أيهــا المـــوت تمهّـــل

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    أيهــا المـــوت تمهّـــل

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء نوفمبر 10, 2015 11:54 pm


    زرت اليوم موقعين مهمين من آثار الحضارة الكُشية أو الكوشية، وكانت رحلة غنية بالمعلومات والمشاهدات، هما "كُرو" و "نوري"، وعدت بعدها إلى بلدة كريمة ظهرًا، قررت قضاء ساعات الظهيرة عند شاطئ نهر النيل، فثمة علاقة غريبة تربطنني بالأنهار حتى يُخَيّل إليّ أحيانًا أنني لست ابن حضارة مائية نهرية فقط بل سليل المغتسلة الذين كانوا ينتشرون في بطائح العراق، بعد تناولي لوجبة غداء متواضعة جدًّا، فتحت الهاتف فظهر منشور الصديقة الأديبة جميلة عمايرة، كانت صرخات ألمي تحمل موج نهر النيل معها، إنه جهاد هديب إذن، كان المكان خاليًا إلاّ من شابين أزعرين مع حصانهما عن مبعدة خمسين مترًا، يستحمان بالنيل وكادا يغرقاني فيه بسبب رفضي الاستجابة إلى طلبهما أن أدفع مالاً لهما، ولم ينتبها قطعًا إلى صرخات الأسى والتأسف والمرارة على الشاعر الذي تعرفت إليه في منتصف تسعينيات عَمّان، لفت نظري فيه ذلك الهدوء الواضح المشوب بحزن عميق، يكتم بركان قلق في داخله، وكانت مجموعته الشعرية الأولى "تعاشيق" التي أهداني نسخة منها مدار حديث إيجابي دار حولها بيني وبين شاعر عراقي حينذاك.
    قبل هجرتي إلى آخر بلد في العالم (نيوزلندا) أخبرني أنه قرأ قصيدة لي في مجلة مشارف الفلسطينية التي أصدرها الراحل الكبير أميل حبيبي، من سوء الحظ لم يصل العدد إلى الأردن، وهو أول عدد تمّ منعه في الأردن، وعدني أن يحاول الحصول على نسخة، لكن ليس بالأمر حيلة، مما اضطرني أن أقوم باستنساخ قصيدتي المنشورة من نسخة مكتبة عبد الحميد شومان في الشميساني. حملت مجموعته معي وأنا أقطع المحيطات والبحار، وفي منفاي الجديد أعدت قراءتها.
    تقطعت السبل بيننا حتى التقينا في الشارقة، قضينا وقتنا ولا حديث لنا سوى الشعر، كان مشغولاً بالصحافة وخشيت أن تسرقه من إبداعه، فلقد راح الآلاف ضحيتها، لكن الصحافة التي لم تتمكن من سرقته، جاء الخبيث (يا لعبقرية اللغة العربية) نعم الخبيث سرق منا هذه المرة جهاد هديب الشاعر والصحفي والإنسان ، المبدع الذي تميزت تجربته الشعرية بخصوصية وانعتاق، انعتاق من هيمنة الخطاب الشعري الفلسطيني السائد، نحو آفاق شعرية جديدة تمثل لشروط الحداثة المبنية على التمرد والتفرد والتجديد، هل يمكن المجازفة بالقول إن شعرية جهاد هديب تنتمي إلى خطاب شعري جاء ردًّا على اتفاقية أوسلو؟ لست بمكان الجزم ولكن الشاعر جهاد هديب مع مجموعة من شعراء فلسطينيين اختطوا أسلوبًا مغايرًا لما هو سائد في الشعرية الفلسطينية، وكأنهم ينتمون إلى النهر الذي غرف منه الرائد المؤسس توفيق صائغ نفسه.
    رحل جهاد هديب مبكرًا لكن تراثه الإبداعي باق مع بقاء الشعر، ليضعنا في أقسى المواقف، حين تجد نفسك راثيًا لأصدقاء وأحبة، كنتَ تأمل أن ينجزوا دورتهم الإبداعية من دون أن يوقف عجلتها الموت وثمارها توًّا بدأت بالتفتح والنضج والإغراء. النص الإبداعي المختلف يحمل إغراءه الخاص والمثير.
    قبل أيام ودعنا الشاعر الرائد والمجدد مؤيد الراوي والآن شاعر متميز بإبداعه، أي أسى هذا.. أيها الموت تمهل حتى يكمل الشعراء أحلامهم.

    صحيفة العرب اللندنية
    العرب باسم فرات [نُشر في 11/11/2015، العدد: 10094، ص(15)]
    http://www.alarab.co.uk/?id=66029

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:49 am