل.
    بعد هذا الحديث مع سركون بولص، علمتُ من مؤيد الراوي نفسه، أنه يهتم بتنقيح القصيدة كثيرًا، وقال لي بالحرف الواحد "إنني أكتب القصيدة، مثل معمار يبني عمارة، أدقّق فيما أكتب وأنقّح كثيرًا، وبين فترة وأخرى أعود إليها لأحذف كلمة هنا وجملة هناك" وكان يخشى من ضياع ما يكتب لأن الحاسوب لا أمان له، أي فايروس بإمكانه تدمير الملفات جميعها ، فاقترحت إليه أن يرسل ما يكتب إلى نفسه عبر بريده الافتراضيّ (الإيميل)، واستحسن الفكرة، وبعد مدة أخبرني أنه يشعر بالراحة أكثر لأنه أرسل ملفاته إلى نفسه.
    ثمة أسماء لا تحب الأضواء، أو أنها لا تجيد تسويق أنفسها، وبعضها عدم حضورها المستمر في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، كان سببًا رئيسًا لتبقى في الظلّ، وما يميز الشاعر الراحل أنه كان لا يحبّ الأضواء ولا يجيد تسويق نفسه ولا يهمه هذا الأمر أصلاً، وعلى الرغم من أنه بدأ حياته صحفيًّا وعمل في بيروت في الصحافة الفلسطينية، وجاءت هجرته إلى ألمانيا (برلين) لأن نظام صدام حسين وضعه في قائمة الاغتيالات، وبنصيحة من ياسر عرفات بحسب ما أخبرتني به زوجته، تركوا بيروت إلى ألمانيا (الشرقية)، ولم يعرف له نشاط بالصحافة، مثله مثل كثيرين ممن هاجروا إلى بلدان اللجوء، لا سيما والصحافة العربية كانت مُتركّزة في لندن وباريس، ثم تَرَكَّزت بعد ذلك في لندن، وهذا عامل مساعد في تَنائي  عدد كبير من الشعراء والأدباء العراقيين عن الصحافة.
    كتبت مرة له فيما يخص عربخا (كركوك) فكتب لي رسالة أشعر بخسارة كبيرة أني أضعتها بين أوراقي، كانت درسًا في المحبة والإنسانية والعراقية، وعلى الرغم من أنني اختلفت معه في مسائل تخص العراق وتنوعه فيما بعد حين اتصلت به لمعرفة رأيه بمقالة طويلة لي عن العراق، لكنني لم استغرب فيما ذهب إليه، لأن ليس مطلوبًا من الشاعر قراءة تاريخ بلده بتفاصيل مملة أحيانًا لا تروق للشاعر عادة، وهي لا تروق لي بكل تأكيد، لكن هوسي بالعراق ومعرفة الأسباب التي أدّت إلى الكوارث التي نعيشها، وإيماني أن أبسط قواعد المعرفة تقول إن مَن يريد الدعوة إلى الاعتزاز بالتنوع والاختلاف، وحماية حقوق الأقليات في وطنه، عليه قراءة تاريخ هذا التنوع، تاريخ المنجز الثقافي والحضاري والاجتماعي لهذا التنوع.
    قراءتي لتاريخ التنوع العراقي قادتني إلى خطورة طروحات الأقليات وبناء وعي جماعي متنه الأوهام، فكانت رسالة الشاعر مؤيد الراوي لتؤكد لي صحة ما توصلت إليه، وفتحت لي مع ما قرأت من كتب وبحوث ودراسات وتأمل في مجتمعات كثيرة وثقافات متنوعة، طرقًا لفهم أعمق لحاجة وطننا العراق بل والمنطقة لتمثل تجارب الشعوب الأخرى وهضمها وإلى مراكز بحوث تشيع المعرفة بين النخب الثقافية والسياسية وعموم الناس على السواء، فلا حلّ لما نحن فيه بلا تمثل قيم الحداثة والمجتمع المدني وقدسية الحريات الشخصية ومحاربة التطرف الديني والمذهبي والقومي عربيًّا وغير عربيّ على السواء، فالتركيز على محاربة التطرف القومي العربي فقط سمح بإشاعة تطرف مغالٍ في أوهامه تاريخًا ومنجزًا عند غير العرب.
    مؤيد الراوي، شاعر لا يُغفل دوره وجيلهم بحسب ما أعتقد هو الأهم في العراق، أكثر من خمسين شاعرًا وناقدًا وقاصًّا وروائيًّا لم يتوقف عطاءهم إلا مع الموت، معظم الأجيال التي جاءت بعدهم، نصف مبدعي الجيل، وهج إبداعهم يخفت بعد سن الأربعين ومعظمهم يكاد يصمت أو يتحول إلى الصحافة أو الوظيفة الأكاديمية وهو لم يبلغ الخمسين إن لم يكن لم يبلغ الأربعين، إلاّ جيل الستينات العراقي. الموت فقط أوقف تدفق إبداع سركون بولص وحسين عبد اللطيف ومحمود جنداري وأنور الغساني والأب يوسف سعيد ويوسف الحيدري وجليل القيسي ومحي الدين زنكَنة ووليد جمعة ومحمد الجزائري وسواهم وأخيرًا الشاعر مؤيد الراوي.

    جريدة العرب اللندنية
    العرب [نُشر في 12/10/2015، العدد: 10064، ص(15)]
    http://www.alarab.co.uk/?id=63758

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:49 am